أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار عاجلة / لماذا نستخفّ بالمحن ونتجرع الأذى؟
اخوان

لماذا نستخفّ بالمحن ونتجرع الأذى؟

كتب: عبدالرحمن فهمي

إن طريق الحق محفوف بالمكاره والشدائد والابتلاءات، ولا راحة إلا بعد الموت “مضى عهد النوم يا خديجة”، والصبر بين أهل الحق والباطل مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو طريق التمحيص للمؤمنين الدعاة، ورضي الله عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين قدموا عزيمة ووفاء لدعوتهم في صراعهم مع الباطل وانتصارهم عليه ونشر الخير للبشرية يقول سبحانه: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: 1).

حتى إن أهل الباطل يصبرون ويصبّر بعضهم بعضًا على أباطيلهم (وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم..) (ص).

فالابتلاء طبيعةٌ في الدعوات، والصبر عليها طبيعةُ الأنبياء والصالحين، ولقد صبر الدعاة بفضل الله على الابتلاء الهائل الذي تعرَّضوا له، وما زال يتعرض له خلفهم من كل زمان، وصدق الله عز وجل إذ يقول: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).

وصدق الإمام القرضاوي عندما عبر عن موقف الدعاة أمام الطغاة حيث يقول:

تالله ما الطغيان يهزم دعوة          يومًا، وفي التاريخ بر يميني

ضع في يدي القيد، ألهب أضلعي       بالسوط، ضع عنقي على السكين!

لن تستطيع حصار فكري ساعة        ونزع إيماني ونور يقــــــــيني!

فالنور في قلبي.. وقلبي في يدي    ربي.. وربي ناصري ومعيني!

سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي        وأموت مبتسمًا ليحيا ديني

عوامل معينة على تحمل الابتلاء:

ولعل من أهم ما يجعل الداعية – صاحب الحق – يستخفُّ بالمحن ويتجرع عذابات الأذى والويلات على يد الظالمين ما يلي:

1- وضوح الهدف

إن من نعم الله على المؤمنين أصحاب الهدف الواضح إنارة البصيرة بعدما هدى قلوبهم إلى طريقه المستقيم وباعد بينهم وبين الشطط، وحبب إليهم معالي الأمور، ومنها:

أ- القرب من الجنة والبعد عن النار.. فذاك (جليبيب) رضي الله عنه الذي أتى بموافقة أهل العروس على زواجه وجمع له أصحابه المهر حتى يستطيع أن يمهر عروسه، سمع منادي الجهاد: يا خيل الله اركبي، فاشترى بما معه من مال سلاحا يقاتل به الأعداء ولقي جزاء حبه لله ودينه ووضوح هدفه في الحياة نال الشهادة في سبيل الله وبين الرسول الأكرم أن الحور العين تزفه إلى الجنة بعدما علم باستشهاده.

وذاك (حنظلة بن عامر) الذي ترك زوجه بعدما سمع نداء الجهاد وخرج من بيته دون الاغتسال من الجنابة ولقي ربه شهيدا ووجد الصحابة به بللاً فسأل النبي عن حاله فأخبر من زوجته أنه خرج دون اغتسال فقال عنه النبي لقد غسلته الملائكة وأطلق عليه (غسيل الملائكة).

وذاك (عمير بن الحمام) الذي تمنى الشهادة وعلم أنه إذا مات شهيدا دخل الجنة، فلما علم بالمعركة ترك التمر الذي كان في يده وقال عن وقت أكله للتمر إنها لحياة طويلة (بخ  بخ) ونال الشهادة في سبيل الله.

غرف أهل عليين وهي قصور متعددة الأدوار من الدر والجوهر تجري من تحتها الأنهار يتراءون لأهل الجنة كما يرى الناس الكواكب والنجوم في السماوات العلا, وهي منزلة الأنبياء والشهداء والصابرين من أهل البلاء والأسقام والمتحابين في الله.

ب- الحرص على رضا الله (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) فالمؤمن يسعى دائما إلى طريق رضا الله بقلب وثاب متطلع للعلا؛ اقتداء بموسى عليه السلام الذي ما تحرك إلا رافعا شعاره الدائم (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) وهكذا كل العاملين في حقل الدعوة يسيرون في هذا الطريق راجين رضاه وهذا الشهيد (أحمد ياسين) شهيد أرض الأقصى والإسلام كان يردد دائما (أملى أن يرضى الله عني) فما كان الله ليتخلى عن داع هدفه وأمله رضا مولاه.

2 – الفهم الصحيح وترتيب أولويات حياته

مما يميز إنسانا على إنسان (الفهم الصحيح لقضيته)، ألا وهي الإسلام (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ)، وغرس النبي هذا الفهم في قلوب وعقول الصحابة الكرام وتربى عليه أصحاب الهمة العالية من الذين حملوا الإسلام (مصحف وسيف – دين ودنيا- عبادة وعقيدة- ….) ووضعوه أمام أعينهم في كل حياتهم وجعلوا حياتهم لله ورفعوا شعار(حياتي كلها لله) ورددوا في كل أوقاتهم (الله هو غايتنا) نرى ذلك واضحًا جليًا في السيرة والتاريخ.

ا- فهذا أبوبكر يأتي بكل ماله لنصرة الدين ولما سئل ماذا تركت لأولادك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله, وهو أيضا يدخل الغار قبل حبيبه (محمد) صلى الله عليه وسلم فداء له (لأنه رمز الدين والدعوة).

ب – وهذا صهيب الرومي الذي ضحى بكل ماله وقال: ‏”‏لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش‏:‏ يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك والله لا يكون ذلك أبدا، فقلت لهم‏:‏ أرأيتم إن دفعت لكم مالي تخلون عني‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ فدفعت إليهم مالي فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ربح البيع صهيب مرتين‏) ونزل فى شأنه قرآن (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) فرحم الله أصحاب الفهم السليم

ج- وهذا علي بن أبي طالب الذي نام في فراش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم الهجرة وهو يعلم أن نومه هذا ربما يؤدي إلى قتله.

فلا مال ولا زوجة ولا ولد ولا شباب يمنع أن يتقدم الواحد بإيمانه وفهمه الصحيح لخدمة هذا الدين.

فالمسلم الداعية المؤمن بدعوته الذي يجعله حياته كلها (مال وولد وجاه وزوجة ووظيفة وراحة، و…) يجعل حياته وقفا لله فلا يتصرف فيها إلا فيما يرضي ربه ويحقق مصلحة دينه ويجعلها لله (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ) (الأنعام) يجد لذته في تضحياته وبذله.

3- الإيمان بالقضاء والقدر

الإيمان بعلم الله الشامل المحيط بكل شيء يعلم الغائب والشاهد، والظاهر والمستتر، وأنه سبحانه لا تخفى عليه خافيه ويعلم ما توسوس به الصدور ويعلم ما كان وما سيكون وأنه لا يقع شيء في الوجود إلا بعلمه سبحانه كما قال جل وعلا: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (الأنعام). إن الله سبحانه لا يقدر شرا محضا ليس فيه خير، بل كل ما قدر وإن ظهر لنا أنه شر كله فإن من وراءه من الخير ما لا يعلمه إلا الله كتكفير السيئات ورفعة الدراجات وتمحيص المؤمنين وتبصيرهم بعيوبهم وكشف ما يخطط لهم أو دفع شر أعظم مما حل بهم كحفظ دينهم ولو ذهب شيء من دنياهم، ونحو ذلك من المصالح التي لا تخطر على البال ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر: هدوء القلب وراحة البدن والنفس والأعصاب ومفارقة الهم والحزن , فلا تمزق ولا توتر عصبي ولا شذوذ ولا انفصام وإنما رضاء وسكينة وسعادة وراحة وطمأنينة وبرد اليقين وقرة العين وهناء الضمير وانشراح الصدر إن الإنسان الذي يؤمن بالقضاء والقدر ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن الأمة لو اجتمعت لن تضره إلا بشيء قد كتبه الله عليه, وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها : هذا الإنسان هو أسعد الناس.

4- الصبر الجميل

فقال سبحانه: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ (157) (البقرة)، وقال رسول الله معلما ابن عباس “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك” (رواه الترمذي).

فالصبر على الابتلاء من العوامل القوية التي تعين الفرد على الطريق (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً) هكذا أمر الله نبيه محمدا (صلى الله عليه وسلم): “عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ؛ إن أصابته سرّاء شكر ؛ فكان خيرًا له ، وإن أصابته ضرّاء صبر ؛ فكان خيرًا له” رواه مسلم.

والصبر من معالم العظمة وإشارات الكمال، كما أنه من دلائل الرجولة الناضجة، ومن ثم كان نصيب الدعاة من البلاء والصبر عليه كبيرًا.. قال سيد قطب رحمه الله: “فالصبر خير عطاء وأعظم نعمة ينعم الله بها على العبد الصابر، فالمؤمن المجاهد الذي ارتضى لنفسه طريق التضحية لن يستمر في هذا الطريق ما لم يتحل بالصبر، وأية فئة اختارت طريق الابتلاء فلن تدوم رابطتها ولن تتماسك بنيتها ما لم تتواص بالحق وتتواص بالصبر، والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة المباركة”.

5- الثواب المنتظر

إن الثواب المنتظر من الله الواحد الأحد، الذي رفع أقوامًا وحطّ آخرين رفع بلالا العبد الحبشي مؤذن الرسول وحط من أبي جهل.. رفع من قدر سلمان الفارسي وقال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سلمان منا آل البيت” وحط من قدر أبيّ بن خلف، وما يشاك المؤمن من شوكة أو يصاب من مصيبة إلا كفّر الله به ذنبًا وحطّ عنه خطيئة، وما أعظم الثواب عند الله يوم القيامة بأن الصابرين هم وأهليهم على البلاء من (اعتقال وتغييب وتعذيب) وما شاكل ذلك إلا جعل الله منزلتهم مع الأنبياء والشهداء، لا لشيء إلا أن كل ذلك في الله ولله، وصدق الرسول القائل: “صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة”.

هذا في الآخرة.. فما بالك بالدنيا والفرح عند نصر الله والتمكين، وإنه لقريب، وإن ريح النصر والتمكين قادمة من ثبات إخواننا على البلاء؛ ليرتفع دين الله على كل البقاع، ويسير المرء من أقصاها إلى أقصاها لا يخاف إلا الله مع سعيه الدائم..

نحن الذين بايعوا محمدا            على الجهاد ما بقينا أبدا

همسة في أذنك يا أخي

– إن الحياة صراع بين الحق والباطل وسنة التدافع مستمرة إلى قيام الساعة، والفائز في ذلك الصراع هو الأطول نفسًا والأكثر صبرًا وتحملاً. والصبر كنز من كنوز الخير لا يعطيه الله إلا من أحب.

إن من العوامل الضرورية في سلوك طريق الصبر والتدرج في مدارجه هو الصحبة الصالحة، فصحبة الصالحين ومجالستهم والتأمل في أخبارهم وسيرهم، يكسب المرء صلاحًا وتقوى، وصحبة الصالحين تضيء للمسلم طريق الخير والهدى.

فكم من الدعاة خرج من غياهب السجن بعد صبر جميل فوجد:

1- أولاده متفوقون في شتى مجالات الحياة

2- أتم دراسته وحصل على أعلى الشهادات

3- بركة في صحته مقارنة بأقرانه (هذه جوارح حفظناها بطاعة الله في الصغر فحفظها علينا في الكبر)

4- ختم القران تلاوة (مرة على الأقل أسبوعيًا) وحفظًا وتجويدًا

5- بيته آمن مستقر لأنه تركه لله وفي حفظ الله

ومن المنن والعطايا التي تحول كل محنة إلى منحة ما لا نجده إلا في ظل الإيمان بالفكرة وانتظار النصر.

وهذا يوسف عليه السلام دخل السجن مظلوما ولكنه ما ضنّ على البشرية بالجواب الشافي لإنقاذهم من المجاعة والعمل على الاستقرار الاقتصادي ولما خرج أصبح وزير مصر العامل على رفعتها وما ذلك على بعزيز فإن رب يوسف هو ربنا ودين يوسف هو ديننا وهدف يوسف هو هدفنا (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).

 وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *