قصة واقعية : عندما مات أبي !!

لما أبويا مات وأنا عندى خمس سنين كان سايب بدر أختى عندها سنة ، كل اللى جاى يعزى أمى من الستات كانوا بيقولوا لبعض :
هما هياكلوا منين دول ، لا حيلتهم أرض ولا بهيمة .

مكنتش أعرف دول جايين يعزوا ولا يشمتوا ، يومها انا كنت صغير بس فاكر امى وهى بتعيط وبتقول
يارب هياكلوا منين يارب ؟؟ وبدر كانت في حجرها عماله تصرخ ، يومها انا خدت بدر من حجرها غصب عنها ودخلت أوضة أبويا وفضلت أطبطب عليها عشان أسكتها وأنا بقولها متخفيش ربنا مش هيضيعنا يا بدر

اتفض العزاء والستات رجعوا بيوتهم وقعدت أنا وأمى لوحدنا في الليل الطويل اللي من غير أمل ولا ونيس ، أنا فاكر وقتها اننا فعلا أفقر ناس في البلد وأمى قالت اللي زود الطين أن أبوك يموت وانت قدامك سنة وتحتاج تقدم في المدرسة طيب وبدر وفلوس لو تعبت هنصرف عليها منين ، فضلت أمى تعد وتقول وأنا ساكت كل اللي كنت بقوله ربنا مش هيضيعنا

فات شهر على موت أبويا لا فيه حد دخل سألنا عن حالنا ولا حد ساعدنا بلقمة وصلت بينا الايام لاكل العيش حاف
كنت عيل صغير بدل ما يلعب مع العيال في الشارع
كنت قاعد في البيت كتفى لكتف أمى بنحسب في الايام وبنعد في الفلوس وهتكفينا نجيب كام طقه ، طفل صغير قاعد يفكر ايه الفرق بين الوحده وبين الفقر والعجز وقتها مكنتش عارف اسم المصطلحات دي ، بس عارف فعلها على النفس كويس

عارف يعني ايه البيت يفضل مقفول عليا وعلى امى لشهور من غير ما حد يخبط علينا ، عارف يعني ايه بدر تتلوى من الوجع في نص الليل وناخدها أنا وأمى ونمشي علي الطريق الزراعى في نصاص الليالي مسافة كيلو وأكتر لحد ما نوصل للمستوصف ، عرفت يعنى ايه امى تشيلنى بدر وتروح لواحده جارتنا تستلف منها طبخة رز ولا معلقة شاى

وبرغم كل اللي حصل وبيحصل كنت واثق ان ربنا لا يمكن يسيبنا ، قولت لامى مش هدخل المدرسة وهشتغل بقي عشانك وعشان بدر
قالت شغل عيل صغير لا هياكل ولا هيشبع هيعدموك العافيه وفي الاخر مش هيدولك فلوس وهيقولوا عيل صغير لا اشتغل ولا حاجه

وقالتلى روح المدرسة وخلاص بس من غير هدوم جديدة ومن غير شنطة ، ولو علي قد تمن مصاريف الكتب هتتدبر

مش عاوز اقولكم قد ايه كل الفصل كان بيتريق علي لبسى وعلي انى شايل الكتب علي ايدى بس الحمدلله كلامهم مأثرش فيا لانى جمدت من يوم ما ابويا مات وشوفت الدنيا علي حقيقتها ، ولما وصلت تالته ابتدائي اقترحت علي امى تعمل عيش في الفرن الطين وانا هشيله علي رأسي وأروح بيه للبندر أبيعه ، فى الاول مكنتش موافقه بس الحوجة كانت كبيرة ، كنت انا بفرش علي العيش وهي تعمله وتاخد بالها من بدر ومفيش يوم روحت ابيع فيه ورجعت برغيف واحد ، ويوم ورا يوم بقى ليا زباين والعيش اللى امى بتعمله مبيكفيش ، خدت تريقه كتير بردو لما كنت بشيل العيش علي دماغى ويقولولي انت زى النسوان ، بس بردو الحوجة كانت أكبر من أنى طفل صغير ممكن يعيط من تريقة

كله كان عشان أمى وبدر ، وبفضل الله كنا بنكسب كويس من شغل العيش لان البندر بيحبوا العيش الفلاحى ، والحمدلله كنت بنجح فى المدرسة ، وكبرت بدر وبقت فعلا بدر ودخلت المدرسة .

كان فضل ربنا علينا كبير كنا مستورين وشاطرين في المدرسة ، ربنا عمره ما جاب لنا حاجة وحشة بس قلة الايمان وقلة الثقة فى الله هي اللى بتخلينا نضعف ونحس بالضياع مع أول أختبار يجي من ربنا

عشت أنا وأمى وأختى مستورين وفضل العيش هو شغلى لحد ما خلصت كلية وسافرت اشتغلت في القاهرة وربنا فتح عليا بمشروع صغير كدا كنت ببيع فيه العيش الفلاحى ، وسنة ورا سنة المشروع بقي أربعه وبدل الالف بقيت بكسب اربعه وخمسة ، وبعد كام سنة من التعب كنت من أغنى الناس في بلدنا وليا أحسن بيت وأمى لابسه أحسن لبس
وبدر اللى كانت بتصرخ في حجر أمى يوم موت أبويا ربنا كرمنا فيها وبقت مديرة المدرسة اللي في البلد ، كل حياتى مرت قدام عيني وامى بتعيط وتقول
يارب هما هياكلوا منين ؟؟

وفى يوم كنت بوزع شغل ليا في بلد أرياف كدا تبعد عن بلدى بساعة سفر ، لقيت صوات في الشارع وحالة عزاء وست ماسكه ابنها من ايده وماشيه ورا النعش تصرخ علي جوزها يومها انا شوفت الولد ده علي انه أنا ، روحتله وقعدت معاه عملت معاهم اللي كان نفسي يتعمل معايا ، افتكرت وقت لما كنت بدعى ربنا الباب بتاعنا يخبط وحد يساعدنا ولو بكلمة تقوينا علي مر الأيام

أنا اديتهم فلوس كتير ، فلوس تكفيهم يفتحوا مشروع يصرفوا منه وقولتلهم الفلوس دي اعتبروها دين في رقبتكم
قالولي أول ما ربنا يرزقنا هتاخدهم ، يومها انا قولت للولد
:

الدين ده فى رقبتك انت بس مش ليا ، أوعدنى ترده لطفل والده مات وممكن يضيع اقف معاه واديله فلوس حتى لو متعرفوش زي مانا معرفكش

خرجت من عندهم وأنا بدعى ربنا الدين ده يفضل يلف من شخص للتانى لانى عندى يقين أنه هيوصل لابني بعد ما أموت فى يوم من الايام. ♥️

عن نافذة دمياط

اترك تعليقاً