أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار عاجلة / خطب عن الرجولة
اسلاميات
خطب عن الرجولة

خطب عن الرجولة

صفة الرجولة في القرآن

الرجولة نعمة:  الرجال هم أهل المساجد:  الرجل ثابت على دينه:  الرجل من نصر دعوة الرسل:  أهمية الرجال في الأزمات:  مفاهيم خاطئة في الرجولة:  رجال يتمناهم الفاروق:

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَسورة آل عمران:102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاسورة النساء:1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاسورة الأحزاب:70-71.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

الرجولة نعمة:

أيها الإخوة، حديثنا عن مشكلة من المشاكل التي تواجه العالم الإسلامي اليوم، من الأمور التي خذل فيها الإسلام أيما خذلان، هذه القضية انعدام صفة الرجولة في كثير من المسلمين اليوم.

والرجولة صفة امتن به الله عز وجل، يمتن الله بها على من يشاء من خلقه، كما قال ذلك الرجل المؤمن الذي يعلم صاحبه الكافر، يقول له موبخاً ومقرعاً، ومذكراً له بنعم الله عز وجل عليه: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًاسورة الكهف:37، هذه الرجولة التي يمتن الله عز وجل وينعم بها، لها صفات ولها خصائص لا تكتمل إلا بها، ولا تقوم إلا عليها، ولا تشتد بهذه الأركان، وإذا كانت الرسل الذين بعثوا إلى أقوامهم، ما كانوا إلا رجالاً

هذه الرجولة التي يمتن الله عز وجل وينعم بها، لها صفات ولها خصائص لا تكتمل إلا بها، ولا تقوم إلا عليها، ولا تشتد بهذه الأركان، وإذا كانت الرسل الذين بعثوا إلى أقوامهم، ما كانوا إلا رجالاً

، قال الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمسورة يوسف:109، فلم يرسل الله عز وجل إلى الناس إلا رجالاً.

هذه الرجولة -أيها الإخوة- التي ضاعت مضامينها اليوم، وفقدت أركانها عند الكثيرين، فصاروا أشباه الرجال ولا رجال، هذه الرجولة نحتاج لنتعرف على صفاتها من القرآن الكريم، ونذكر في هذه الخطبة -إن شاء الله- شيئاً من صفات الرجولة حتى يعلم الرجل اليوم هل هو رجل بالمعنى الحقيقي أم هو هيكل خارجي لا يدل على مضمون الرجولة مطلقاً؟.

الرجال هم أهل المساجد:

يقول الله تعالى واصفاً المسجد الذي ينبغي أن يكون حاله الصحيح، ومن هو بداخله، يقول الله تعالى:لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، أسس على التقوى، أسس على التوحيد، أسس على العقيدة الصحيحة، لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىلوجه الله عز وجل، لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍأنشأ فيه مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِيا محمد صلى الله عليه وسلم من مسجد الضرار الذي بناه المنافقون، أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ، ما هي صفاته الأخرى، ما هي أهم صفة من صفاته؟ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَسورة التوبة:108أين مكان أولئك الرجال؟ أين مكانهم؟ هل هم في الأندية؟ أو في الحفلات؟ هل هم في الأسواق يمرحون ويسرحون؟ هل هم في المجتمعات الفارغة التي تفرغ الرجولة من معانيها؟ كلا أيها الإخوة، فِيهِ رِجَالٌ، في هذا المسجد رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْيأتون إلى المسجد على طهارة، والله يحب هؤلاء الرجال الذين من صفتهم الطهارة، وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَهذه صفة من صفات الرجال.

وانظر معي إلى مشهد مقابل في سورة النور مماثل لتلك الآية في سورة التوبة، يقول الله عز وجل: فِي بُيُوتٍمساجد، فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَشاء الله أن ترفع، وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُعز وجل وحده لا شريك له، يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِسورة النــور:36أين الفاعل، من الذي يسبح؟ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِغدوة وأصيلاً، من الذي يسبح؟ من في هذه المساجد يسبح الله عز وجل، من؟ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُسورة النــور:36-37، من في هذا المسجد؟ صفة واحدة رِجَالٌ، ثم جاءت بقية الصفات، قال ابن كثير رحمه الله: “قوله: رِجَالٌفيه إشعار بهمم السامية، ونياتهم وعزائمهم العالية التي بها صاروا عماراً للمساجد، التي هي بيوت الله في أرضه”.

يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌسورة النــور:36-37يسبحون الله في المساجد، ما هي صفاتهم الأخرى؟ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُسورة النــور:37، إذن أيها الإخوة هؤلاء الرجال الذين لم تلههم تجارة ولا بيع عن أي شيء؟ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، قال بعض السلف رحمه الله: يبيعون ويشترون، هؤلاء الرجال، يبيعون ويشترون، ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه، وأقبل إلى الصلاة، كان إذا سمع النداء وميزانه في يده -يبيع ويشتري-، فإذا سمع النداء خفض الميزان، وأقبل إلى الصلاة.

ومر عمرو بن دينار رحمه الله، ومعه سالم بن عبد الله، قال: كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد، فمررنا بسوق المدينة، وقد قاموا إلى الصلاة، وخمروا متاعهم -الناس الذين في سوق المدينة- قاموا إلى الصلاة، وغطوا متاعهم، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد، -لم يجلسوا أمامها ليحرسوها مثلاً، أو لينظروا فيها، أو أغلقوا الدكاكين، وقعدوا على الدرجات على الرصيف في الطريق ينتظرون متى تنتهي الصلاة حتى يكون كل واحد منهم أول من يفتح الدكان، تركوا أمتعتهم في الشارع، غطوها في السوق، وذهبوا إلى المسجد-، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد، فتلا هذه الآية: رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِسورة النــور:37، ثم قال: “هم هؤلاء”، هؤلاء الذين عنى الله بقوله في هذه الآية، هؤلاء الذين قدموا مراد الله على مراد أنفسهم، وآثاروا طاعة الله على المتاع الدنيوي الزائل، آثروا الاستجابة لهذا النداء العلوي الرباني، “حي على الصلاة”، “حي على الفلاح”، على نداء الجشع والطمع الذي يثيره الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء.

أيها الإخوة، كم من رجال اليوم يقعدون في محلاتهم ودكاكينهم، أو يدخلون داخلها في حجر مخفية، فيقعد أحدهم في مكتبه وراء الطاولة يجيب على هذا الهاتف، وهذا الرجل، ويكلم ويفاوض، ويخفض ويرفع، ويماكس، ويشاكس، ويترك نداء الله، يترك المسجد، لا يجيب داعي الله إليه، لماذا أيها الإخوة؟ هل يسمى هؤلاء رجالاً؟ كلا، إنهم أشباه الرجال ولا رجال.

الرجل ثابت على دينه:

ومن صفات الرجال أنهم يثبتون على المنهج الرباني الذي أنزله الله عز وجل، المنهاج الذي وضعه رب العزة تبارك وتعالى، وضعه ليستقيم عليه الناس، هذا المنهاج الذي لا يصح أن ينحرف الإنسان عنه يمنة ولا يسرة، لا بد أن يرقبه، ويجاهد نفسه للسير عليه، هذا المنهاج المتضمن لقواعد أصولية، ومسائل تصورية لا يمكن أن يتخلى عنها المسلم بأي حال من الأحوال، هذا المنهاج الذي عليه صون ومنارات تضيء للمسلم الطريق، هذا المنهاج الرباني، منهاج أهل السنة والجماعة، الطائفة المنصورة لا بد من الثبات عليه، ماذا قال الله مادحاً صنفاً من أصناف الرجال؟ قال عز وجل: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَعاهدوا الله ثم صدقوا الله في الوعد، صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِسورة الأحزاب:23، صدقوا ما عاهدوا الله على هذا المنهج، استمروا عليه، تشبثوا به، وساروا غير مضطربين ولا متحيرين لا تعيقهم العوائق، ولا تقف أمامهم الصعوبات، ولا الشهوات، ولا الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام فيه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ، ومات على هذا المنهج شهيداً عاملاً لمنهج الله عز وجل، فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُأن يتوفاه الله على حسن الختام، وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُقضاء الله ليموت على هذا المنهاج غير مغير ولا مبدل، قال الله عز وجل: وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًاسورة الأحزاب:23، ما بدلوا، ولا غيروا، ولا انحرفوا، بل هم مستقيمين على هذا المنهاج ينتظرون أمر الله تعالى أن يتوفاهم، وهم سائرون على هذا الدرب، مستقيمين عليه، لا يلوون عليه إلا مرضاة ربهم عز وجل.

الثبات على المنهج الذي افتقده كثير من المسلمين اليوم، حتى ممن شغلوا بالعمل للإسلام، قامت عندهم انحرافات في التصور والسلوك، انحرفوا عن منهج الله.

أيها الإخوة، ليست القضية أن نمسك الطريق فقط، ولا أن نعرفه فقط، ولا أن نصل إليه فقط، المسألة أن نستمر عليه، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًاسورة الأحزاب:23بغير تبديل ولا تحريف.

هذه الرجولة التي يصفها الله تعالى في القرآن أن من أهلها من يقوم يؤيد الرسل في دعوتهم، ويناصرهم، ويبين للناس أن من جاءت به الرسل هو الحق، يعين الرسل ويساعدهم: وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ، من الذي جاء؟ جيش جرار، فئام كثيرة من الناس، من الذي جاء؟وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ، وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِمن آخر المدينة، رَجُلٌ يَسْعَىيشتد، لماذا جاء؟ لأن هناك سوقاً أو حراجاً لا يريد أن يفوته منه شيء! لأن هناك أسهماً تباع لا يريد أن يفوت منها شيء! كلا أيها الإخوة:يَسْعَى قَالَماذا قال؟قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَسورة يــس:20-21، اتبعوهم هؤلاء الرسل اتبعوهم، وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَسورة يــس:22ثم يبين عرض حقائق العقيدة، التصورات النقية الصافية الخالية من شوائب الشرك، حتى توفاه الله عز وجل، فقال: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَسورة يــس:26-27.

الرجل من نصر دعوة الرسل:

من صفات الرجولة -أيها الإخوة- أن نكون نحن الذين نسمي أنفسنا رجالاً نكون أعواناً للرسل، حرباً على أعداء الرسل، وليس حرباً على الرسل، أن نكون مؤيدين لدعوة الرسل لا مثبطين عن دعوة الرسل، أن نكون مستجيبين لدعوة الرسل متبعين، لا عاصين، ولا مبتدعين، ولا معاندين، وهذه الصفة كم من الرجال يمتلكها اليوم، كم من الرجال يؤيد دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ كم؟ إنهم قليل.

وفي حال الخوف يتقدم الرجال بالنصح لله عز وجل برغم الخوف الذي يكتنفهم، وأجواء الإرهاب التي تحيط بهم فيقومون بواجب النصيحة، رجال، رجل واحد يفعل أفعال لا تفعلها أمة بأسرها، رجل واحد يعدل غثاء، بل إنه يرجح عليهم، على هذا الغثاء المترامي الأطراف الذي لا يجمعه تصور واحد، ولا منهج واحد، ولا عقيدة واحدة، يقوم هؤلاء الرجال بواجب النصح لله عز وجل، يحذرون أولياء الله من المخاطر التي تحدق بهم، ماذا قال الله تعالى؟ {وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى}يشتد من أقصى المدينة، لم تقعد به طول المسافة، ولا بعد الطريق، جاء يسعى ويشتد، قَالَ يَا مُوسَى، كان هذا الرجل مؤمن، قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَيتشاورون في أمرك لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَسورة القصص:20، إني أكشف لك مخططاتهم، وأعري لك دسائسهم ونياتهم الخبيثة، فاخرج من هذه المدينة، فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، قال ابن كثير رحمه الله: وصف بالرجولية لأنه خالف الطريق -يعني الطريق الجادة التي تسلك في الشارع-، فسلك طريقاً أقرب من طريق الذين بعثوا وراءه، فسبق إلى موسى وحذره قال: إن الناس آتون ورائي ليقبضوا عليك ويقتلوك، أعوان فرعون الطاغية، فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، يأتي هذا الرجل يسعى يختصر الطريق ليحذر ولي الله ونبيه موسى عليه السلام، تقديم النصيحة حتى في حالة الخوف هذه من صفات الرجولة.

وعند الأزمات تشتد الحاجة لوجود الرجال الحقيقيين الذين يثبتون الناس على شرع الله.

أهمية الرجال في الأزمات:

أيها الإخوة، قد تمر بالإسلام أزمات، قد تمر بالمسلمين شدائد وضائقات، قد يمر بالمسلمين عسر شديد، تنقطع بهم السبل فيتحير الناس ويضطربون، ويميدون ويحيدون عن شرع الله، فترى الناس متفرقين شذر مذر، لا يرى أحدهم الحق ولا يتبعه، حيرتهم فتن الحياة الدنيا، فاضطربوا اضطراباً شديداً، وتبعثروا وتفرقوا، من الذي يثبت في هذه الحالة؟ من الذي يقوم بواجب التثبيت في هذه الحالة التي تقع فيها الفتن بالمسلمين، نحتاج إلى عناصر مثبتة، تثبت المسلمين على المنهج الرباني، من الذي يثبت؟ في حالة الأزمات تكتشف أنت معادن الرجال، يفضي كل رجل إلى معدنه الخالص؛ ليستبين أمام الناس هل هو من أهل العقيدة أم لا؟ هل هو رجل عقيدة أم لا؟ في حالة الأزمات يتبين الرجال الذين يقفون على منهج الله بأقدام راسخة.

أيها الإخوة، قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَسورة المائدة:23، موسى عليه السلام يأتي ببني إسرائيل لدخول الأرض المقدسة، ويعدهم بنصر الله تعالى، ويبشرهم، ويقول: إن الله معكم، هيا فقاتلوا هؤلاء الكفرة الذين احتلوا تلك الأرض المقدسة، بنو إسرائيل الذين ما عرف عن طبعهم إلا الغدر والخيانة، إلا النكوص عن شرع الله وطريقه، ماذا قالوا؟ كلمة قبيحة جداً قالوا: فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَسورة المائدة:24، أنت وربك يا موسى قاتلا، نحن ننتظر النتيجة؛ إن انتصرتم جئنا ودخلنا المدينة، إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَبكل وقاحة، موسى نبي الله ليس معه أحد، كل القوم نكصوا، قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِيسورة المائدة:25، موقف صعب، موقف شديد، تخلا القوم عن نبيهم، تركوه وحيداً أمام الأعداء، هذه أزمة، أليس كذلك؟ من الذي يقوم الآن في هذه الأزمة، ويثبت الناس، ويقول لهم: يا أيها الناس، اثبتوا على شرع الله، اثبتوا على الطريق، لا تنهزموا أمام الأعداء، النصر قادم بإذن الله، تمسكوا بشرع الله، والله ينصركم، إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْسورة محمد:7، قام هؤلاء الرجلان: قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَابنعمة الإيمان والإسلام والثبات، قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ، اقتحموا؛ إنهم جبناء، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَسورة المائدة:23.

أيها الإخوة، هذه النوعية التي نحتاجها حقيقة اليوم في وسط الأزمات التي تعصف بالمسلمين، الأزمات والفتن التي تجعل الحليم حيران، نحتاج إلى رجال يبصرون الناس بالدين، إلى رجال يكونون قدوة للناس، إلى رجال يثبتون الناس على شرع الله.

وفقنا الله وإياكم لأن نكون رجالاً نقاتل في سبيل الله، ونجاهد في سبيل الله بأموالنا وأنفسنا، وأن نكون من الذين اجتباهم الله تعالى فأقامهم على الصراط المستقيم.

وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، الذي لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

مفاهيم خاطئة في الرجولة:

أيها الإخوة، لقد فقدت الرجولة اليوم كثيراً من معانيها الحقيقية، فترى الناس اليوم يزعمون أنهم رجال، يقوم كل واحد منهم فيقول: أنا رجل، ولكن في الحقيقة ماذا تنطوي عليه هذه الرجولة، ما هو مضمونها.

أيها الإخوة، من الناس اليوم من يظن أن الرجولة عبارة عن فتل الشوارب، وتربية هذه الشنبات وإطالتها، يظن أن هذه هي الرجولة، وهو مخالف لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً.

من الناس -أيها الإخوة- من يظن الرجولة اليوم هي الأخذ بالثارات، وقتل الأبرياء، هي الأخذ بالثار، يقول: هؤلاء ليسوا رجالاً؛ ما أخذوا بثأرهم، هؤلاء رجال؛ أخذوا بثأرهم، فقتلوا فلان، ولو كان ليس له ذنب.

من الناس من يظن اليوم أن ارتكاب المحرمات هي الرجولة، فترى بعض الأحداث اليوم -لكي يبرهنوا لأنفسهم وللناس أنهم رجال- يدخن مثلاً، يزعم أن التدخين رجولة، ويسافر لوحده للخارج، ويعبث بالمحرمات، وينتهك حدود الله عز وجل، ويزعم أن هذه هي الرجولة.

من الناس -أيها الإخوة- من يظن الرجولة رفع الصوت، أو الصياح في البيت، وفرض الرأي بقوة العضلات والبطش، وغير ذلك، يظنون أن هذه هي الرجولة.

يظن أحدهم أن الرجولة أن ينفخ على الخدم والموظفين، ويطرد من يشاء ويبقي من يشاء، يظن أن هذه هي الرجولة، كلا أيها الإخوة، ليست الرجولة ارتكاباً للمحرمات، ولا كانت الرجولة يوماً من الأيام في تاريخ الإسلام البطش والاعتداء على الأبرياء، كلا أيها الإخوة.

يظن أحدهم أن الرجولة أن ينفخ على الخدم والموظفين، ويطرد من يشاء ويبقي من يشاء، يظن أن هذه هي الرجولة، كلا أيها الإخوة، ليست الرجولة ارتكاباً للمحرمات، ولا كانت الرجولة يوماً من الأيام في تاريخ الإسلام البطش والاعتداء على الأبرياء، كلا أيها الإخوة.

الرجولة لها معاني سامية، وحقائق علوية تأخذ هذا الصنف من الناس فترفعهم، حاجة الإسلام اليوم إلى الرجال عظيمة، الإسلام يوم تنتهك حرماته في شتى أقطار الأرض، لم تعد تقم للإسلام قائمة في وسط هذه الدياجير المظلمة من الشرك والجاهلية، إلا من رحم الله عز وجل، من أفراد تلك الطائفة المنصورة، التي استقامت على شرع الله عز وجل.

رجال يتمناهم الفاروق:

أيها الإخوة، يقال: إنه اجتمع مرة نفر من الصحابة، فقال لهم عمر رضي الله عنه: تمنوا، فتمنى كل واحد منهم شيئاً من أعمال البر طبعاً، فلما انتهوا قال عمر: أنتم تمنيتم، ولكني أنا أتمنى ملء هذه الحجرة رجالاً أمثال أبي عبيدة، رجالاً؛ لأن الرجال يصنعون كل شيء بإذن الله، الرجال يصنعون ويسيرون على منهج الله يطبقونه في الواقع، إذا صار عندك الرجال، لم تعد تحتاج بعدها إلى شيء، ولكن أي نوع من أنواع الرجال، هل هم أصحاب الشوارب والشنبات؟ كلا أيها الإخوة.

الرجال بهذه الصفات التي ذكرناها آنفاً عبادة، عمل، استقامة، دعوة إلى الله، صبر على الأذى في سبيل الله، إعانة الرسل، ودعوتهم ونصرتهم، والقيام في مواطن الفتن، وتثبيت الناس على الإسلام.

الرجولة ليست سناً بقدر ما هي صفات وشمائل وسجايا ذكرها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، هل نفعت الرجولة الناس الذين قال الله عنهم في القرآن: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًاسورة الجن:6؟ ماذا نفعتهم رجولتهم وقد وقعوا في الشرك، ماذا نفعتهم رجولتهم؟ لا شيء أيها الإخوة، الإسلام اليوم ينادي أصحابه أتباعه يقول لهم، ويهتف بهم كما هتف لوط بقومه: أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌسورة هود:78، الإسلام اليوم يهتف بالناس: أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌسورة هود:78، رجل رشيد، رشده يقيم شرع الله عز وجل في نفسه وبيته ومجتمعه، يدعو إلى الله، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌسورة هود:78.

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على دينك، اللهم واجعلنا رجالاً من أهل الحق وأعوانه، اللهم واجعلنا من جندك وأتباع نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، اللهم يا سامع الصوت أجب دعاءنا، واحفظنا في أنفسنا وأهلينا، اللهم واحفظ بلادنا من كل سوء.

اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشر والشرك، والزيغ والبدعة، والفساد والعناد، وانشر رحمتك على العباد.

اللهم إنك تعلم ما نخفي وما نعلن، ولا يخفى عليك خافية في الأرض ولا في السماء، اللهم أصلح ظواهرنا وبواطننا، اللهم واجعل نياتنا خالصة لك يا رب العالمين.

اللهم وصل على نبيك محمد سيد الأولين والآخرين، وسلم تسليماً كثيراً.

الرجولة معاني وصفات (1)

معشر المؤمنين:

إن الناظر إلى هذا المجتمع، الناظر في جيله وشبابه، يرى أن هناك قيماً ضيعت، وأخلاقاً تركت، وأصولاً هدمت وقيضت.

يرى بعض الشباب استبدلوا بالرجولة ميوعة وتأنثاً، وبالشهامة لؤماً ودناءة، وبالمروءة خسة وسفاهة، وبالحياء وقاحة.. قصات شعر غريبةٌ قبيحة شوهاء، لباس فاضح يصف العورة بل يظهرها، يضغط على لابسه يكاد أن ينفجر أو يتمزق، مِشية متماوتة، عشقٌ محرم وتعلق بالمردان، ترى بعضهم يتعلق بولد مثله ويعشقه ولا يرد له طلباً، وترى المعشوق السافل الحقير يتزين وكأنه امرأة، وينقاد له كالأتان للحمار، وينفردان على الطرقات والشوارع وفوق الدِكك، ويركبه دراجته النارية أو سيارته أحياناً.

وفي جانب آخر يرى الغَيرة عند بعض الناس فقدت أو ضعفت، فيترك أولاده يتسكعون، ويهملهم مع شلل السوء، ويضيع بناته وأخواته وزوجته، فلا يسأل متى يأتين ومتى يخرجن؟ ومع من يذهبن وإلى أين؟ لا ينظر إلى ثيابهن وماذا يلبسن؟ هل يلبسن ثياباً حشيمة؟ هل يتحجبن حجاباً ساتراً أو ملفتاً فاضحاً مخزياً؟.

كل أولئك قد فقدوا معنى الرجولة، فقدوا أهم ما يتميز به الذكور.. ألا وهي الرجولة، إن أولئك ليسوا رجالاً، ذلك الذي تلبس بشيء من تلك الأفعال ليس رجلاً.

وحديثنا اليوم – إخوة الإسلام – عن هذه الرجولة، ما معنى الرجولة؟ ماهي صفاتها؟ ماهي مجالاتها؟ كيف نربي أولادنا عليها؟.

عباد الله:

الرجولة هي صفات وأخلاق وشيم حميدة، يمدح الشخص على قدر اتصافه بها، ويزيد قدره كلما ازداد منها، وقد ذكر الله عز وجل صفات الرجال في كتابه الكريم فقال جل ذكره: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ [النور:36 – 37]. ومن صفاتهم في القرآن الكريم: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ ووصف الأنبياء والمرسلين بالرجولة: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43].

وقد تحدث العلماء والحكماء والمربون عن الرجولة ومرادفاتها مثل المروءة والفتوة ونحو ذلك، من ذلك قول سفيان بن عيينة وحماد بن زيد حيث قالا: ( لا تتم الرئاسة للرجال إلا بأربع: علم جامع، وورع تام، وحلم كامل، وحسن التدبير، فإن لم تكن هذه الأربع فمائدة منصوبة، وكف مبسوطة، وبذل مبذول، وحسن المعاشرة مع الناس، فإن لم يكن هذه الأربع فبضرب السيف، وطعن الرمح، وشجاعة القلب، وتدبير العساكر، فإن لم يكن فيه من هذه الخصال شيء فلا ينبغي له أن يطلب الرئاسة ).

حدد هذا الأثر ميادين الرجولة وهي ثلاثة:

رجولة من أجل الدين وما يرفع الإنسان في الآخرة، ورجولة الكرم والجود ونفع الناس في الدنيا، ورجولة الشجاعة والإقدام وحفظ ذمار الأمة.

أما في الميدان الأول فهناك أربع خصال يكمل بها الرجل ويرأس:

1- العلم الجامع.

2- الورع التام.

3- الحلم الكامل.

4- وحسن التدبير.

والميدان الثاني: ميدان الكرم والجود ونفع الناس وهذا يتم حسب ما ورد في الأثر بـ:

1- مائدة منصوبة.

2- وكف مبسوطة.

3- وبذل مبذول.

4- وحسن المعاشرة للناس.

وأما الميدان الثالث:

فهو ميدان الشجاعة، هذا الميدان الذي تتفاخر به الأمة على مر العصور، وتضرب الأمثال بالشجاعة في كثير من المناسبات، وللعرب والمسلمين من ذلك أوفر نصيب وأكثر حصة، فقد كانت في العرب جبلة وفطرة وتربية وسجية، فلما جاء الإسلام حافظ على ما عند العرب منها ثم زادها رسوخاً وشموخاً إذ جعلها ديناً؛ فهي الطريق الموصل إلى الشهادة والجنة ورضوان رب العالمين، وما أكثر ما يتفاخر العرب ويتمادحون بالشجاعة، فمن افتخارهم بالشجاعة قول السموأل:

وَإِنّا لَقَومٌ لا نَرى القَتلَ سُبَّةً

إِذا ما رَأَتهُ عامِرٌ وَسَلولُ

يُقَرِّبُ حُبُّ المَوتِ آجالَنا لَنا

وَتَكرَهُهُ آجالُهُم فَتَطولُ

وَما ماتَ مِنّا سَيِّدٌ حَتفَ أَنفِهِ

وَلا طُلَّ مِنّا حَيثُ كانَ قَتيلُ

تَسيلُ عَلى حَدِّ الظُباتِ نُفوسُنا

وَلَيسَت عَلى غَيرِ الظُباتِ تَسيلُ

وقد جمع النبي – صلى الله عليه وسلم – هذه الخصال كلها، فإن أردت علماً وورعاً وحلماً وتدبيراً فستجد النبي – صلى الله عليه وسلم – قد أوتي القدْحُ المعلى منه، وإن أردت كرماً وجوداً فهو الذي ينفق ويجود – صلى الله عليه وسلم -، فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: (أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلى رسول اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – بِبُرْدَةٍ (قال: وما الْبُرْدَةُ؟ قال: الشَّمْلَةُ) قالت: يا رَسُولَ اللَّهِ إني نَسَجْتُ هذه بِيَدِي لِأَكْسُوَكَهَا فَأَخَذَهَا رسول اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا فيها وَإِنَّهَا لَإِزَارُهُ، فَجَاءَ فُلَانُ بن فُلَانٍ رَجُلٌ سَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أَحْسَنَ هذه الْبُرْدَةَ اكْسُنِيهَا قال: نعم، فلما دخل طَوَاهَا وَأَرْسَلَ بها إليه فقال له الْقَوْمُ: والله ما أَحْسَنْتَ كُسِيَهَا النبي – صلى الله عليه وسلم – مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا وقد عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا، فقال: إني والله ما سَأَلْتُهُ إِيَّاهَا لِأَلْبَسَهَا وَلَكِنْ سَأَلْتُهُ إِيَّاهَا لِتَكُونَ كَفَنِي فقال سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ يوم مَاتَ) رواه البخاري، وإن أردت شجاعة ونجدة فهو المقدام الباسل عليه الصلاة والسلام، فعن البراء رضي الله عنه قال: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رواه مسلم، وعن علي رضي الله عنه قال: (كنَّا إذا اشتد علينا البأسُ – أي في المعركة – وحين حمي الوطيس نلتجئ إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ) وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ فَاسْتَعَارَ النبي – صلى الله عليه وسلم – فَرَسًا من أبي طَلْحَةَ يُقَالُ له الْمَنْدُوبُ، فَرَكِبَ فلما رَجَعَ قال: (ما رَأَيْنَا من شَيْءٍ وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا) أَيْ وَاسِع الْجَرْي.

وقد وصفه أحمد شوقي فقال:

وإذا مشيت الى العدا فغِضَنفرٌ

وإذا جريت فإنكَ النكباءُ

وتمدُّ حلمكَ للسفيهِ مُدارياً

حتى يضيق بعرضك السفهاءُ

شيخُ الفوارسِ يعلمون مكانه

إن هيجت آسادَها الهيجاءُ

وقال الآخر:

أَنْتَ الْشُّجَاعُ إِذَا الْأَبْطَال ذَاهِلَةً

وَالْهُنْدُوَانِيُّ فِيْ الْأَعْنَاقِ وَالَّلِّمَمِ

فَكُنْتَ أَثْبَتَهُمْ قَلْبِاً وَأَوْضَحَهِمْ

دَرْبَاً وَأَبْعَدَهُمْ عَنْ رِيْبَةِ الْتُّهَمَ

وما أجمل ما وصفه به ربه تعالى في كتابه العظيم فقال جل جلاله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم….

الخطبة الثانية

المقدمة، والوصية بالتقوى: أما بعد:

إخوة الإسلام والإيمان:

هذه بعض صفت الرجال، وقد كان أجدادنا، تاريخنا ملئ بهؤلاء الرجال الأبطال، أجدادكم يا أهل حضرموت إن أردتم الكرم والجود والعطاء فانظروا إلى أحدهم وهو المقنع الكندي يقول وقد عاتبه بعضهم في كرمه فرد عليه:

يُعاتِبُني في الدينِ قَومي وَإِنَّما

دُيونيَ في أَشياءَ تُكسِبُهُم حَمدا

أَلَم يَرَ قَومي كَيفَ أوسِرُ مَرَّة وَأُعسِرُ

حَتّى تَبلُغَ العُسرَةُ الجَهدا

فَما زادَني الإِقتارُ مِنهُم تَقَرُّباً

ولا زادني فضل الغنى منهُمُ بعدا

أسدُّ به ما قد أخلوا وضيعوا

ثُغورَ حُقوقٍ ما أَطاقوا لَها سَدّا

وَلي جَفنَةٌ ما يُغلَق البابُ دونها

مُكلَّلةٌ لَحماً مُدَفِّقةٍ ثَردا

وَفي فَرَسٍ نَهدٍ عَتيقٍ جَعَلتُهُ

حِجاباً لِبَيتي ثُمَّ أَخدَمتُه عَبدا

وَإِن الَّذي بَيني وَبَين بَني أَبي

وَبَينَ بَني عَمّي لَمُختَلِفٌ جِدّا

أَراهُم إِلى نَصري بِطاءً وَإِن هُمُ

دَعَوني إِلى نَصرٍ أَتيتُهُم شَدّا

فَإِن أكلوا لَحمي وَفَرتُ لحومَهُم

وَإِن هدموا مَجدي بنيتُ لَهُم مَجدا

وَإِن ضَيَّعوا غيبي حَفظتُ غيوبَهُم

وَإِن هُم هَوَوا غَييِّ هَوَيتُ لَهُم رُشدا

وَإِن زَجَروا طَيراً بِنَحسٍ تَمرُّ بي

زَجَرتُ لَهُم طَيراً تَمُرُّ بِهِم سَعدا

وَإِن هَبطوا غوراً لِأَمرٍ يسوؤني

طَلَعتُ لَهُم ما يَسُرُّهُمُ نَجدا

فَإِن قَدحوا لي نارَ زندٍ يَشينُني

قَدَحتُ لَهُم في نار مكرُمةٍ زَندا

وَإِن قَطَعوا مِنّي الأَواصِر ضَلَّةً

وَصَلتُ لَهُم مني المَحَبَّةِ وَالوُدّا

وَلا أَحمِلُ الحِقدَ القَديمَ عَلَيهِم

وَلَيسَ رئيسُ القَومِ مَن يَحمِلُ الحِقدا

فَذلِكَ دَأبي في الحَياةِ وَدَأبُهُم

سَجيسَ اللَيالي أَو يُزيرونَني اللَحدا

لَهُم جُلُّ مالي إِن تَتابَعَ لي غنى

وَإِن قَلَّ مالي لَم أُكَلِّفهُم رِفدا

وَإِنّي لَعَبدُ الضَيفِ ما دامَ نازِلاً

وَما شيمَةٌ لي غَيرُها تُشبهُ العَبدا

عَلى أَنَّ قَومي ما تَرى عَين ناظِرٍ

كَشَيبِهِم شَيباً وَلا مُردهم مُرداً

بِفَضلٍ وَأَحلام وجودٍ وَسُؤدُد

وَقَومي رَبيع في الزَمانِ إِذا شَدّا

أما الشجاعة فهذا العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – الشجعان الفرسان الذي فتح البحرين، وهذا المقداد بن عمرو بن الأسود الكندي وهو أول من قاتل على فرس في سبيل الله إذ لم يحضر غزوة بدر فارساً – أي راكب على فرس – إلا هو، وهو الذي قال للنبي – صلى الله عليه وسلم – يوم بدر عندما استشار الصحابة رضي الله عنهم: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك.

فلنكن بهم متأسين، على طريقهم سائرين، وأفضل من نمشي على طريقه نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – كما أنا أمرنا ربنا تبارك وتعالى فقال: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

أما مجالات الرجولة وطرق التربية عليها، فلها حديث آخر في خطبة قادمة بإذن الله تعالى..

الرجولة معاني وصفات (2)

إخوة الإسلام والإيمان:

تكلمتُ في خطبة مضت عن الرجولة، وعن ميادينها من علمٍ جامع، وورعٍ تام، وحلمٍ كاملٍ وحسنِ تدبير، وكرمٍ وجودٍ ونفعٍ للناس وشجاعة، وأن الرسولَ – صلى الله عليه وسلم – قد جمع كمالَ الرجولة وأحاط بصفاتها – بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام – وكيف كان آباؤنا وأجدادُنا الحضارمُ متصفين بالرجولة الحقة، فكانوا يُعرفون بالكرمِ والشجاعةِ والعلمِ والحلمِ وحسنِ التدبيرِ وغيرها من صفات الرجولة.

ولاشك أن الرجولةَ – إخوتي الكرام – مطلبٌ يسعى للتجملِ بخصائصِها أصحابُ الهمم، ويسمو بمعانيها الرجالُ الجادون، وهي صفةٌ أساسية، فالناسُ إذا فقدوا أخلاقَ الرجولةِ صاروا أشباهَ الرجال، غثاءً كغثاء السيل.

وهناك مجالاتٌ للرجولة منها: الشهامةُ والنخوةُ والإباء، ومنها الغَيرة، ومنها الوفاءُ والصدقُ والعفةُ والأمانة، ومنها الثباتُ على المبادئ.

فالغَيرةُ مثلاً ركنٌ أساسيٌ من أركان الرجولة، فالرجالُ يغارون على الحرمات، الأعراضُ عندهم أسمى من المال، أسمى من كل ما يملكون، وقد كان العربُ الأوائلُ أمةَ غَيرةٍ وحمية، فمع ما هم فيه من شركٍ وضلال، ومع جُرأتهم على الفواحش، فللأعراض لديهم منزلة، وللحرمات مكانة، يقول عروة:

وإنْ جارتي ألوت رياحٌ ببيتها

تغافلتُ حتى يستُرَ البيتَ جانبُه

ويقول عنترة :

وأغضُّ طرفي ما بدت لي جارتي

حتى يواري جارتي مأواها

ويقول الآخر وهو حاتم الطائي:

أعمى إذا ما جارتي برزت

حتى يواري جارتي الخدرُ

فليت شعري، ماذا يفعل كثيرٌ من أشباهِ الرجال اليوم إن بدت له جارتُه؟! هل ترى يكونُ عربياً أصيلاً، أو سافلاً حقيراً؟؟.

أيها الناس: إن الرجلَ يغارُ على محارمه، ويأبى أن تبدوَ أمامَ الناسٍ بلباسٍ فاضحٍ أو غيرِ لائق، يأبى أن تنساقَ وراءَ دعوةِ الموضةِ والتطورِ على حساب السترِ والعفاف، وغَيرتُه تدعوه إلى تربيتها على العفةِ والفضيلة والإيمان والتقوى، وغَيرته لا تقفُ عند محارمه، بل تمتدُّ إلى بنات المسلمين، فيكفُّ بصرَه عن الحرام، وعن تتبعِ الفتن فضلاً عن أن يهِمَّ بالمضايقةِ والبحثِ عن العلاقة المحرمة، وهو يغارُ على حرماتِ الأمة؛ فيُنكرُ المنكرَ ويقفُ في وجهِ من يريدونَ تغريبَ الأمةِ وجرَّها إلى مهاوي الرذيلةِ ومستنقعات الغفلة.

فليس من الرجولة في شيءٍ أن يُسلمَ الرجلُ قيادَه للمرأةِ فتتصرفُ كما تشاء، تلبسُ ما تشاء، وتختلطُ بمن تشاءُ من الرجال، وتخرجُ وتدخلُ كما تشاء، وتمشي مع من تشاء، وبما يُمليه عليه هواها،ويبقى ذلك الذَّكرُ – ولا أقولُ الرجل – يتفرج ويسكت.

عباد الله:

ومن شيمِ الرجال التي يُمدحون بها الوفاء، كيف لا، وقد كان أهلُ الشرك يفتخرونَ به قبل أن يستضيئوا بنور الإسلام، يقول أحدهم:

أسميَّ ويحكَ هل سمعتَ بغَدرةٍ

رُفع اللواءُ لنا بها في المجمعِ

إنا نَعِفُّ فلا نَريبُ حليفَنا

ونكفُّ شُحَّ نفوسِنا في المصنعِ

ويعدُّون الغدر مسبةً ومذمة، قال امرؤ القيس:

إذا قلتُ هذا صاحبٌ قد رضيتُه

وقرَّت به العينانُ بدلتُ آخرا

كذلك جَدي ما أصاحبُ صاحباً

من الناس إلا خانني وتغيرا

وانظروا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي أنسى بخلقه ووفائه مكارم أهل الجاهلية، كيف صنع عندما مكة فاتحاً عزيزاً منتصراً؟ فعندما طلب منه عليٌ رضي الله عنه ومفتاحُ الكعبةِ في يده أن يجمعَ لبني هاشمٍ الحجابةَ مع السقاية، فقال صلى الله عليه وسلم: ( أين عثمان؟ – أي عثمان بن طلحة الحجبي – فدُعيَ له فقال: هاكَ مفتاحَكَ يا عثمان، اليومُ يومُ برٍّ ووفاء).

وقد وصف الله عباده المؤمنين بقوله جل ذكره: ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴾ [الرعد: 20] وقال تعالى: ﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].

إنه حين تخلت الأمةُ عن خلقِ الرجال، وساد فيها التهارج؛ هوت وانهارت قواها حتى رثاها أعداؤها، يقول أحدُ كتاب النصارى: العربُ هووا عندما نسُوا فضائلَهم التي جاءوا بها، وأصبحوا على قلبٍ متقلبٍ يميلُ إلى الخفةِ والمرحِ والاسترسالِ بالشهوات.

وقال أحدُ شعراءِ الأندَلُسِ

راثياً ما آلت إليه أحوالهم:

حُثُّوا رواحلَكم يا أهلَ أندَلُسٍ

فما المقامُ بها إلا من الغلطِ

السلكُ يُنثرُ من أطرافه وأرى

سلكَ الجزيرةِ منثوراً من الوسط

من جاورَ الشرَّ لا يأمنْ عواقبَه

كيفَ الحياةُ مع الحياتِ في سفطِ

معشر المؤمنين:

أما الشهامةُ والنخوةُ والإباء، والصدقُ والعفةُ والأمانة، والثباتُ على المبادئ، فلها حديثٌ آخر يطول.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكمن فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

المقدمة والوصية بالتقوى، أما بعد:

معشر المؤمنين:

اعلَمُوا أَنَّ الرُّجُولَةَ لَن تَنمُوَ وَلَن تَتَرَعرَعَ، وَلَن تَطُولَ شَجَرَتُهَا وَلَن تَتَفَرَّعَ، وَلَن يَتَرَبى الرِّجَالُ الصَّالِحُونَ المُصلِحُونَ إِلاَّ في ظِلِّ عَقَائِدَ رَاسِخَةٍ، تَقُومُ عَلَى أُصُولٍ ثَابِتَةٍ، وَتَحفَظُهَا مَبَادِئُ مُتَمَكِّنَةٌ، أَسَاسُهَا التَّوحِيدُ الخَالِصُ، وَبِنَاؤُهَا العَمَلُ الصَّالِحُ، وَتَضبِطُهَا القِيَمُ وَتَرعَاهَا الفَضَائِلُ، أَمَّا في ظَلامِ الشَّكِّ المُزَعزِعِ لِلقُلُوبِ، وَالإِلحَادِ المُحَيِّرِ لِلعُقُولِ، وَمَهَاوِي الشُّبُهَاتِ المُضِلَّةِ، أَمَّا في مُستَنقَعَاتِ الرَّذِيلَةِ وَالانحِلالِ وَالسُّفُورِ الَّتي تَحفِرُهَا وَسَائِلُ الإِعلامِ وَالقَنَوَاتُ وَالفَضَائِيَّاتُ، وَتُغَذِّيهَا الجَرَائِدُ وَتُؤَيِّدُهَا المَجَلاَّتُ وَتَنقُلُ عَفَنَهَا الجَوَّالاتُ وَالشَّبَكَاتُ؛ فَلَن يَتَخَرَّجَ لِلأُمَّةِ رِجَالٌ، وَإِنَّ الدُّنيَا لم تَرَ الرُّجُولَةَ في أَجلَى صُوَرِهَا وَأَكمَلِ مَعَانِيهَا كَمَا رَأَتهَا في تِلكَ النَّمَاذِجِ الكَرِيمَةِ الَّتي صَنَعَهَا الإِسلامُ عَلَى يَدِ رَسُولِهِ العَظِيمِ، مِن رِجَالٍ يَكثُرُونَ عِندَ الفَزَعِ وَيقِلُّونَ عِندَ الطَّمَعِ، لا يُغرِيهِمُ الوَعدُ وَلا يُلَيِّنُهُم الوَعِيدُ، وَلا يَغُرُّهُمُ النَّصرُ وَلا تُحَطِّمُهُمُ الهَزِيمَةُ، وَلَن تَستَعِيدَ الدُّنيَا الرُّجُولَةَ إِلاَّ بِإِحيَاءِ تِلكَ النَّمَاذِجِ العَظِيمَةِ في الوَاقِعِ وَعَرضِ سِيَرِهِم عَلَى النَّاشِئَةِ.

وإن خير ما تقوم به دولة لشعبها، وأعظم ما يقوم عليه منهج تعليمي، وأفضل ما تتعاون عليه أدواتُ التوجيه كلها من أسرة وإعلامٍ، ومسجد ومدرسة، هو صناعة هذه الرجولة، وتربية هذا الطراز من الرجال.

فمن وسائل تربية الرجال، القدوة الصالحة، يجب أن يُربط الأطفال بقدواتٍ معظمةٍ في نفوسهم، محببةٍ إلى قلوبهم، تكون هذه القدوات على المستوى من الرجولة والأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة، مع إبراز تلك الصفات وحث الأطفال على التخلق والتحلي بها.

قال الله تعالى آمراً بالتأسي بالصالحين:﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [يوسف: 111] وقال – صلى الله عليه وسلم -: (اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ من بَعْدِي أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ) رواه الترمذي وصححه الألباني، فينبغي الاطلاع على سير الصالحين وقصص الأبطال والعظماء، ورواية الأدب والشعر الذي يأخذ بمجامع النفوس فيرفعها إلى المجد والسؤدد، روى ثعلب في أماليه عن ثابت بن عبد الرحمن قال: كتب معاويةُ بنُ أبي سفيان رضي الله عنه إلى زياد: إذا جاءك كتابي فأوفدْ إليَّ ابنَكَ عُبيدَ الله، فأوفدَه عليه فما سأله عن شيءٍ إلا أنفذه، حتى سأله عن الشعرِ فلم يعرفْ منه شيئاً، قال ما منعك من روايته؟ قال: كرهتُ أن أجمعَ كلامَ الله وكلامَ الشيطانِ في صدري، قال: أغرِبْ، والله لقد وضعتُ رجلي في الركاب يوم صفين مراراً، ما يمنعني من الانهزامِ إلا أبياتُ ابنِ الإطنابة حيث يقول:

أبت لي عفتي وأبى بلائي

وأخذي الحمدَ بالثمنِ الربيح

وإعطائي على الإعدامِ مالي

وإقدامي على البطلِ المشيحِ

وقولي كلما جشأت وجاشت

مكانَك تُحمدي أو تستريحي

لأدفعَ عن مآثرَ صالحاتٍ

وأحمي بعدُ عن عرضٍ صحيحِ

وكتب إلى أبيه: أن روِّه الشعر، فروّاه فما كان يسقط، عليه منه شيء.

ومن وسائل تربية الرجولة في النفس تربيتُها على ما يجلبُ خصالَ الرجولة، وأولُ خصلة.. علوُّ الهمة.

أسأل الله تعالى أن يعيد فينا معاني الرجولة وصفات الرجال، ويوفقنا لمحاسن الأخلاق وكريم الخصال، ويعيننا على تربية أنفسنا وأولادنا على معالي الأمور ومحاسنها.

خواطر عن الرجولة

ما هي “الرجولة”؟

من صغري وأنا أسمعهم يقولون:

“تربية الصبيان أصعب من تربية البنات”، و”الصبي لا يمكن ضبطه ولا توجيهه”، ويستشهدون بقوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾ [آل عمران: 36]، ويشيعون: “الذَّكَر لا يسمع الكلام ولا يستشير، ويصفق الباب ويخرج إلى حيث لا ندري، ويتصرف على هواه ولا توجد قوة تمنعه أو تردعه أو توقفه”.

ومرت السنون على هذا الحال، والمفاجأة حين تصدَّرتْ “هؤلاء الأمهات” المجالسَ وانتقلن من الحديث عن “فشلهن وإحباطهن”، إلى الحديث عن “نجاحهن في التربية”! وكل واحدة تشِيد بنفسها، وتقول بكل اعتزاز: “أنا ربَّيت رجالاً”، وأعجب أنا من قولها وأتذكر ما كنت أسمعه من “تذمُّرها، وشكواها، وإعلانها العجز”، وما نراه – نحن المقرَّبات منها – من “فساد ابنها الفتي وقلة تربيته”!

وتسألها اللاتي لا يعرفنها – من الحاضرات – وباهتمام: “وكيف استطعت ذلك؟ أفيدينا؟”، وتجيب: “أطلقتهم إلى الدنيا وهم صغار وتركتهم فيها، فاكتشفوا أن الدنيا غابة، وتعلَّموا سبل النجاة، واستطاعوا حماية أنفسهم من ظلمها وغدرها، فلا يُغبَن حقُّهم، ولا يُداس طرفُهم، فنجحوا”، وتؤكد قولَها أمٌّ أخرى (على شاكلتها): “تربية الابن على (الرجولة) عملية سهلة جدًّا، ولكي يصبح الولد رجلاً؛ اتركيه مع أقرانه في الشوارع؛ فيتعلم وحده، ويصبح (كَدَعًا)؛ أيْ: (رجلاً) يُعتمَد عليه، والدنيا أكبر مدرسة”.

وأتساءل في سرِّي: “ولكن الدنيا وحدها لا تصنع رجالاً! إنها تضيع الأبناء، وتعلمهم أسوأ العادات، وأقبح السلوك، والمكاسب التي تعطيهم إياها الدنيا هي أقل بكثير مما تأخذه منهم”.

حتى إذا خرجنا – من اجتماعنا – إلى الشارع، نظرتُ إلى شاب من أولاد هؤلاء الأمهات، فرأيت مظهره ولباسه وشعره وسلوكه لا يُرضي ولا يَدلُّ على التزام، وشهد أقرانه بأنه لا يُولي الصلاة أهميَّة، ولا تعني له التقوى شيئًا، وأنه عاقٌّ لأهله وسيِّئ الخلُق، ولا يتحمَّل المسؤولية، ويركض وراء الشهوات، وأكثر زملائه مثله.

رأيت ما رأيته، وساعتَها فهمت أن “مفهوم الرجولة مختل لدى العامة”، وأن بعض الناس “لا يعرفون المعنى الحقيقي للرجولة”؛ ولذا نَدَرَ الرجال وقَلَّت أعدادهم!

فمن هو “الرجل” برأي عامة الناس؟

1- من يُميت عواطفَه ويُظهر الجَلافة والقسوة والهيمنة، وكلما بدا مسيطرًا وحاسمًا وأصدر الأوامر والنواهي، كان أكثر رجولة، والتجبُّر جيِّد ومطلوب، وإذا تجاوز الشاب أباه وسيطر على أخواته، أصبح أكثر إقناعًا لذويه.

وقد يحتاج “الرجل” إلى بعض الوسائل المساعدة؛ مثل: “السب والفحش في القول”، وأحيانًا “الضرب”؛ ليرهب من حوله، ويؤكد نفوذه وسطوته.

2- و”الرجل” يستقل بنفسه قُبيل البلوغ ولا يستشير إلا عقله، وينفرد برأيه (فهذا دليل على الاستقلالية وعدم الحاجة إلى حنكة الكبار)، ويصفق الباب ويخرج فلا يدري أحد: (أين ذهب؟ ومتى سيعود؟)، ولا يحق لأحد سؤاله؛ لأنه فوق المساءلة.

إنهم ينزعون سلطة الوالدين ويعلِّمون الأبناء التمرُّد (بحجة تغيُّر الزمان، والحرية الشخصية والرجولة).

3- و”الرجل” من لا يُبدِّل قولَه، ولا يُغيِّر كلمته، ولا يَعدِل عن رأيه مهما حصل (ولو ثبت له خطؤه)، ويُعبِّرون عن هذه الصفة بالعبارة المشهورة: “الرجل كلمته واحدة”.

هذه أهم الصفات بزعمهم، وإذا تحلَّى الابن بها، فلا يهم بعدها لو كان كسولاً في كسب رزقه، وفاشلاً في التخطيط وفي إدارة أموره، وعاجزًا عن تحمُّل المسؤولية.

ولكي تكتمل الرجولة؛ يضاف إلى هذه الصفات الثلاث بعض المهارات:

4- “الرجل” عنده القدرة على الاستفادة من الناس، وأيضًا مما لدى الناس ومشاركتهم بكل خير، وهذا جيد، على أنه وبالمقابل يستخلص الخير لنفسه، ويستفيد منه وحده، ولا يشارك الناس فيه، ولا يفيض عليهم بما لديه!

ويعرف من أين تؤكل الكتف، ويتقن طرق المحاورة والمراوغة والمداهنة للتعامل مع الناس وإرضائهم بكلام معسول، وسحب البساط من تحتهم، وعن طيب نفس منهم!

وقد يلجأ إلى الغش، ويدفع الرشوة، وقد يتحايل ويظلم؛ مراعاةً لمصالحه الشخصية (فالعدل يُعطِّل سير الأمور، ويحرف النتائج لصالح الآخرين)، بل تفتخر الأم بأن ابنها يتقن تلك الأساليب غير المشروعة، وكلما أتقنها أكثر، ارتفعت منزلته في عالم الرجولة.

5- و”الرجولة” فهم واستيعاب التكنولوجيا الحديثة، وإذا عرف الصبي كيف يستخدم الهاتف المحمول والكمبيوتر بكفاءة عالية، صار رجلاً، وإذا استطاع فك الشفرات والدخول إلى المواقع، لأتى بدليل أوثق على “الرجولة”، وأيضًا إذا تابع التغييرات السريعة في عالم التكنولوجيا وفهمها واستطاع مسايرتها، وإن أرسلتْه أمه إلى السوق فاشترى لها حاجاتها بسعر أقل من المعتاد، صار رجلاً. وإن كان الولد قادرًا على قيادة السيارة بسرعة عالية، والالتفاف بها بين السيارات يمنة ويسرة للنفاد من الشوارع المزدحمة، ومسابقة الناس عند الإشارات المرورية، كان رجلاً، وقد يدخن ويشرب الأركيلة…

ويتفاخرون (بالمظاهر السابقة)، وبعضها يدل على “التهور وعدم النضج”! وبعضها الآخر مظاهر عادية لا تميز الرجل بالذات! ويمكن لأي ولد ذكي بلغ العاشرة القيام بها بنجاح، ويمكن للبنت الفالحة أن تتعلمها.

وباختصار: صفات الرجل (عند العامة) تُطابِق ما يسميه الإسلام: “العقوق”؛ أيْ: إهمال بر الوالدين وترك طاعتهما، وهي “عكس ما أمر به الشارع”، فهل نسمي – نحن الواعين المثقفين، الملتزمين بالدين – هذا رجلاً؟

أنا لا أرى مثل هذا رجلاً، وإن كنت أعترف بأن (القدرة على خوض غمار الحياة، والنجاح في التعامل معها ومع الناس) من مقومات الرجولة، والشاب اليوم يتعلم هذا من الدنيا ويحسنه ويتقنه، ولكنه لا يكفيه، فالإسلام والتقوى والمروءة يطالبونه بمجموعة أخرى من الصفات، وأضرب مثلاً لكل واحدة منها:

• فالإسلام “جعل الأمر شورى”، والشورى تؤخذ من الجميع (بمن فيهم النساء) وفي كل أمر، والرجل (عند العامة) لا يستشير، ويستبد فوقها، ويحقر رأي المرأة.

• والتقوى “توجب على الرجل العدل في الناس، والرفق بهم”.

• والمروءة “تتطلب تنزيه النفس عن الرذائل والسفاسف”، والرجل الناضج العاقل يربأ بنفسه عن الخداع، ويترفَّع عما بأيدي الناس، محافظًا بذلك على مهابته واحترامه بينهم.

وهذا “المتظاهر بالرجولة” يتمسك بقوله الخاطئ، ويستمر في سلوكه السيِّئ، ويتفاخر بالإصرار على الخطأ، والشرع حبَّب إلينا “العدول عن اليمين” إن كان غيرها خيرًا منها، وفي الحديث: “((من حلف على أمر ورأى غيره خيرًا منه، فليأتِ الذي هو خير))، فكيف بمن تفوَّه بكلمات بسيطة ولم يحلف عليها، ولم يرمِ يمينًا وإنما قال فقط؟! ما الضير “لو عدل عن قوله الخاطئ إلى ما هو أفضل منه”؟!

والخلاصة:

من “يَدَّعُونَ الرجولة” يتعاملون مع ذويهم بقسوة وأنانية واستبداد، وأين هذه الصفات القبيحة من الأخلاق الإسلامية (الرحمة، والإيثار، والشورى)؟ وأين هي من “الرجولة”، والرجولة تعني “الخلق السامي الرفيع”؟

فمن هو “الرجل الحقيقي” إذًا؟ وما هي صفاته؟

“الرجولة” تعني بالدرجة الأولى “النضج والرشد”، و”رجاحة العقل”، و”القدرة على تحمُّل المسؤولية”، وهذه الثلاث أهم الصفات وأعظمها، وأقصد بتحمُّل المسؤولية أن يعرف الشاب واجباته وأن يقوم بها كلها، وأن يُخطِّط لحاضره ولمستقبله بشكل جيِّد.

وتلحق هذه الصفاتِ الرئيسيةَ مجموعةُ صفات أخرى ضرورية؛ مثل: (القناعة، الشجاعة، الكرم)، وتلحقها محسِّنات؛ مثل: (التوازن ومعرفة الأولويات).

هذه أهم الصفات المطلوبة في الرجل، وعلى المُربِّين مراعاتها، وصناعة الرجال أمر يحتاج إلى الصبر والدقَّة في التربية والتوجيه، ولو كان سهلاً، لامتلأت الدنيا بالرجال، وما شكونا من قِلَّتهم.

الصبر رجولة وتمكين

(ثباتُ خبَّاب بن الأَرتِّ رضي الله عنه)

ليكن الدرس مع خباب بن الأرت الرجل البطل (ممن فتن عن دينه فثبت عليه، فإنه سبي في الجاهلية فاشترته (أم أنمار الخزاعية) وكان قينًا أي حدادًا، وكان صلى الله عليه وسلم يألفه ويأتيه، فلما أسلم وأخبرت بذلك مولاته صارت تأخذ الحديدة وقد أحمتها بالنار فتضعها على رأسه، فشكا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “اللهم انصر خبابًا، فاشتكت مولاته رأسها فكانت تعوي مع الكلاب، فقيل لها اكتوي، فكان خباب يأخذ الحديدة وقد أحماها فيكوي رأسها”.

وفي البخاري عن خباب قال: “أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد برده في ظل الكعبة” ولقد لقينا يعني معاشر المسلمين من المشركين شدة شديدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد صلى الله عليه وسلم محمرًا وجهه، فقال: إنه كان من قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على فرِق رأس أحدهم فيشق ما يصرفه ذلك عن دينه، وليظهرنَّ الله تعالى هذا الأمر حتى يصير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه” [1] ا. هـ.

هكذا يذكر لنا خباب رضي الله عنه المنهج الدراسي في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم الخاصة للرجولة، وأهم المواد فيها هي الصبر واليقين، ومنهجها العملي في الثبات والجهاد بالنفس والنفيس.. هكذا انتشر الإسلام، وبلغ ما بين المشرِقين.. على أكتاف هؤلاء الأبطال ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين..!

وعلى أكتاف أمثال هؤلاء سيعود الإسلام إلى مكانه الطبيعي شابًا فتيًا يقود الأمم.. قال الله عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 33]. تبشرنا هذه الآية الكريمة بأن المستقبل للإسلام بسيطرته وظهوره وحكمه على الأديان كلها، وقد يظن بعض الناس أن ذلك قد تحقق في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين والملوك الصالحين، وليس كذلك، فالذي تحقق إنما هو جزء من هذا الوعد الصادق، كما أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:

1- ” لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى، فقالت عائشة: يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 33] أن ذلك تاما، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله “. الحديث. رواه مسلم وغيره. وقد وردت أحاديث أخرى توضح مبلغ ظهور الإسلام ومدى انتشاره، بحيث لا يدع مجالا للشك في أن المستقبل للإسلام بإذن الله وتوفيقه. وها أنا أسوق ما تيسر من هذه الأحاديث عسى أن تكون سببًا لشحذ همم العاملين للإسلام، وحجة على اليائسين المتواكلين.

2- ” إن الله زوى (أي جمع وضم) لي الأرض، فرأيت مشارِقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها “. الحديث.

3- عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ ” وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ، يَقُولُ: ” قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ ” ومما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر والطغيان، وهذا ما يبشرنا به الحديث.

4- عن أبى قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاصي وسئل أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابًا قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” مدينة هرِقل تفتح أولا. يعني قسطنطينية “(وهى اسطنبول عاصمة تركيا الإسلامية حاليًا، وقد تم وعد المصطفى بفتحها بعد حوالي (800) سنة من بشراه بها على يد محمد الفاتح، ونحن بانتظار وعده صلى الله عليه وسلم بفتح روما.. ولا شك أيضا أن تحقيق الفتح الثاني يستدعي أن تعود الخلافة الراشدة إلى الأمة المسلمة، وهذا مما يبشرنا به صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت” [2] ا. هـ.

ولعل البعض يتعجب كثيراً من تلك الثقة العارمة للمسلم الحق في انتصار دينه وهيمنته على الأديان.. يقول كيف وفى كل مكان يشير إليه إصبعك مسلم يُهان ويُظلم ويُنكل به لأجل إسلامه؟!.. كيف وهم يملكون العلم والتقنية والسلاح والعقول؟!.. كيف وهم……؟! أقول له هذا عين ما يراد بنا اليأس ثم اليأس ثم الانهزام فالانقياد.. ولكن من تملأ قلوبهم الحقيقة يعلمون أن الحق سينتصر، والتاريخ والفطرة خير الشواهد..

والمطلوب الأول منا هو اليقين والصبر.. (سَأَلَ رجلٌ الشَّافِعِي، فَقَالَ: يَا أَبَا عبد الله أَيّمَا أفضل للرجل أَن يمكَّن أَو يَبْتَلِي؟ فَقَالَ الشَّافِعِي: لَا يمكَّن حَتَّى يبتلى، فَإِن الله ابْتُلِيَ نوحًا وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ومحمدا صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ فَلَمَّا صَبَرُوا مكنهم. ا. هـ. من الفوائد لابن القيم)، وقد استخلص ابن القيم رحمه الله ببراعته في غير موضعٍ من كتبه حقيقة أن الإمامة تستلزم الجمع بين الصبر واليقين، واستدل بقوله سبحانه ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24]. اسمع معي ما رواه أحمد في مسنده (18260) بسنده عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْكَ، قَالَ: نَعَمْ، لَمَّا بَلَغَنِي خُرُوجُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَرِهْتُ خُرُوجَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، خَرَجْتُ حَتَّى وَقَعْتُ نَاحِيَةَ الرُّومِ، وَقَالَ يَعْنِي يَزِيدَ بِبَغْدَادَ، حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى قَيْصَرَ، قَالَ: فَكَرِهْتُ مَكَانِي ذَلِكَ أَشَدَّ مِنْ كَرَاهِيَتِي لِخُرُوجِهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ، لَوْلَا أَتَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ، فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَضُرَّنِي، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَلِمْتُ، قَالَ: فَقَدِمْتُ فَأَتَيْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْتُ قَالَ النَّاسُ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي: ” يَا عَدِيُّ بْنَ حَاتِمٍ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ ” ثَلَاثًا، قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي عَلَى دِينٍ، قَالَ: ” أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ ” فَقُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي؟ قَالَ: ” نَعَمْ، أَلَسْتَ مِنَ الرَّكُوسِيَّةِ (قال السندي: قوله: من الرَّكوسية، ضبط بفتح الراء، وهم النصارى)، وَأَنْتَ تَأْكُلُ مِرْبَاعَ قَوْمِكَ؟ (مِرْباع القوم: كان الرئيس في الجاهلية يأخذ ربع مال الرعية، ويسمي ذلك الربع: المِرْباع. ). ” قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: ” فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ “، قَالَ: فَلَمْ يَعْدُ أَنْ قَالَهَا، فَتَوَاضَعْتُ لَهَا (فلم يَعْدُ، من عدا يعدو، أي: فما تجاوز قولَ هذه المقالة أن تواضعتُ لهذه المقالة. )، فَقَالَ: ” أَمَا إِنِّي أَعْلَمُ مَا الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِسْلَامِ، تَقُولُ: إِنَّمَا اتَّبَعَهُ ضَعَفَةُ النَّاسِ، وَمَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ، وَقَدْ رَمَتْهُمْ الْعَرَبُ. أَتَعْرِفُ الْحِيرَةَ (بلاد اليمن اليوم )؟ ” قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ سَمِعْتُ بِهَا. قَالَ: ” فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ، حَتَّى تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ (المرأة المسافرة للحج وغيره) مِنَ الْحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ (أي من غير حماية وهى كناية عن الأمان وبلوغ ملك الإسلام الآفاق )، وَلَيَفْتَحَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ (ملك الفرس أعظم قوة عسكرية وحضارية حينها) ” قَالَ: قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ: ” نَعَمْ، كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَلَيُبْذَلَنَّ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ ” قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: ” فَهَذِهِ الظَّعِينَةُ تَخْرُجُ مِنَ الْحِيرَةِ، فَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارٍ، وَلَقَدْ كُنْتُ فِيمَنْ فَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ، لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَهَا “[3]…

وفى حديث آخر عن عدي بن حاتم كان عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل (وكان عدي قد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل في الاسلام وخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يفت في عضده ويثبطه عندما يرى من ضعف أهله وفقرهم وعدم انتشار الأمن في أرضهم حينذاك فألقى بالبشارات المذكورة في الحديث ترغيبًا وتثبيتًا) فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة قال: لم أرها وقد أنبئت عنها قال: إن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله وفي رواية إنه لا يأتي عليك إلا قليل حتى تخرج العير إلى مكة بغير خفير قال عدي: قلت فيما بيني وبين نفسي فأين دعار طيء الذين سعروا البلاد وأكمل النبي صلى الله عليه وسلم حديثه إليه فقال: ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى قال: كسرى بن هرمز قال: كسرى بن هرمز ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه) ا. هـ.[4].

لقد كانوا يتندرون على محمد صلى الله عليه وسلم حين يزرع اليقين في أصحابه المستضعفين بالنصر وامتلاك الأرض.. لم يكونوا يدركوا أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وأن العاقبة للمتقين، والتمكين لأهل الحق.. روى ابن إسحاق عن إياس بن عفيف عن أبيه أنه قال: كنت امرءاً تاجراً فقدمت (منى) أيام الحج، وكان العباس بن عبد المطلب امرءاً تاجرًا، فأتيته أبتاع منه. قال: فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء فقام يصلي تجاه الكعبة ثم خرجت امرأة فقامت تصلي وخرج غلام فقام يصلي معه، فقلت: يا عباس ما هذا الدين؟ إن هذا الدين ما أدري ما هو؟

فقال: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد آمنت به، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به. قال عفيف: فليتني كنت آمنت يومئذ فكنت أكون رابعًا[5].

العجيب أن الكثير من المسلمين المنهزمين اليوم لا يتفكرون في هذا المشهد الفريد في الرواية السابقة عن رجلٍ واحد صلى الله عليه وسلم يصلى؛ وما على الأرض معه إلا امرأة وغلام، ثم ليقارن هذا المشهد بمشهد ملايين من البشر هم بعضٌ من ملايين الملايين يهزون الدنيا بأصواتهم حول بيت الله الحرام (الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. لا إله إلا الله.. الله أكبر.. الله أكبر.. ولله الحمد)، ولولا الرجولة الحقيقية لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما بلغ هذا الدين، وهذا النور ما بلغ.

روى البخاري عن جابر بن عبد الله، وأبو نعيم عن عبد الله بن عمر، والبيهقي وأبو نعيم عن البراء بن عازب، وابن سعد وابن جرير والبيهقي وأبو نعيم عن كثير بن عبد الله بن عمر وابن عوف عن أبيه عن جدّه، وأبو نعيم عن أنس رضي الله عنهم قالوا: عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذها المعاول، فشكونا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “إنا نازل”، ثم قال: فلما رآها أخذ المعول وقال: “باسم الله” وضربها ضربة تكسر ثلثها وبرِقت برِقة أضاءت ما بين لابتي المدينة حتى كأنّ مصباحًا في جوف ليلة مظلمة، فقال: “الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إنيّ لأبصر قصر المدائن الأبيض” ثم ضربه التالية فقطع بقية الحجر، وبرِق منها برِقة أضاء ما بين لابتيها، فقال “الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر صنعاء من مكاني السّاعة”[6].

هذه الروح العالية.. هذا الإيمان وهذا اليقين، ولو حتى في أشد المواقف في تاريخ الإسلام حرجا، والمسلمين ضعفًا.. هو بالضبط ما نحتاج بعضه في بناء الرجولة الحقيقية، وصنع الرجال صناعة إسلامية صحيحة.. تلقى للدنيا أجيالاً جديدة؛ ترفع راية النور وتعيد للحق والهدى الريادة… فهل تعلمنا الدرس؟!

 [1] من السيرة الحلبية ، العلمية ، ط. 2، 1/ 425)

[2] من سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني بتصرف واختصار 1/ 32.

[3] (صحح محققي المسند إسناده ) وقال الحافظ في “الفتح” 6 /613 في شرح حديث البخاري السالف: قوله: “فلا يجد أحداً يقبله منه”، أي: لعدم الفقراء في ذلك الزمان، تقدم في الزكاة قول من قال: إن ذلك عند نزول عيسى بن مريم عليه السلام، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز، وبذلك جزم البيهقي في “الدلائل” من طريق يعقوب بن سفيان بسنده إلى عمر بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: إنما ولي عمر بن عبد العزيز: ثلاثين شهراً ألا والله ما مات حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح حتى يرجع بماله، يتذكر من يضعه فيه، فلا يجده، وقد أغنى عمر الناس. قال البيهقي: فيه تصديق ما روينا في حديث عدي بن حاتم. انتهى. ولا شك في رجحان هذا الاحتمال على الأول لقوله في الحديث: “ولئن طالت بك حياة”. ا. ه.

[4] ( قال الألبانى رحمه الله في تخريج أحاديث مشكلة الفقر1/ 81 صحيح أخرجه البخاري وأحمد عن عدي بن حاتم)

[5] (صحيح السيرة النبوية ، الألباني، المكتبة الإسلامية – عمان – الأردن ، 1/ 115)

[6] (سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد 9/ 508)

مقاومة الظلم والظالمين:

مقاومة الظلم فريضة إسلامية

فرض الله علي المسلمين بجانب الصلاة والصيام والزكاة والحج عبادات أخري كثيرة منها مقاومة الظلم والظالمين‏,‏ وعبادة لله والسير علي هدي رسول الله صلي الله عليه وسلم نصرة للدين ورفعة للدولة وسيادة الأمة وذلك‏-‏ كما يقول الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر السابق وعضو مجمع البحوث الإسلامية‏-‏ حتي لا يعم الظلم وينتشر بين الناس ولا يتكاثر عدد الظالمين فينزل عقاب الله‏..‏

وقد نهي الله سبحانه وتعالي عن الظلم فقال عز وجل:( لا تظلمون ولا تظلمون), وحرم الله الظلم علي نفسه فقال سبحانه( وما ربك بظلام للعبيد) وقال أيضا( إن الله لا يظلم مثقال ذرة)

كما حرم الله ممارسة الظلم كذلك بين عباده, فقد روي عن أبي ذر الغفاري أن النبي, صلي الله عليه وسلم, قال فيما يرويه عن ربه عز وجل انه قال( ياعبادي اني حرمت الظلم عن نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا….) وهذا لأن الظلم سبب لهلاك الأمم, قال تعالي: ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا كما أن الظلم يؤدي إلي الحرمان من الفلاح, فيقول سبحانه( انه لا يفلح الظالمون) وروي ان رسول الله صلي عليه وسلم قال( اتقوا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة)

ولأن النفس تحمل في جنباتها دواعي للظلم والتعدي علي الغير حقدا وحسدا أو تكبرا واستعلاء أو اقتداء منها بالظالمين أو إتباعا لوساوس الشيطان فقد حذر الله سبحانه من عاقبة كل الذين يلجأون إلي ارتكاب هذه الأعمال, فقال تعالي( ولا تركنوا إلي الذين ظلموا فتمسكم النار) وفي هذا إنذار بالانتقام من الذي يساند الظالم حتي لو كان مجرد تقديم( قلم) يكتب به ظلما لأحد ومن سنن الله عز وجل الإهمال للظالمين لقوله تعالي( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين)

وفي وصيه النبي عليه السلام لمعاذ بن جبل عندما بعثه إلي اليمن قال( اتق دعوه المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب) وقد اباح الله سبحانه للمظلوم ان يدعوا علي ظالمه فقال عز وجل( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما) والله سبحانه وتعالي يؤخر انتصار المظلوم ليستنفذ كل ما عنده من مقاومة للظلم حتي يصل إلي الدرجة التي ذكرها القرآن في قول الله تعالي( لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا) حيث يظل المظلوم يقاوم ظالمه وهو ثابت دون استسلام أو خضوع ويعطي القدوة لغيره في ضرورة النفور من الظلم والدعوة لرفضه وحصاره وهزيمته

ان المنهج الإسلامي يعتبر الحرية فريضة ويحمي كل أنواعها وجعلها أساس استقرار الفرد والأسرة والمجتمع والأمة وسبيل التفوق والارتقاء ونهي عن الإكراه في الدين فقال تعالي( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) ومن نماذج مقاومة الظالمين أن رجلا جاء إلي رسول الله, صلي الله عليه وسلم, يشكو جاره فقال له النبي( اطرح متاعك علي الطريق فطرحه فجعل الناس يمرون علي جاره ويلعنونه فجاء إلي النبي صلي الله عليه وسلم فقال يا رسول الله لقيت من الناس فقال النبي وما لقيت منهم قال يلعنونني فقال النبي( قد لعنك الله قبل الناس) فقال الرجل اني لا أعود ثم جاء الشاكي فقال له النبي صلي الله عليه وسلم( ارفع متاعك فقد كفيت)

أن الله عز وجل لا يرضي لعباده الاستسلام أمام ظلم الظالمين والذين يقبلون بالظلم والاستضعاف هم من الظالمين لأنفسهم لقوله تعالي( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض), ولذلك فان الاحتجاج علي الظلم أمر مطلوب لأنه من جملة إنكار المنكر الواجب وفيه نصره وتأييد للمستضعفين, لقول النبي:( انصر أخاك ظالما أو مظلوما) كما أن الاحتجاج علي الظلم بمختلف الأساليب التي تؤثر علي الظالم ويستفيد منها المظلوم جائز شرعا,لأن نصرة المظلوم ومساندة الحق واجبة.

مشروعية مقاومة الظلم والظالمين في كل مكان وزمان

لقد شرع الله مقاومة الظلم والظالمين وحثَّ عليه، فقد جاء في بعض الأحاديث اعتباره أفضل الجهاد:

 (1)عن أبي عبد الله طارق بن شهاب البجلي الأحمسي : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ وقد وضع رجله في الغرز ـ أي الجهاد أفضل قال : كلمة حق عند سلطان جائر ، رواه النسائي ، قال المنذري في الترغيب : إسناده صحيح .

 (2)عَنِ ابْنِ عَبَاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : ” سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ ” صححه الألباني في صحيح الترغيب

وبهذا جرّأ الرسول الكريم أمته: أن تقول كلمة الحق في وجه السلاطين الظلمة المتجبِّرين، لا يبالون ما يصيبهم في سبيل الله؛ أن يقتلوا في سبيل الله. وهذا أغلى وأعلى ما يتمناه مسلم لنفسه: أن يُختم له بالشهادة في سبيل الله، ولا سيما إذا كان بجوار سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله.

(3) اعتبر د. يوسف القرضاوي أن من ميادين الجهاد في داخل المجتمع ميدان مقاومة الظلم والظالمين، والأخذ على أيديهم، وعدم الركون إليهم، كما قال تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) هود:113.

لماذا جعل مقاومة الظالمين من أفضل الجهاد ? !! ذلك أن خطر الفساد الداخلي إذا تفاقم يشكل خطرا جسيما وشرا كبيرا على الأمة، ولهذا يعتبر الإسلام الجهاد ضدَّ الظلم والفساد في الداخل مقدَّما على الجهاد ضدَّ الكفر والعدوان من الخارج لأن الفساد الداخلي كثيرا ما يكون ممهِّدا للعدوان الخارجي، كما تدلُّ على ذلك أوائل سورة الإسراء، إذ قصَّت علينا ما وقع لبني إسرائيل حين أفسدوا في الأرض مرتين، وعلَوا (طغَوا) علوًّا كبيرا، ولم يجدوا بينهم مَن ينهى عن هذا الفساد أو يقاوِمه، فسلَّط الله عليهم أعداء من الخارج، يجوسون خلال ديارهم، ويدمِّرون عليهم معابدهم، ويحرقون توراتهم، ويسومونهم سوء العذاب، ويتبِّرون ما علَوا تتبيرا، وكان وعد الله مفعولا.

 (4) حذر الرسول صلى الله عليه و آله وسلم من معاونة الظالمين : فقال: (سيكون أمراء فسقة جورة فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس منى ولست منه ولن يرد على الحوض) رواه احمد والنسائي.

سأل أحد السجانين الإمام أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي وردت في أعوان الظلمة وما لهم من العذاب عند الله تعالى؟ فأعلمه أنها أحاديث صحيحة. فقال له: وهل ترى مثلي من أعوان الظلمة؟ فقال له: لا، لست من أعوان الظلمة. إنما أعوان الظلمة مَن يخيط لك ثوبك، ومَن يهيّئ لك طعامك، ومَن يقضي لك حاجتك. أما أنت فمن الظلمة أنفسهم!!

لماذا السجان من الظلمة أنفسهم ? !! ذلك أن الجبار المستكبر في الأرض لا ينفذ ظلمه بنفسه، ولكن بوساطة هذه الآلات البشرية التي يستخدمها في قهر العباد، وإفساد البلاد، وهي تكون له عادة أطوع من الخاتم في أصبعه!

 (5) حذر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من هيبة الظالمين: (اذا هابت أمتى ان يقولوا للظالم : انت ظالم فقد تودع منهم) حديث صحيح ، اخرجه احمد .

ومعنى »تودِّع منهم«: أي لا خير فيهم، فقد استوى وجودهم وعدمهم، فإن مبرِّر وجود الأمة: أن تقوم برسالتها، وهي الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 (6) حذر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أن نكون إمعات :

وقال النبي عليه افضل الصلاة والسلام و على آله : (لا تكن كالإمعة ، إن أحسن الناس أحسنت ، وإن أساؤوا أسأت ، ولكن وطنوا أنفسكم ، إن أحسن الناس أن تحسنوا ، وإن أساؤوا ألا تظلموا) – رواه حذيفة بن اليمان وأخرجه الألباني

الاٍمعة : هو ذلك الشخص الذي لا يملك رأي وبالأدق ليس له رأي بالأصل فتراه أينما جلس يوافق علي ما قيل أمامه من حديث وكلام بل ويؤيدهم بالكلام أي لا يكتفي بالجلوس و الالتزام بالصمت حتى ولو كان يعلم بأن ما يقال أمامه هو غير صحيح وهو باطل .

ولذلك من الواجب علينا مواجهة الظلم؛ فلا نكتفى أن نعرف الظلم ونسكت، أو نجلس نتلاوم على الظلم الحاصل، بل لا بد أن يكون لكل منا دورٌ في مقاومة الظلم والظالمين

 (7) أخرج أبو داود وصححه الترمذي وابن حبان عن أبي بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ.

 (8) عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعتُ رِسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقولُ: (مَن رَأى مِنكُم مُنكَرَاً فَليُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَستَطعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَستَطعْ فَبِقَلبِه وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَانِ)[235] رواه مسلم.

أعلم أن التغيير بالقلب: ليس التغيير أو الجهاد بالقلب موقفا سلبيا، كما يفهمه بعض الناس، وإلا ما سمَّاه الرسول تغييرا أو جهادا، ولا جعله مرتبة من مراتب الإيمان، وإن كان هو المرتبة الدنيا، التي ليس وراءها من الإيمان حبة خردل ولكن معناه غليان القلب غضبا على المنكر، وكراهية للظلم، وإنكارا على الفساد فحين يمتلئ القلب بهذه (الشحنة) من الغضب والكراهية والإنكار والثورة الداخلية : يكون ذلك تحضيرا معنويا لثورة ظاهرية عارمة، يغلي الغيظ في صدر المؤمن ، كما يغلي المِرجَل فوق النار؛ فلا بد لهذا المِرجَل أن يتنفس، وإلا تفجَّر أو تكسَّر! فهذه الشحنة القلبية الوجدانية الانفعالية: رصيد مهم لأي تغيير عملي مرتقَب، فالتغيير لا يبدأ عادة من فراغ، بل لابد له من مقدِّمات ودوافع نفسية، تدفع إليه و توشك أن تقتلع الظلم والفساد من جذوره .

ومن هنا لا بد للأمة إذا رأت الظالم أن تنصحه، على أي مستوى من مستويات القيادة في الأمة سواء كان الظلم من الحكام وأولي الأمر للرعية والشعوب أم من القادة للجنود، أم من الرؤساء للمرؤوسين أو من الأغنياء للفقراء، أم من الملاَّك للمستأجرين، أم من أرباب العمل للعمال، ، أم من الرجال للنساء، أم من الكبار للصغار، أو من المدير في المدرسة، الأب في المنزل.. ، يجب أن يقاوَم ويجاهَد، بما نقدر عليه من اليد، أو اللسان، أو القلب، وهذا واجبُ الأمة أحادا وجماعات حتى نتخلص من الظالمين .

فوائد وثمرات مقاومة ظلم الحكام المتجبرين :-

1- امتثال لأمر الله عز وجل وأمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم .

2- أن في ذلك اقتداء بسنة الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة رضي الله عنهم.

3- أن محاسبة الحاكم والإنكار العلني عليه إعمال لمبدأ الشفافية والذي عمل به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه من بعده.

4- أن الجميع تحت طاولة المسألة والمحاسبة عندما تصدر منهم أخطاء أو منكرات تضر بالأمة وأن الله هو الذي لا يسأل عما يفعل أما سواه فهم يسألون.

5- أن مقاومة ظلم الحكام المتجبرين أدعى لامتناع الحاكم عن الاستمرار فيما أنكر عليه كما أنه ادعى له بسرعة الإقلاع عن هذا المنكر حتى لا يهون أمره على بقية الأمة.

6- أن في إظهار هذا الشعيرة تحقيق صفه من صفات المؤمنين الثابتة لهم في القرآن الكريم في قوله تعالى:(والمؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر).

7- أن في مقاومة ظلم الحكام المتجبرين ترسيخ لمبدأ وصاية الأمة وسلطتها على الحاكم وهذا ما قرره الإسلام قبل أكثر من أربعة عشر قرناً. ولم تفطن له المجتمعات الغربية إلا في هذا العصر المتأخر.

8- أن في مقاومة ظلم الحكام المتجبرين إيصال رسالة لجميع الأمة بأن السيادة للإسلام وشعائره وأنه لا أحد فوق دين الله وأن الجميع سواء كان حاكماً أو محكوماً تحت تعاليم الإسلام ولا مزية للحاكم تمنحه حق معصية الله أو فعل محرماته.

9- أن في إعلان مقاومة ظلم الحكام المتجبرين إظهار لشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي الشعيرة التي فضل الله بها هذه الأمة عن بقية الأمم في قوله تعالى:(كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر).

10 – وفى مقاومة الظلم تحقيقا للعدل والمساواة والتي من فوائده وثمراته على مستوى الفرد والمجتمع والدولة الآتي :

– دوام الملك وعدم زواله.

– الصدع بالحق وحفظ الحقوق .

– الأمن لصاحبه في الدنيا والآخرة .

– تحقيق الاستقرار والطمأنينة في المجتمع

– تفتح الآفاق للأفكار والإبداعات والابتكارات.

– تعزز ثقافة وروح الحب والتعاون والتكافل والجماعية .

– تفضي إلى الاستغلال الأمثل لطاقات وجهود أفراد المجتمع .

– حب الله تعالى والقبول في السماء والأرض (حب الملائكة والناس).

– تحقق الاستقرار السياسي الذي هو مفتاح التنمية الشاملة والنهوض.

– تدفع الجميع إلى الذوبان في المجتمع والدولة وتغليب العام على الخاص .

– قوة وتماسك البنيان الاجتماعي والسياسي والتفاف الجماهير حول قادتها .

– الإحساس بالثقة والثبات والقوة والعزة والاستغناء بالله تعالى عما سواه.

– الشـعور بالمساواة يقضي على الفتنة والنزاعات والمشاكل المهلكة للطاقات والموارد

من صور الظلم

1-عدم العدل في اختيار ممثلي الشعب في المجالس النيابية المختلفة بحسب صفاتهم وقدرتهم وتأهيلهم لتمثيل الشعب وحماية حقوقه وقراره .

2- عدم الوفاء بحقوق والتزامات العمل (استغلال الموظف في أي دائرة حكومية لوظيفته مهما صغرت أو كبرت لمصلحته الشخصية )

3- أكل الأموال بالباطل ومن صوره : (غصب الأراضي – أكل ميراث البنات – أكل مال الزوجة

 4- أكل مال اليتيم – المماطلة في سداد الديون مع القدرة على السداد) .

5- عدم العدل في الحكم على الأعمال والإنجازات وتقديرها بقدرها دون محاباة لأحد والظلم في تقييم الأفراد وفي الحكم بين الناس وفي المنح والعطايا و في المحاسبة والعقوبات .

6- اهدار المال العام (سرقة الكهرباء والمياه ، التهرب الضريبي ، إهمال الأجهزة والأدوات وعدم صيانتها ….الخ علينا أن ندرك ، أن كل ما في هذا الوطن ملك للجميع ً ، فمن يسرق فهو يسرق من كل الشعب .

7- ظلم العبد نفسه بالذنوب والمعاصي (عدم الالتزام بالكتاب والسنة – عدم الانتصاف من النفس برد الحقوق والمظالم – عدم الوفاء للناس بحقوقهم – عدم الاعتراف بالخطأ والتقصير – عدم الجهر بالحق في وقته ومكانه وظرفه المناسب) .

8- أعظم صور الظلم وأشدها وبالاً ظلم الحاكم لرعيته، وظلم الوالي أهل ولايته لأن الناس إنما يَنْصِبون الأئمةَ والرؤساء ليحققوا العدل فيما بينهم، ولكي يأخذوا للضعيف حقه من القوي، وللمظلوم حقه من الظالم، فإذا صار الحاكمُ هو الظالِمَ فقل على الدنيا السلام.. إذا صار الذي من واجبه أن يرسى دعائمَ العدل هو الذي يُقَوِّض العدلَ ويقيم الظلمَ، فقل على الدنيا السلام

9- شيوع المحسوبية والوساطة والرشاوى : وتُبْعَد الكفاءات من أماكنها ويُوَسَّد الأمرُ لغير أهله ولا يكون الرجل المُناسب في المكان المناسب؛ فهذا من أعظم الظلم، أخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: “مَنِ اسْتَعْمَلَ عَامِلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ وَأَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ”.

10- حين تنعدم الشورى ويضيع الحق ويختفى الدور المؤسسي ويتسلط الفرد على أي مستوى من المستويات ولسان حاله يقول (ما أوريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ) سورة غافر الآية 29

11- أخذ الناس بالشبهة، ومعاملة الناس على سوء الظن : فأخذ الناس بالشبهة ظلم مبين وإثم كبير، وإفك يرى صاحبُه عاقبةَ أمره عند الله خُسرانًا مبينًا، ولهذا كان الحبيب صلى الله عليه وسلم يدرأ الحدود بأدنى شبهة، أخرج الطبراني والبيهقي وغيرهما عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “ادْرَؤُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ وَجَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِ مَخْرَجًا، فَخَلُّوا سَبِيلَهُ، فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ”

12-التنصت على الناس لتسمُّع ما يقولون : الذي يتنصت على عباد الله ليسمع ما يقولون في مجالسهم وفي سرهم، يوم القيامة يوضع في أذنيه الرصاص المغلي المذاب في النار، أخرج البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ، صُبَّ في أُذُنِهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” والآنك: هو الرصاص المذاب من شدة الحرارة، يوضع في أذنيْ من يتصنت على الناس

كيف نربي أنفسنا والآخرين على هذه المقاومة؟

1- تقوية الإيمان في القلوب: ومن لوازم الإيمان الاعتقاد بأن الأجل محدود، والرزق معدود، ولن تموت نفس حتى تستكمل أجلها ورزقها، وهذا يُولِّد الشجاعة في القلوب فلا تهاب من الظالمين ولا تخشاهم، وكيف ذلك وقد وثقت في الله وفيما عنده جلَّ وعلا، فهان كل خطر، وصغُر كل خطبٍ ما دام في طاعة الله ومرضاته

2- رفض الظلم قلبياً:

قد يحسب بعض الناس أن التغيير بالقلب يعني التغيير السلبي، الذي لا يغير شيئا ، ويكتفي بكلمات يقولها المسلم في قلبه ولا يتحرك بها لسانه، والحاصل أن التغيير بالقلب من مراتب الإيمان، ولا يمكن للسلبي أن ينال هذه المكانة.

3- التعود على التنظيم:

هذا العصر الذي نعيش فيه هو عصر النظم والادارة . والمقاومة كنشاط إنساني تعتبر إدارة بكل ماتعني الكلمة من معنى ومن أساسيات المقاومة معرفة قدرات الخصم ونقاط قوته ونقاط ضعفه، ومعرفة قدرات المقاوم ليوظفها توظيفا صحيحا تمكنه من شل قدرات الظالم وإضعافه فالتنظيم يقسم المقاومة إلي مراحل كل مرحلة تؤدي إلي التي بعدها حتي يتحقق الهدف ، ويتم تقسيم الأدوار وتقييم المواقف واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب وتوفر المعلومة …الخ أما الانفعال واسقاط تجارب الآخرين دون إدراك للواقع فإنه يعتبر تصرف أحمق لا يقتل عدوا ولا يترك صديقا وسيمكن الظالم من الاستمرار.

4- التعود على إعلان رفض الظلم واعتزال الظالمين:

إن الظالم يحيط به الخوف من كل جانب ، فعندما يعلن المظلومون رفضهم لظلمه فإن ذلك يزيده خوفا ويدفعه للتراجع ! لقد حث الاسلام على اعتزال الظالمين ومقاطعتهم قال تعالى “ولا تركنوا إلي الذين ظلموا فتمسكم النار”

5- تدريب النفس على التحرر من الخوف , وتعويدها على الإقدام في المواقف الصعبة

6- أن تكون واعيا بالمظالم :

من أهم وسائل المقاومة أن يدرك الانسان أنه مظلوم ويحدد من الذي ظلمه وما هو نوع الظلم الذي وقع عليه وهل لديه يد فيما وقع عليه من ظلم؟ ليقرر بعدها خيارات المقاومة

7- اكتساب مهارات أساليب المقاومة السلمية من القدرة على البيان بالكتابة أو الرسم أو التمثيل أو الخطابة وما الى ذلك…..

8- الدريب على الصبر وقوة التحمل فالنصر صبر ساعة

9- حق المقاومة بالطرق القانونية النافذة والسليمة بما يُسمَّى “دولة القانون” – هذه الدولة التي يقوم فيها نظامُ الحكم على قواعد دستورية مُلزِمَة، تنصُّ صراحةً على تساوي المواطنين أمام القانون، لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو اللغة أو العقيدة الدينية؛ وتُستمَدُّ القوانينُ التي تشرِّعها الدولة من هذه المبادئ، بحيث يتساوى الجميع في الخضوع لهذه القوانين، ولا يستطيع الأقوياء خَرْقَها. وبذلك يستقر النظام العام، وتزول الفوضى، ولا يعاني أحد من ظلم القانون أو يخشى من فساد تطبيقه

10- ماهية الحق في التقاضي : العدالة فضيلة شرعها الله لعباده دون تمييز بين أبيض وأسود, رجل وامرأة, مسلم وغير مسلم. ولتحقيق العدالة لابد من توفير حق التقاضي فهو حق المواطن على الدولة فلابد من تأمين الطريق لهذه الحقوق (مالية أو معنوية للرجال والنساء والفقراء والأغنياء على حد سواء ) عندما يعتدي علي حقوقهم أو تنتهك حرماتهم, فلابد أن يلجؤوا إلي ساحة القضاء ولابد للقضاء أن يكون عادلا ناجزا حتى يصل صاحب الحق إلي حقه, ويصون به حريته من أقصر طريق, وفي أسرع وقت, وبأقل التكاليف فهو السبيل لحماية الحقوق والحريات وإن كفالة الحق في التقاضي يستلزم :

الأول : يركز علي كفالة محاكمة عادلة يصل الاطراف في نهايتها الي حل منصف.

الثاني : يعني بتوفير السبل للوصول إلي ساحة القضاء, دون أن يعترض ذلك الوصول أية عوائق مادية قانونية.

11 – الاستفادة من الوسائل العصرية (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها )

مقاومة الظلم والظالمين

جاء الإسلام ليحقق العدل وأشار القرآن إلى أن الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالعدل قال تعالى: \”لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ\” [الحديد : 25].

فحرم الإسلام الظلم وتوعد الظالمين بالخسران في الدنيا والآخرة ، أخرج الإمام مسلم عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا ». وأخرج الإمام البخاري من حديث عبدالله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ».

تعريف الظلم : الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه هكذا جاء في لسان العرب. وشرعا: مجاوزة الحد ووضع الشيء في غير موضعه هكذا جاء في كتاب المجموع للإمام النووي، والغرر البهية في شرح البهجة الوردية للشيخ زكريا الأنصاري.

أنواع الظلم : عن انس رضي الله عنه أن النبي قال \” الظلم ثلاثة ، فظلم لا يتركه الله ، وظلم يُغفر ، وظلم لا يُغفر ، فأما الظلم الذي لا يُغفر فالشرك لا يغفره الله ، وأما الظلم الذي يُغفر ، فظلم العبد فيما بينه وبين ربه ، وأما الظلم الذي لا يُترك فظلم العباد يقتص الله بعضهم من بعض. رواه ابو داود الطيالسي ، وحسنه الألباني في الصحيحة .

ومن صور الظلم : كل عدوان سواء كان باللسان أو باليد أو بسوء الظن يدخل في معنى الظلم فأي عدوان على الدم المعصوم أو المال أو العرض يدخل في مسمى الظلم ويكون المعتدي من الظالمين الذين توعدهم الله بالعذاب وعدم الهداية

ومن صور الظلم على سبيل المثال ما يلي:

.– أعظم الظلم : الإشراك بالله قال تعالى على لسان لقمان وهو يعظ ابنه : \”وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ\” [لقمان : 13].

2- الصد عن سبيل الله وتعطيل المساجد قال تعالى: \”وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ\” [البقرة : 114].

3- استباحة الدم المعصوم الدم كله حرام وأشده حرمة دم المسلم ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعض

كم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره التقوى هاهنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه». وفي سنن ابن ماجه عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ: «مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ، وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا»

4- استباحة المال كما حرم الإسلام الدماء حرم الأموال قال تعالى: \”وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ\” [البقرة : 188] فأخذ مال الغير بالسرقة أو بالطرق غير الشرعية كالغصب هو من الظلم ويؤكد هذا المعنى ما جاء في صحيح ابن حبان عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ\”، قَالَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ من مال المسلم على المسلم».

5- استباحة العرض فقد توعد الله من يحب إشاعة الفاحشة في المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة فكيف بمن يأتي الفعل نفسه ويهتك الأعراض ويستبيحها فكل ذلك بلا شك من أعظم الظلم قال تعالى: \”إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ\” [النور : 19]، وفي حديث مسلم السابق ذكره «كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه».

6- إساءة الظن قال تعالى: \”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ\” [الحجرات : 12]. وفي سنن ابن ماجه عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ: «مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ، وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا».

7- مطل الغني وتأخير سداد الدين بدون عذر أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ».

8- ويدخل فى دائرة الظلم الإمعة السلبى .عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: \”لا تكونوا إمَّعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساء فلا تظلموا\”. رواه الترمذي عاقبة الظلم الظلم عاقبته وخيمة : أخرج البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ».

لا تظلمن إذا كنت مقتدرا فالظلم ترجع عقباه إلى الندم تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعوا عليك وعين الله لم تنم

أخبرت السنة المطهرة أن من الصحابة من ظُلِمَ ودعا على ظالمه وقد استجاب الله له وانتقم من ظالمه فنختم بقصة سيدنا سعيد بن عامر مع أروى بنت أويس فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه أن أروى بنت أويس، ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئا من أرضها، فخاصمته إلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئا بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «من أخذ شبرا من الأرض ظلما، طوقه إلى سبع أرضين»، فقال له مروان: لا أسألك بينة بعد هذا، فقال: «اللهم، إن كانت كاذبة فعم بصرها، واقتلها في أرضها»، قال: «فما ماتت حتى ذهب بصرها، ثم بينا هي تمشي في أرضها، إذ وقعت في حفرة فماتت».

نكرر ونؤكد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه» أخرجه مسلم. وعن جابر رضي الله عنه قال: لما رجعت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مهاجرة البحر، قال: إلا تحدثوني بأعجب ما رأيتم بأرض الحبشة\” قال فتية منهم: بلي يا رسول الله، بينا نحن جلوس، مرت بنا عجوز من عجائز رَهَابينهم تحمل علي رأسها قلة من ماء فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم رفعها فخرت علي ركبتيها فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت، التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غُدرْ إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم أمري وأمرك عنده غدا، قال: يقول رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: \”صدقت صدقت كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم\”.. رواه ابن ماجة (4010) وصححه الألباني.

أفلس الناس يوم القيامة هو الظالم : في رواية لمسلم عن أبى هريرة: أن رسول الله قال: أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار\”.

الظالم محروم من شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-:

عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله \”صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي، إمام ظلوم غَشُوم، وكل غال مارق\”. رواه ابن أبي عاصم في السنة ، وصححه الألباني. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: \”ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه إلا العدلٍ \” رواه أحمد

مصارع الظالمين:

اقتضت سنة الله تعالى في خلقه , هلاك الظالمين , ومحق المعتدين , وقطع دابر المفسدين , سواء أكان الظالم فردا أم أمة من الأمم . قال تعالى : { فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [العنكبوت : 40 ] وقال تعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } [الفجر : 6 :14 ]

ترك الظالم وعدم مقاومته يوجب العقاب: عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ )(المائدة: من الآية105) وإني سمعت رسول الله يقول: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا علي يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده\” رواه أبو داود والترمذي وهو حديث صحيح.

دورنا في مقاومة الظلم والظالمين : –

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: من رأي منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان\”. رواه مسلم ، والترمذي .

القيام بواجب النصيحة :

عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» مسلم . كلمة حق عند سلطان جائر : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: \”أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر أو أمير جائر \” رواه أبو داود والترمذي وجوب نصرة المظلوم : عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: \”المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره, التقوى هاهنا)ثلاثا)ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم علي المسلم حرام، دم وعرضه وماله\” رواه مسلم . وفي الحديث ( عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» [ص:129]، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: «تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ» البخاري . لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق :

خواطر:

الساكتون عن الظلم

المتفرجون الساكتون عن ظلم الظالم عملًا بمبدأ “لا شأن لنا طالما كان بعيدًا عنا”، لا يعلمون أن آلية الظلم والظالمين تعمل على أساس أن الجميع مستهدفون، لذلك يخطئ من يظن أن الظلم الواقع على غيره لن يصل إليه، ذلك أن الظالم لا حياة له إلا بتعميم ظلمه بل إنه ما أن يفرغ من إيقاع الظلم على الآخرين لا بد أن يطال بظلمه من أعانه عليه سواء بالسكوت والرضا وغض الطرف أو بالعمل والقول، ذلك أن سنة الله في الكون أن من أعان ظالمًا سلطه الله عليه.

بل إن الظلم لا محالة لا بد أن يطال الظالم نفسه وتلك حقيقة وأمر واقع لا فكاك منه يؤكده قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَٰؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} الزمر 51، وكذلك قال تعالى: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} النحل 34.

ولقد حرم الله تعالى الركون إلى الظالمين، وكذلك حرم الدفاع عنهم فقال في كتابه العزيز {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ} القصص 17.

إن الظلم عواقبه وخيمة سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الدول، فيعم الخوف وينعدم الأمن بل ويصبح الظالم نفسه أشد خوفًا، كما يعم الضنك وضيق المعايش فلا تقوم للدول وللشعوب قائمة، فكم من أمم لم تقم لها قائمة بسبب الظلم وركونها إلى الظالمين وقديمًا قالوا إن الله يقيم دولة العدل ولو كانت كافرة ولا يقيم دولة الظلم ولو كانت مسلمة.

 ما أكثر الظالمين المستبدين الذين ثارت عليهم الشعوب وعلى أعوانهم ولو بعد حين فتحولت ديارهم إلى خرابات.

ولأن الظلم والبغي إفساد في الأرض لذلك قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} يونس 81.

لذلك فإنه كما لا يمكن الوصول إلى نتائج سليمة باستخدام أدوات فاسدة فإنه لا يمكن أن يتحقق استقرار للشعوب بالظلم والبطش والطغيان، ولا يمكن أن يتحقق نماء وازدهار وعمران إذا اختلت موازين العدل وعم الفساد وتصدر المفسدون.

في واقعنا الذي نعيشه في بلادنا لا تدرك السلطة أن الرفاه والاستقرار والنهضة لا يتحقق منها شيء عبر اعتماد الظلم منهجًا واتخاذ البطش والعصف بالحقوق والحريات أدوات في حكم الشعوب.

إن الظلم كالسرطان الذي ينتشر في الجسد وقد لا يدرك المرء وجوده إلا بعد أن يبلغ مبلغًا لا نجاة فيه من هلاك محقق، فالظلم مهلكة للأفراد كما للدول يقول الله تعالى {وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا} الكهف 59.

وحينما يحل الموعد لا يتأخر إطلاقًا {فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ… فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ} إبراهيم 44 -47

وما أكثر الظالمين المستبدين الذين ثارت عليهم الشعوب وعلى أعوانهم ولو بعد حين، فتحولت ديارهم إلى خرابات وأثرًا بعد عين قال الله تعالى {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ} النمل 52، وقال تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} الأنبياء 11.

أما الحال في الآخرة فهو العذاب والخزي وقد قال الله تعالى {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ} سبأ 31-32.

حشد المجتمع لسائر قواه الفاعلة والاصطفاف الرشيد وترك مقاعد المتفرجين ومغادرة منازل الساكتين أمر لا مناص منه لمقاومة الظلم.

كثيرًا ما نتكلم عن الظالمين والطغاة والمستبدين ولا نتكلم عن هؤلاء المتفرجين الساكتين رغم أن الظالم لم يكن ليتمادى في ظلمه وطغيانه إلا بسبب هؤلاء المتفرجين الساكتين، لقد درج الأمر على أن يتجه الغضب واللوم إلى الظالم والمستبد دون أن نتعرض لهؤلاء الذين تقوى الظالم والمستبد بسكوتهم وتشرذمهم.

إن استمرار الظلم ونظم الاستبداد مرهون باستمرار الوهن وفقدان المجتمع لعافيته في المقاومة والبقاء في مواقع المتفرجين، لذلك تسعى نظم الاستبداد والطغيان إلى تفريغ وتصفية طاقات المقاومة لدى المجتمعات، والاستقواء عليها وقهرها عبر أساليب القمع المختلفة التي جعلت مقاومة الظلم والاستبداد أمرًا مكلفًا للغاية ويفوق قدرة احتمال الكثيرين، لتضيق الخيارات لدي الشعوب بين استبداد صارم واستبداد لين واستبداد عاقل واستبداد عادل وما هذا أو ذاك إلا كالمستجير من الرمضاء بالنار.

المتفرجون الساكتون عن الظلم والمستسلمون له ذمهم الله في كتابه وتوعدهم بالخذلان فقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}.

إن حشد المجتمع لسائر قواه الفاعلة والاصطفاف الرشيد وترك مقاعد المتفرجين ومغادرة منازل الساكتين أمر لا مناص منه لمقاومة الظلم ووقف زحف الاستبداد والطغيان، ولا بد أن يكون الجميع على استعداد لدفع الثمن.

مقاومة الظلم والظالمين….عبادة

قد شق على نفسى أن أرى خيره شبابنا يضربون و يهانون و يموتون لمجرد مطالبتهم برفع الظلم و العدل و الكرامه . هذه المطالب نص عليها ديننا الحنيف و لم يخرج عن حدودها شبابنا الذى أعاد الأمل فى غد مشرق بإذن الله. هذه المقاله توضح ذلك و أتمنى أن يعيها الجميع, لأننى لا أنتمى لأى تيار سياسى و لكننى أتمنى لشبابنا غد أفضل و حياه كريمه.

 مقاومه الظلم و الظالمين عباده

الحمد لله رب العالمين، وصلاةً وسلاماً على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين……… وبعد :

     إن الله عز وجل تعبدنا بعبادات كثيرة ، غير الصلاة والصيام والزكاة والحج ، منها عبادة مقاومة الظلم والظالمين ، وهذه العبادة ليس لها ركوع أو سجود ، وليست لها أوقات مُحددة ، ولا طهارة مُلزمة ، ويقوم بها المسلم على كل حاله ، بنفسه ، أو مع أسرته ، أو مع إخوانه ومجتمعه ، في محل إقامته ، أو في جزء من وطنه وأمته ، بالقدر الذي يسعه ، على هدى من كتاب الله وسنة نبيه ، لايدخر في نفسه جهداً ، ويبذل من نفسه وماله وطاقته ما يقاوم به الظلم والظالمين ، عبادةً لله ، وسيراً على هدى رسول الله ، نٌصرةً للدعوة ، ورفعةً للدولة ، وسيادةً للأمة وذلك حتى لا يتكرر الظلمُ بيننا فينتشر ، ولا يكثر عدد الظالمين فينا فينزل العذاب .

إن الله عز وجل أمرنا بالعدل … قال تعالى: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وإيتاء ذِي الْقُرْبَىَ وَيَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ) [سورة: النحل – الآية: 90] ونهانا الله عز وجل عن الظلم وحرمه سبحانه تعالى على نفسه …. قال تعالى: (قُلْ إِنّمَا حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ ) [سورة: لأعراف – الآية: 33]، وقال تعالى: ( وَمَا رَبّكَ بِظَلاّمٍ لّلْعَبِيدِ) [سورة: فصلت – الآية: 46] وقال تعالى: (إِنّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرّةٍ ً) [سورة: النساء – الآية: 40].

          وروى مسلمٌ عن أبى ذر الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا ….. ) وهذا لأن الظلم سببٌ لهلاك الأمم، والله يقول:(وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُواْ وجاءتهُم رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ ) [سورة: يونس – الآية: 13] , والظلم سببٌ للحرمان من الهداية والفلاح ….. يقول تعالى : (ِ إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الظّالِمُونَ) [سورة: الأنعام – الآية: 21] ,والظلم ظلمات يوم القيامة …. عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ) رواه مسلم .

ونهانا الله عز وجل عن ترويع المسلمين ، وجعله الشرع جنايةً تستوجب العقاب, والنفس تحمل في جنباتها دواعي للظلم والتعدي على الغير بغير حق ، حقداً وحسداً ، أو تكبُراً واستعلاءً ، أو اقتداءً منها بالظالمين ، أو اتباعاً لوساوس الشياطين …  قال تعالى: (وَلاَ تَرْكَنُوَاْ إِلَى الّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسّكُمُ النّارُ……………..َ) [سورة: هود – الأية: 113] , وينتقم الله ممن ساند الظالم , حتى من قدم له قلما ليكتب به , ولله عز وجل بشأن الظالمين سنن …. منها سنة الإمهال قال تعالى: ( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنّ كَيْدِي مَتِينٌ) [سورة: القلم – الأية:44 / 45] .

إن الذى يظلم يتجرد من إنسانيته ، ويخضع لشيطانه ، ويركع لهواه ونفسه الأمارة ، والله يمهله ولا يهمله ويتركه لاستنفاذ كل ما لديه من ظلم ،و لن يفعل شيئا لم يأذن به الله , والله تعالى أعطى المظلوم ضمانات ، وأقسم له عليها ، وفى الحديث ( ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويقول وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين ), وفى حديث ابن عباس رضي الله عنهما في وصية رسول الله لمعاذ بن جبل حيث بعثه إلى اليمن قال له ( واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ) رواه البخاري , والله تعالى أباح للمظلوم أن يدعو على ظالمه …………. قال تعالى: (لاّ يُحِبّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً) [سورة: النساء – الأية: 148] , ويؤخر الله عز وجل الانتصار للمظلوم ليستنفذ كل ماعنده من مقاومة الظالم حتى يصل إلى درجة (ِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) [سورة: النساء – الأية: 98] فيظل المظلوم يقاوم ظالمه ، ويثبت على ذلك ، ولا يستسلم ، ولا يخضع ولا يركع ، ويعطى القدوة من نفسه لغيره وله على غيره حق النُصرة ، ويعلن مظلمته بين الناس ويُنفر من الظلم ، ويدعو لرفضه ،  ومقاومته ، وحصاره ، وانكساره .

 إن الظالم لا يقدر على فعل شيء إلا بإذن الله ، وإن الله ينصر المظلوم ولو بعد حين ، وفترة الإمهال بين المظلوم والظالم هي فترة اختبار لهما , إن القرآن الكريم عرض نماذج قاومت الظلم والظالمين ، ورفضت الباطل والمبطلين :

 رجل مؤمن من آل فرعون وقف لهم يقاومهم بالحجة والبرهان لما أقدم فرعون على قتل موسى عليه السلام قال تعالى: (وَقَالَ رَجُلٌ مّؤْمِنٌ مّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّيَ اللّهُ………………….) [سورة: غافر – الأية: 28].

  ووقف مؤمن آل ياسين يعلن إيمانه ويقومهم بالحجة والبرهان قال تعالى: (وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىَ قَالَ يَقَوْمِ اتّبِعُواْ الْمُرْسَلِينَ) [سورة: يس – الأية: 20] .

 وقارون وقد ادعى ظُلماً أن ماعنده من علمه ، وقف أهل العلم يقاومونه في ذلك  قال تعالى: (….. إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْفَرِحِينَ) [سورة: القصص – الأية: 76] .

  وفى السيرة النبوية نماذجٌ لمقاومة الظالمين:

  جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جاره قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اطرح متاعك على الطريق فطرحه ، فجعل الناس يمرون علي جاره ويلعنونه ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله لقيت من الناس ، قال وما لقيت منهم ؟ قال يلعنوننى ، قال قد لعنك الله قبل الناس ، فقال إني لا أعود ، فجاء الذي شكاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ارفع متاعك فقد كفيت ) رواه الطبراني والبزار بإسناد حسن عن أبى جحيفة .

   وأبوبكر رضى الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاوم أهل الشرك ويدفعهم عنه ، والنبى محمد صلى الله عليه وسلم وقد أحاط به أهل الشرك – يقولون – أنت الذى تقول كذا وكذا -لما كان يعيب آلهتهم ودينهم فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم – نعم أنا الذى أقول ذلك – فقام رجل منهم وقد أخذ بمجمع رداء النبى صلى الله عليه وسلم – فقام أبوبكر رضى الله عنه وهو يبكى ويقول ( أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ………) ثم انصرفوا عنه ( ابن هشام ص173 طبعة دار التراث العربي .     

      إن منهج الإسلام يربى أتباعه على التمسك بحقوقهم دون التفريط فيها ، ومقاومة من يتعدى عليها بغير حق ، والإسلام يحمى الحريات بأنواعها وجعل الحرية فريضة ، وحرر الفرد من أي قيود تعوقه ، وأكرم الإنسان ، وسن لحقوقه تشريعات وعقوبات على من ظلم وبغى بغير حق ، وجعل الحرية أساس استقرار الفرد والأسرة ، والمجتمع والأمة ، وسبيل التفوق والنماء ، ومنع الإكراه في الدين قال تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تّبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ ……..) [سورة: البقرة – الآية: 256]. 

      إن تزييف إرادة الأمة في أي أمر من أمورها ، وتزييف أصواتها ، وإسناد الأمر لغير أهله فيها ، واعتقال خيار شبابها ، ومطاردة الدعاة والمصلحين فيها ، ومصادرة أموالها بغير حق ، وسن القوانين الجائرة لها ، واستعباد أهلها – وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً – لهو الظلم الواضح ، الذي يجب مقاومته بالوسائل المشروعة ، والمنابر المفتوحة ، وطرق القضاء الشامخ ، مع تذكير الظالمين بأيام الله ، وما أعده الله لهم إذا لم يتوبوا ويردوا الحقوق لأهلها ، ويصلحوا ما أفسدوه بين الناس ، وما نشروه من مظالم , والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ( من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرضه أو من شيء فليتحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم ……….) عن أبى هريرة رضي الله عنه أخرجه أحمد والبخاري .

       إن الله عز وجل لا يرضى لعباده أن يستسلموا أمام ظلم الظالمين ، واللذين يرضون بالذل والاستضعاف بغير عذر هم من الظالمين لأنفسهم  ويقول تعالى: (إِنّ الّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِيَ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً) [سورة: النساء – الأية: 97].

السكوت على الظالم .. شراكة في الظلم

يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا..

هذا أمر الله كما ورد في الحديث القدسي، وإن الظالم ليقصمن الله ظهره في الدنيا قبل الآخرة، هذا وعد الله حقاً لا مراء فيه، ومن استقرأ تاريخ الظلم رأى أبشع النهايات، وكلما زاد الظلم زادت العقوبة، فكيف إن اجتمع القتل مع الظلم كما شاهدنا ونشاهد في كثير من أقطار المسلمين اليوم.

وإن للظالم أدوات يستعين بها في ظلمه، فأول هذه الأدوات مستشاروه ومعاونوه، ثم أدواته التنفيذية كالجيوش وأجهزته الأمنية، وهناك من يروج له وينشر فضائله ويزين مساوئه كالإعلام، وهناك المؤسسة المشرعة لظلمه وهم شيوخ السلاطين وعلماؤهم وقضاتهم: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} [الأنعام:29]

ولكن أحد أخطر هذه الأدوات وأكبرها وأكثفها هي الشعوب والجماهير، نعم؛ فإنه قد يستخدمها في ظلمه، بل لولاها لما ظلم ولما استرسل في ظلمه ولما تمادى وطغى وتجبر؛ لأن الظالم إذا لم ير رادعا يردعه ويقف في وجهه زاد ظلمه وطغيانه، وعلا جبروته وسلطانه، وأخذ بغير حق، وسجن بغير حق، ونفى بغير حق، بل قتل بغير حق، حتى إنه سيتأله وسيعاقب كل من يخالفه، وربما كل من لا يحبه أيضاً.

ومن هنا حذر القرآن وكذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم من السكوت على الظالم، لأن السكوت هو معاونة من حيث ندري أو لا ندري، ولمّا ذم الله قوم فرعون قال في وصف حالهم مع فرعون: {فاستخف قومه فأطاعوه}، أي لولا أنهم قبلوا استخفافه لما قادهم إلى أن يعبدوه.

ولو استثنينا جميع النصوص التي تأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي تدخل في هذا الباب أيضاً لوجدنا كذلك الكثير من النصوص التي تحدثنا عن هذا الموضوع وأبعاده سواء في القرآن أم في السنة:

نجد في البداية تحذير الله عز وجل من معاونة الظالم والركون إليه: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون} [هود:113].

كما أكّد القرآن الكريم على أن الله لا يهدي الظالمين بل يزيدهم ضلالاً على ضلالهم: {يثبت الله الذين ءامنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} [إبراهيم:27].

وحذر الله عز وجل من العذاب الذي سيعم الجميع وليس فقط الظالمين: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} [الأنفال:25].

وبيّن كذلك أن الهلاك هو مصير الظالمين: {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين} [إبراهيم:13].

{وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعداً} [الكهف:59].

{وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود:102].

بينما استثنى من ذلك: {إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب منقلبون} [الشعراء:227].

وقوله تعالى: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} [الشورى:39].

يقول القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية” “أي ينتقمون ممن بغى عليهم ولا يستسلمون لظلم المعتدي”.

قال الشهيد سيد قطب رحمه الله: “والجماعة التي تسمح لفريق منها بالظلم في صورة من صوره -وأظلم الظلم نبذ شريعة الله ومنهجه للحياة- ولا تقف في وجه الظالمين، ولا تأخذ الطريق على المفسدين، جماعة تستحق أن تؤخذ بجريرة الظالمين المفسدين.. فالإسلام منهج تكافلي إيجابي لا يسمح أن يقعد القاعدون عن الظلم والفساد والمنكر يشيع (فضلا على أن يروا دين الله لا يتبع؛ بل أن يروا ألوهية الله تنكر وتقوم ألوهية العبيد مقامها!) وهم ساكتون، ثم هم بعد ذلك يرجون أن يخرجهم الله من الفتنة لأنهم هم في ذاتهم صالحون طيبون!”.

وتظاهرت الأحاديث الشريفة كذلك على وجوب الوقوف بوجه الظالمين والأخذ على أيديهم:

فعن ابن مَسْعُودٍ رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: “إِنَّ أَوَّلَ مَا دخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّه كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتَّق اللَّه وَدعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لا يَحِلُّ لك، ثُم يَلْقَاهُ مِن الْغَدِ وَهُو عَلَى حالِهِ، فلا يمْنَعُه ذلِك أَنْ يكُونَ أَكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وَقعِيدَهُ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّه قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمَّ قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَروا مِنْ بنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ داوُدَ وعِيسَى ابنِ مَرْيمِ ذلِك بما عَصَوْا وكَانوا يعْتَدُونَ، كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعلُون، تَرى كثِيراً مِنْهُمُ يَتَوَلَّوْنَ الَّذينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُم.. إلى قوله فَاسِقُون}، ثُمَّ قَالَ: كَلاَّ، وَاللَّه لَتَأْمُرُنَّ بالْمعْرُوفِ، وَلَتَنْهوُنَّ عَنِ الْمُنْكَر، ولَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، ولَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْراً، ولَتقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْراً، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّه بقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ” (رواه أبو داود، والترمذي).

وعَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَة رضي اللَّه عنها، عن النبي صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أنه قال: “إِنَّهُ يُسْتَعْملُ عَليْكُمْ أُمَراءُ فَتَعْرِفُونَ وتنُكِرُونَ فَمِنْ كَرِه فقَدْ بَرِىءَ وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ منْ رَضِيَ وَتَابَعَ” قالوا: يا رَسُولَ اللَّه أَلاَ نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: “لاَ، مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلاَةَ” (رواه مسلم).

وروى الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه انه قال: “يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: {يا أيها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا ظالماً فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم بعقاب منه”،

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودّع منهم” (رواه الحاكم).

إن الناظر في هذه النصوص وغيرها، يعلم علم اليقين أنه لا محالة من وجوب نهي الظالمين ومحاسبتهم، بغض النظر عن الطريقة التي سيتخذونها ما لم يكن فيها إثماً إو استباحةً للدماء أو الفساد في الأرض، واليوم نستطيع أن نرى من الوسائل خاصة الإعلامية ما تستطيع أن تقدم فيها الكثير في هذا الباب، وكذلك من الضروري أن يتغلغل الدعاة في مؤسسات الدولة وأن لا يسمحوا بقيام ما يسمى بالدولة العميقة في مؤسسات الدولة ومفاصلها، فإن هذه ستكون عقبة في طريق أي مشروع صالح يبغي إقامة العدل في الأرض، وهذه كلها مسؤولية التنظيمات والأحزاب فلعل الفرد إذا غيّب أن يغيب معه مشروعه.

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *