أخبار عاجلة

دراسة مهمة لمعهد “كارنيجي”: هكذا يمكن تحجيم الاقتصاد العسكري لجنرالات السيسي

رصدت دراسة أكاديمية مهمة أعدها معهد كارنيجي ما أسمته “النتائج الكارثية التي تترتب على تغلغل الجيش في نسيج اقتصاد مصر العام والخاص من إنتاج السلع وصولا للمقاولات”.

وأوضحت الدراسة، التي نشرها الباحث يزيد صايغ، المشرف على برنامج العلاقات المدنية العسكرية في الدول العربية، يوم 25 نوفمبر الجاري 2019، أن الجيش يسيطر الآن على الكثير من اقتصاد مصر ويتغلغل فيه، مشيرا إلى مخاطر هذه السيطرة العسكرية على الاقتصاد المصري، وعواقب تدخل الجيش في كافة مشاريع البنية التحتية، وإنتاج السلع وإدارة الشركات.

قصة سيطرة العسكر على الاقتصاد

وبحسب الدراسة، تم السماح للجيش المصري منذ عقود بالقيام بأنشطة اقتصادية كوسيلة لخفض ميزانية الدفاع الرسمية؛ رغم أن هذه الأمور تنعكس على ميزانية الدفاع التي ظلت كما هي ثم ارتفعت تدريجيًّا.

وكان الهدف من الاقتصاد العسكري أيضا أن يكون وسيلة لتعويض كبار الضباط عن الأجور المنخفضة والمعاشات التقاعدية من خلال منحهم الفرصة للحصول على دخل إضافي ومزايا هامشية، ولكن ظل الحجم الكلي لهذا النشاط الاقتصادي متواضعًا نسبيًا حتى عام 2011.

ومنذ انقلاب عام 2013، عندما تولى الجيش السلطة، حوّل السيسي الاقتصاد العسكري كي يتولى أدوار الإدارة الرئيسية في الاقتصاد المدني، بحيث أصبح للجيش والاقتصاد العسكري السيطرة على سعر الغذاء وأسعار السلع الغذائية، ويتحكم في كافة أوجه الاقتصاد والبنية التحتية.

حجم سيطرة الجيش على البنية التحتية؟

بحسب الدراسة، شارك الجيش المصري في مشاريع البنية التحتية منذ عقود، ولكن هذه المشاركة كانت متواضعة نسبيًّا، قبل أن يبدأ الجيش بالعمل على استصلاح الأراضي، أي تحويل الصحراء إلى أراض صالحة للزراعة.

ولكن منذ انقلاب السيسي حدث تحول كبير، وباتت سيطرة جنرالات الجيش المصري على مشاريع البنية التحتية هي الأكبر على مستوى العالم، حيث تقدر حاليًا بنحو 370 مليار جنيه مصري، وهو ما يعادل اليوم نحو 24 مليار دولار، وهذا هو السبب في أن الحكومة المصرية مثقلة بالديون.

لماذا يشترك الجيش في الأنشطة الاقتصادية؟

حتى استيلاء الجيش على الحكم في عام 2013، كان نشاطه الاقتصادي يعمل على إبقاء الضابط الكبير سعيدًا ومخلصًا للرئيس الموجود في السلطة، من خلال السماح له ببعض الامتيازات، ولكن السيسي كان لديه تصور مختلف.

إذ يتطلع قائد الانقلاب العسكري إلى تعزيز الشرعية السياسية لنظامه محليًّا عبر إشراك الجيش في المشاريع، والظهور أمام الحكومات الغربية والمستثمرين الأجانب على أن مصر تتقدم اقتصاديًّا، ولا يُلقي بالًا للشركات والمؤسسات الاقتصادية المدنية، بل يحتقرها ويقلل من شأنها، وأنه لا يثق إلا بالجيش في أداء المشاريع في توقيت مختصر محدد.

وتقول دراسة كارنيجي، إن هذا لا يعني أن لدى السيسي أو الجيش رؤية اقتصادية، فهو “لا يفهم كيف يعمل الاقتصاد، وكيفية تحقيقه، وكيفية توفير الوظائف والنمو، وكيفية زيادة الإيرادات بطريقة مستدامة”، إذ إن الجيش يتبع الأوامر، وإذا طُلب منه بناء مدينة جديدة في الرمال في مكان ما، فسيبني مدينة جديدة على الرمال (دون أن تكون لها جدوى اقتصادية).

لذلك غرق الجيش في تنفيذ عدد هائل من مشاريع رأس المال غير المنتجة (الفنكوش)، والتي غالبا ما تضر بالعلاقات مع القطاع الخاص؛ بسبب تولي الجيش إدارة هذه المشاريع ومنافسته القطاع الخاص في عمله الطبيعي.

فإنتاج الجيش أشياء مثل الحديد الصلب والإسمنت، يعني مزاحمة الشركات الخاصة التي تهيمن على هذه القطاعات وتعطيلها، لذلك فإن العواقب والنتائج الاقتصادية سلبية للغاية؛ لأن مصر تقترض بشدة لتمويل هذه المشروعات، بينما هناك مشاريع مدنية مثلها بالفعل.

مزايا يحصل عليها الاقتصاد العسكري

ويستفيد الاقتصاد العسكري من هذا البيزنس، فالجيش معفى من الضرائب والرسوم الجمركية؛ بعكس الكثير من الشركات المدنية التي ينافسها في نفس الإنتاج.

ويستفيد الجيش من دوره في التأثير السياسي، وبعده عن تحكم جهاز الدولة فيه، كما يسيطر هؤلاء الضباط العسكريون على وكالة تدقيق الحسابات الحكومية مثل الرقابة الإدارية وغيرها، التي تشرف على مشاريع المدنيين لمنع الفساد، ما يعني إعفاء مراجعة الحسابات العسكرية، وإعطاءها قدرًا معينًا من التغطية القانونية، ما يعزز الفساد.

ولأنه لا يمتلك الخبرة الفنية، يلجأ الجيش دائمًا إلى الشركات المدنية ذات الخبرة الفنية في هذه المشاريع لتنفيذ ما يطلبه ويبقى هو كوسيطٍ؛ لأن أغلب هذه المشاريع لا يمكن للجيش تنفيذها فعليا، ويستغل الجنرالات نفوذهم السياسي في هذا الأمر، ولا يحاسبهم أحد لو فشلت مشاريع (انهيار الطرق بفعل الأمطار وسقوط الكباري بفعل الفساد والتنفيذ السريع وأكل أموال الشركات المدنية ما يدفعها لفبركة المشاريع).

من الذي يحصل على أرباح الاقتصاد العسكري؟

هذا سؤال مهم تطرحه دراسة كارنيجي، مشيرة إلى صعوبة رصد هذا بدقة؛ لأن الحسابات العسكرية المصرية لا تتم مشاركتها مع أي شخص على الإطلاق، ولا يراقب ميزانية الجيش أو مشاريع البيزنس الخاصة به أي شخص.

ويشمل ذلك الميزانية الرسمية، بالإضافة إلى الدفاتر المالية لمختلف الوكالات العسكرية المشاركة في الأنشطة الاقتصادية والتجارية.

ومع هذا يمكن تقدير الأرباح بأنها ضخمة، فالجيش لا يدفع أي رسوم على أيّ من أنشطته، ولا توجد رسوم جمركية على البضائع، وهناك استثناءات قليلة في حالة بعض البضائع التي تنتجها بعض المصانع العسكرية، ويتم إبلاغها إلى وزارة المالية، ويتم دفع بعض الضرائب ومدفوعات التأمينات الاجتماعية.

لكن على خلاف ذلك، فإن الغالبية العظمى من الأنشطة الاقتصادية العسكرية غير خاضعة للضريبة وغير مبلغ عنها أصلا، ولا أحد يعرف حجمها ولا تفاصيلها.

فلا أحد يعرف كم عدد المزارع العسكرية ولا حصة من الأرباح أو الأرباح كيف يتم احتسابها، لأنها ليست دائمًا حصة معينة من الأرباح ويتم توزيعها على كبار المسئولين العسكريين بجانب الضباط العاملين في هذه المشاريع.

فلا أحد يعرف الأرقام الدقيقة، ولا توجد أدلة كافية من مصادر مختلفة تعطي مؤشرات عن حجم بيزنس الجيش.

والأخطر من ذلك أن مشاريع الجيش لا يستفيد منها أي من المصريين المدنيين، فلا دخل يأتي إلى الجيش يعود إلى الجهات الحكومية المدنية، وإنما كل شيء يذهب إلى خزينة الجيش.

كيف يمكن تغيير هذا الوضع؟

الحل بنظر الدراسة، هو أن يأتي رئيس مصري قادم يتولى منصبه ويرغب في تفكيك أجزاء من هذا الاقتصاد العسكري، على الأقل، وإن كان سيحتاج إلى دعم عسكري لذلك، والظهور كأن الأمر مرتبط بالاقتصاد الكلي لمصر، ولا يظهر كأنه يستهدف بيزنس العسكر خصوصًا.

أيضا من المهم تحديد طرق تعويض الجيش والضباط عن المزايا التي سيخسرونها، مثل زيادة الرواتب والمعاشات التقاعدية؛ لأن تلك هي التي دفعت إلى التدخل العسكري في الاقتصاد في المقام الأول.

وسبق لمعهد كارنيجي تقديم عدد من الدراسات حول مخاطر البيزنس العسكري في مصر، آخرها دراسة في 19 نوفمبر 2019، حذرت من أن “اقتصاد العسكر في مصر يكبد البلاد خسائر باهظة”.

وقالت دراسة لمعهد كارنيغي، إن استيلاء الجيش المصري على السلطة في عام 2013، حوّل دوره من العمل العسكري إلى العمل في الاقتصاد المصري، وأصبح يكبد البلاد كلفة باهظة.

وشملت الدراسة مطولة (360 صفحة باللغة الإنجليزية) التي قدمها الباحث البارز يزيد صايغ، تشريحا دقيقا للاقتصاد المصري تحت عنوان “أصحاب الجمهورية: تشريح الاقتصاد العسكري في مصر”.

https://carnegie-mec.org/2019/11/25/egypt-s-military-now-controls-much-of-its-economy.-is-this-wise-pub-80281

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً