اخوان

د.عبد الرحمن البر يكتب: إلى المترددين والمتأخرين

كتب: أ. د. عبدالرحمن البر

 إِلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ

الْحَمْدُ للهِ، والصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ.

وَبَعْدُ؛ فقد ذكر ابن إسحاق أن الله تعالى ذَكَرَ تَبُوكَ (وكانت بعد الهجرة بتسع سنين) وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ تَثَاقُلِ الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا، وَمَا أَعْظَمُوا مِنْ غَزْوِ الرّومِ، حِينَ دَعَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى جِهَادِهِمْ، وَنِفَاقَ مَنْ نَافَقَ حين دُعُوا إلَى مَا دُعُوا إلَيْهِ مِنْ الْجِهَادِ، ثُمّ مَا نَعَى عَلَيْهِمْ مِنْ إحْدَاثِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَالَ تَعَالَى ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ? إلى قوله تعالى ?إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ?».

يَقُولُ اللَّهُ: فَأَنَا فَاعِلٌ ذَلِكَ بِهِ وَنَاصِرُهُ مِنَ الْأَعْدَاءِ بِدُونِكُمْ، كَمَا نَصَرْتُهُ إِذْ ذَاكَ ثَانِيَ اثْنَيْنِ. وذكَّرَهم بأنه نَصَرَهُ عَلَى عَدُوِّهِ وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالِ مِنَ الْخَوْفِ وَقِلَّةِ الْعَدَدِ، وَالْعَدُوُّ فِي كَثْرَةٍ، وقد وقَفُوا أمَامَ الغَارِ، وأَبو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يقول له (فيما أخرجه الشيخان): لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا».

لقد كانَ هذا العِتَابُ الإلَهِيُّ مُوَجَّهًا إلى المسلِمِين الَّذينَ تردَّدُوا وتبَاطؤُوا في الخُروجِ، تَأَثُّرًا بتَخْوِيفِ المنافِقين، أو تمَلْمُلًا من الشُّقَّةِ وشِدَّةِ الحرِّ وبُعْدِ السَّفَر، أو مَيْلًا إلى الرَّاحةِ والدَّعَةِ ولَيِّنِ العَيْشِ بعْدَ أن طَابَت الثِّمار، وجاء أوان الحصاد.

ولم يكن هذا العتابُ القرآنيُّ مُوجَّهًا إلى المنافقين الذين كَرِهَ اللهُ انبعاثَهم أصلًا؛ لأنَّهم لو خرجوا في الناسِ ما زادُوهم إلَّا فسادًا وضُرًّا، وسَعْيَا بالنميمة وتأجيجا للفتنة بين المجاهدين.

وسَيْرًا على هذا الهَدْيِ الحَكِيم والسَّنَنِ القويم؛ فإنَّنا لا نجد كبيرَ فائدةٍ من توجيهِ العِتاب لمحترفي الضلالةِ وأئمةِ النفاق، فهم ليسوا سوى فئةٍ من الأفَّاقين الَّتي تلحقُ بكل حاكم، وتُمالِئُ كلَّ ظالم، وشعارُهم (نحنُ عبيدُ مَنْ مَلَك)، وهي فئةٌ لا تذكرُ اللهَ إلا قليلا، ولا تُقَصِّرُ في منافقة الحاكمِ الظالمِ والإسراعِ في أهوائه، ولا تتردَّدُ في الكذبِ والاختلاقِ لإرضائه.

ولكنَّنا نوجِّه رسالتَنا إلى عموم شعبنا الحر الكريم بكل فئاته وأطيافه، وبخاصة إلى الفضلاء النبلاء من العلماء والشيوخ، وأساتذة الجامعات، والقضاة، والمثقفين، والإعلاميين، ورجال الأعمال الشرفاء، الذين لا يزالوان مترددين في الانضمام لثورة الأحرار، خوفا من ظلم الانقلابيين واستعظاما لقوتهم وبطشهم، أو تحسبا لعدم نجاح الثورة، والذين يتأخرون ويتباطؤون في إعلان نصرتهم للحق؛ انتظارا لتصدع الانقلاب وظهور أمارات الفتح والنصر للثورة والثوار, لهؤلاء نتوجه بهذا التذكير القرآني، ونقول لهم:

إنَّ نصرَ الحقِّ قد انعقد غَمَامُه، واقتربت أيامُه، والسعيدُ من ضربَ فيه بسهمٍ، وألقى بين دِلاءِ الثائرين بدَلْوٍ، وشارك الأحرار في ثورتهم، قبل أن يقول: يا ليتني كنتُ معهم فأفوزَ فوزا عظيما، فلا يغرنَّكم تَقَلُّبُ الظالمين الانقلابيين في البلاد، ولا يخدعنَّكم ما يُصوِّرُه المرجِفون من ضعفِ أنصار الحق والتنكيل بهم، فالحقُّ وأهله في تقدُّمٍ وتطورٍ وانتشار، والانقلابُ ورُعاته في تراجعٍ وانحسارٍ وانكسار، وستنتصر بإذن الله ثورتُنا بسلميَّتها المبدعةِ على عنف الانقلاب ودمويَّته، وستقهر كلمةُ الحقِّ الحرَّةُ رصاصَ الباطلِ الانقلابي الدامي ?كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ?.

ولهؤلاء المتردِّدين والمتأخِّرين أسوق قصةَ أحد الذين تأخروا، لكنه لما أراد الله به خيرا ساقه للحق فتقدَّم مع المتقدمين، إنه عَدِيُّ بنُ حَاتِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وهو الذي حكى لنا ذلك، فيما أخرجه أحمد وصححه ابن حبان والحاكم فقالَ: لَمَّا بَعَثَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَرْتُ مِنْهُ، حَتَّى كُنْتُ فِي أَقْصَى أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّا يَلِي الرُّومَ، قَالَ: فَكَرِهْتُ مَكَانِي الَّذِي أَنَا فِيهِ، حَتَّى كُنْتُ لَهُ أَشَدَّ كَرَاهِيَةً لَهُ مِنِّي مِنْ حَيْثُ جِئْتُ (يعني أَبَت عليه عُروبَتُه ومروءتهُ أن يكون كُرْهُه للعربيِّ سببا في الركون إلى الروم). 

قَالَ: قُلْتُ: لَآتِيَنَّ هَذَا الرَّجُلَ، فَوَاللهِ لَئِنْ كَانَ صَادِقًا، فَلَأَسْمَعَنَّ مِنْهُ، وَلَئِنْ كَانَ كَاذِبًا، مَا هُوَ بِضَائِرِي. فذكر مجيئه وحواره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قَالَ له: «إِنِّي قَدْ أَرَى أَنَّ مِمَّا يَمْنَعُكَ (من الإسلام) خَصَاصَةٌ  تَرَاهَا بِمَنْ حَوْلِي( أي فقر وحاجة تراها في أصحابي)، وَأَنَّ النَّاسَ عَلَيْنَا أَلْبٌ وَاحِدٌ (أي مجتمعون على عداوتنا).

هَلْ تَعْلَمُ مَكَانَ الْحِيرَةِ؟». قُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ بِهَا، وَلَمْ آتِهَا. قَالَ: «لَتُوشِكَنَّ الظَّعِينَةُ (أي المرأة) أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا بِغَيْرِ جِوَارٍ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ.

وَلَتُوشِكَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ أَنْ تُفْتَحَ». قُلْتُ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ قَالَ: «كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

«وَلَيُوشِكَنَّ أَنْ يَبْتَغِيَ مَنْ يَقْبَلُ مَالَهُ مِنْهُ صَدَقَةً، فَلَا يَجِدُ» (يعني يفتح الله الدنيا على الأمة حتى لا يجد صاحب المال من يقبل منه الصدقة).

قَالَ عَدِيٌّ: «فَلَقَدْ رَأَيْتُ ثِنْتَيْنِ: قَدْ رَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَخْرُجُ مِنَ الْحِيرَةِ بِغَيْرِ جِوَارٍ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، وَكُنْتُ فِي الْخَيْلِ الَّتِي أَغَارَتْ عَلَى الْمَدَائِنِ (عاصمة ملك كسرى). وَايْمُ اللهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ، إِنَّهُ لَحَدِيثُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنِيهِ».

إنه اليقينُ بما أخبرَ به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذي أخبرنا بأن الحقَّ سينتصرُ لا محالةَ مهما فعل أعداؤه، في موعدٍ حدَّده اللهُ لا يتقدَّم عنه بحرص حريص، ولا يتأخَّرُ عنه بكُرْهِ كاره، والمهمُّ أن يكون أصحابُ الحقِّ مستمسكين به، صابرين عليه، معتزين به، ساعين في نصرته، ويقينُهم ?إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ?.

فإذا سئلوا عن الشدائد التي يلاقونها كان جوابهم ?قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ?.

وإذا جوبهوا باجتماع الشرق والغرب مع الانقلاب الباطل علا صوتهم ?أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ?.

وإذا تحدث المنافقون عن استضعافهم وابتلائهم دوَّى فيهم صوتُ الحق ?وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ?.

وإذا ووجهوا بتخلِّي الناس عن نصرة الحق ردَّدوا بكل ثقة ويقين ?إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ?، ?وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ?.

نسأل الله تعالى أن ينصر الحق، ويعلي كلمته، وينصر أولياءه، ويذل أعداءه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.