أخبار عاجلة

غياب القدوة وتصدر السفهاء المشهد.

كتب / جمال البغدادى :

لا شك أن غياب الدور الرقابي سواء كان بالمنزل أو المدرسة أو حتى بالأوساط الاجتماعية أو حتى بالدراما العربية
خلق لنا فراغ في عقول الأغلب من المراهقين؛
الأمر الذي أفرز لنا جيلاً بلا وعي،
جيل يعتمد على العنف والبلطجة للحصول على ما يريد، الأمر الذي يؤدي بدوره إلى انتشار معدلات الجريمة
وخلق شخصية جبانه تقلد دون أن تناقش!!

*أهم أسباب غياب القدوة لدي الشباب

1 / هو أن الحياة أصبحت بالنسبة لهم مادية
أو تقليد أعمي بلا نقاش أو جدال، إذ يبدو أن تسارع الحياة وتعقيدها، قد خلق فجوة كبيرة بين الأجيال الماضية والحاضرة، وجعلت لكل جيل منهما اعتقادات ومبادئ وشخصيات مختلفة، وبنظرة سريعة سنجد أن الجيل الحالي مختلف تماماً حتى في قدواته الذين تحولوا من العلماء ورجال السياسة والأدب إلى المطربين والممثلين الذين بنوا شهرتهم بسرعة دون تعب واضح، مما شكل فراغاً كبيراً لدى الشباب.

2 / هدم الدور الرقابي للأسرة
فمع انتشار مظاهر العولمة والتغير الحضاري والنقلة السريعة التي يشهدها العالم في مختلف المجالات خاصة التكنولوجية تعتبر من أهم أسباب انعدام الرقابة الأسرية والنماذج الحية والضمنية، الحقيقية والخيالية سواء الدارجة في الحياة أو المبثوثة عبر أجهزة الإعلام، التي أصبحت من مظاهر الحياة اليومية حول العالم ودعم ذلك غياب التوجيه الأسري إما لأسباب عصرية تقليدية أو نتيجة الجهل بأثر هذه الممارسة على عقول الشباب

3 / ضعف الوازع الديني
والابتعاد عن القيم والعادات والموروثات البيئية والهوية الوطنية، والتي أثرت كثيرًا على توجهات الجيل الجديد خاصة في ظل غياب الأباء القدوة
الذين هم أساس المشكلة بانحلال البعض من قيمه وهويته ومجاهرته بالممارسات الخاطئة أمام الأبناء
مما يبعث برسائل مباشرة وضمنية إلى الأبناء.
ويعتبر غياب القدوة الحسنة في تلك الفترة من أسباب فشل النجاح في الحياة وتصدر مشاهد العنف والبلطجة في حياتنا اليومية
لأن التأثر بالأفعال أبلغ بكثير من التأثير بالكلام وحده، فقد جاء على لسان شعيب عليه السلام
قوله تعالى: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} (هود:88).
وتشتد الحاجة إلى الأسوة الحسنة في هذه الفترة العصيبة لنحقق من أنفسنا النموذج التطبيقي الصحيح لمنهج رب العالمين، لكي يحقق الله لنا النصر والتمكين من أعدائنا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد:7)، فإذا أردنا أن يحفظ الله لنا ديننا الذي ارتضاه لنا ويستتب الأمن والسلام في مجتمعنا ونكسر شوكة أعدائنا فَلْنُقِم هذا الدين في حياتنا وسلوكنا علمًا وعملًا.

*القدوة الصالحة وأثرها على الفرد والمجتمع

المسلم القدوة أشد خطرًا على أعداء الإسلام من كل عدة وأكثر تأثيرًا فيهم من كل سلاح، فهو أغلى ما يملكه المجتمع وبه يسود وينتصر، ونسأل الله أن يجعلنا من المتأسيين برسول الله المهتدين بهدى الإسلام، وأن يمكن لنا في الأرض وأن يجعلنا أئمة ويجعلنا من الوارثين.

• تعريف القدوة وأنواعها

القدوة لغةً: القُدوة والقِدوة لغةً تقرأ بالضم والكسر وهي تعني من يقتدي به الإنسان ويستن بسنته ، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} (الأنعام:90)، تعني أولئك الذين قبلوا هدى الله فاقتدِ بطريقهم في التوحيـد وتبليغ الرسالة وتطبيق الأحكام الشرعية، وقال تعالى: {وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (الزُّخرف:23)، أي سائرون على منوالهم ومنهجهم وطريقتهم في هذه الحياة.
القدوة اصطلاحًا: القدوة الصالحة هي مثال من الكمال النسبي المطلوب، يثير في الوجدان الإعجاب فتتأثر به تأثرًا عميقًا، فتنجذب إليه بصورة تولد في الإنسان القناعة التامة به، والإخلاص الكامل له. وهذا ينطبق على رسول الله حيث كانت حياته مثار إعجاب الجميع مما جعلهم يتأثرون به.

• أنواع القدوة:

إذا نظر الإنسان في كتاب الله وسنة نبيه وفي أوضاع الناس وأحوالهم يتضح له أن القدوة تنقسم إلى نوعين:
1 / القدوة الحسنة: وهي التي تتخذ الاقتداء برسول الله منهجًا وسلوكًا وتتأسى به- صلى الله عليه وسلم- في تطبيقها العلمي في واقع الحياة، وهذا النوع إنما يسلكه ويوفق إليه من كان يرجو الله واليوم والآخر، ودخل الإيمان قلبه، فعمل بالتنزيل وخشي من الجليل واستعد ليوم الرحيل رجاء الثواب الجزيل وخوف العقاب الشديد.
2 / القدوة السيئة: وهي على عكس ذلك تمامًا، فهي لا تتأسى برسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولا تتشرف بحمل الإسلام، بل إنها تعتز بانتسابها لغيره، كقول المشركين حين دعتهم الرسل للتأسي بهم، قال تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (الزُّخرف:23)،

ونستطيع أن نحصر أبرز الآثار التربوية للقدوة الصالحة على الفرد والمجتمع بشكل عام في الآتي:

• الآثار التربوية للقدوة الصالحة على الفرد، وهي تتمثل في الآتي:

1- إن القدوة الصالحة يجعل المسلم على اتصال دائم بالخالق؛ لأنه يُذكّره بالطاعة والإخلاص في النية والعمل، وإذا تمكن الإخلاص من القلب أصبح الإنسان يبتغي مرضاة الله ورضوانه في كل عمل يقوم به، ويجعل الله رقيبًا عليه في حركاته وسكناته، قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ} (ق:16).

2- القدوة الصالحة تربي الشخصية المسلمة القوية ذات الشكيمة والإرادة الحديدية

3- تُنمي القدوة الحسنة الفضائل والأخلاق الحميدة في نفوس الأفراد

4- القدوة الحسنة تشحن الأفراد بالتقوى ومعرفة الله وتعزز في نفوسهم الثقة والأمل بنصر الله وثوابه للمؤمنين فينطلق المؤمن بشحنات إيمانية مستمدة من قادته وقدواته يدفعه إلى فعل الخير والبر والإحسان وبالمقابل محاربة الفساد والمنكر وكل ضارٍ في المجتمع.

5- التربية بالقدوة تعمل عملها في تكوين الإنسان الصالح الذي يظهر عليه ملامح التقوى والخشوع والحياء، وهو المؤمن القوي الذي لا يدخل الوهن إلى قلبه، الإنسان الذي يحب لأخيه كما يحب لنفسه الحب الخالص الذي لا ينتظر جزاءً ولا شكورًا ولا يهدف إلا لكسب الحب في الله سبحانه.

6- الاقتداء بالقدوة الصالحة ينشئ التوازن والاعتدال في سلوك الأفراد وشعوره؛ لأن طاقته في ظل المنهج الرباني كلها تعمل وتأخذ نصيبها من الحياة بحيث يُصبح قوة فاعلة في المجتمع، فهو إيجابي واجتماعي حريص على مصلحة مجتمعه.

7- ومن آثار القدوة الصالحة أنه يُبصّرك بعيوبك ويرشدك إلى الأسلوب الأمثل في التخلص منها، من خلال مقارنة أعمالك وسلوكك بما عليه قدوتك الصالح فتتأسى به وتصلح تلك العيوب.

8- ومنها أن القدوة الصالح يعلم الإنسان ويرشده إلى فعل الخيرات، فيدلك على أمور واجبة كنت غافلًا عنها أو متكاسلًا عن أدائها ويشجعك على المشاركة في مشروعات الخير والبر والإحسان

9- إن القدوة الصالحة سببٌ في دخول الإنسان ضمن الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون يوم القيامة، وهي ضمانٌ لاستمرار الصحبة، قال تعالى: {الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا المُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} (الزُّخرف: 67-68).

• أمثلة للانعكاسات التربوية على الأفراد:
المثال الأول:

هذا المثل الرفيع يُبيّن أثر القدوة الحسنة في النفوس فأصبحت دعامة قوية في تربية الفرد المسلم على مبادئ الإسلام، فهذا سعد بن الربيع أحد هؤلاء المقتدين والمحبين لرسول الله يروي زيد بن ثابت بشأنه: بعثني رسول الله يوم أحد أطلب سعد بن الربيع فقال لي: «إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله كيف تجدك؟» قال: فجعلت أطوف بين القتلى فأتيته وهو بآخر رمق وفيه سبعون ضربة ما بين طعنة رمح وضربة سيف ورمية سهم فقلت: يا سعد إن رسول الله يقرأ عليك السلام، فقال: وعلى رسول الله السلام قل له يا رسول الله أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف وفاضت نفسه من وقته.

• المثال الثاني:

ولنا الأسوة الحسنة في أصحاب رسول الله جميعًا ومنهم عمرو بن الجموح الأعرج الشديد العرج له أربعة بنون شباب يشاركون مع رسول الله في غزوة أحد ويأبى هو إلا أن يشارك فيقول له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك وقد وضع الله عنك الجهاد، فيذهب عمرو إلى رسول الله يشكو إليه أمر أبنائه ويقول: إن بني هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي الجنة، فيقول له رسول الله: «أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة»، فخرج مع رسول الله فقتل يوم أحد شهيدًا.

المثال الثالث:

وهذه أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب يأتي والدها إلى المدينة وهو على الكفر ويدخل عليهـا في بيت رسول الله فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله طوته عنه! فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله وأنت رجل مشرك نجس.
إن هذا الحب الذي استولى على قلوب الصحابة رضوان الله عليهم دفعهم إلى البذل والعطاء حينما رأوا من رسولهم خير قدوة للناس.

الآثار التربوية للقدوة الصالحة على المجتمع
******

إذا كانت التربية بالقدوة لها الدور الكبير في إعداد الفرد الصالح فإن ذلك يؤدي إلى النجاح في تكوين المجتمع الصالح؛ لأن الفرد نواة الأسرة، والأسرة هي نواة المجتمع، وبذلك نستطيع حصر هذه الآثار في الآتي:
إن القدوة الحسنة لا يعيش مشغولًا بذاته بل يمد يديه بالخير والعون ويعطي إلى المجتمع ما يزيده أمنًا وسلامًا؛
قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ} (المائدة:

‏2) التربية بالقدوة تعم

ل على توحيد المجتمع الإسلامي بحيث يعمل أعضاؤه في بوتقة واحدة متضامنة في مواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا مطلب تربوي إحياء المنهج الإسلامي من خلال جعل المسلمين جسمًا واحدًا يشعر الجميع بشعور واحد، قال تعالى: {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ} (التوبة:71).
إن التربية بالقدوة تغرس الروح الجماعية في قلب الفرد المسلم
وعندما أحب الناس القدوة الأولى محمدًا- صلى الله عليه وسلم- قام المجتمع الإسلامي الفريد، مجتمع البذل والعطاء، مجتمع كل فرد فيه يشكل أمة لأنه تربى على الينبوع الأساسي القرآن الكريم وأخذ منه توجيهاته الربانية.
التربية بالقدوة تعمل على تربية الناس خلقيًا وروحيًا وتربطهم بالله رب العالمين، كما أنها تقوي المجتمع من الناحية الإرادية؛ لأن الجميع تربى على الصبر والمصابرة وتحمل الصعاب من أجل المبدأ والفكر الذي آمن به.

هذا والله تعالى أعلى وأعلم وهو يهدى السبيل
وما كان من توفيق فمن الله
وماكان من خطأ فمن نفسى
وأستغفر الله منه

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً