كاريكاتير نافذة دمياط
السيسي اللي سرق مصر

ثورة التقسيط.. على مَن ولمصلحة مَن؟

مصباح قطب

بدأت بشائر النهج الأمريكى فى الماركتنج، ذلك النهج الذى يحاصر المستهلك من كل الزوايا ولا يترك له ولو ثقب إبرة للتملص. أعلنت «أمازون» عن أسبوع السعادة، وبتخفيضات تصل إلى 60%، وفى التفاصيل تشاهد خصومات إضافية وممتدة، أى بعد الأسبوع، لحاملى بطاقات الائتمان، فإلى أين يقودنا استهلاكيًا هذا المسار؟

لم تكن مصادفة أن تدخل «أمازون» مصر بشكل مباشر، بعد أن صدرت لائحة قانون تنظيم التمويل الاستهلاكى، وبدأت تظهر آثار ذلك، متمثلة فى ظهور 23 شركة سجلت نفسها لممارسة نشاط تمويل الاستهلاك، وبواقع نحو 110 آلاف عميل شهريًا. الشركات الأمريكية الكبرى كـ«أمازون» ومثيلاتها فى العالم تعتمد بشكل واسع على العروض والتقسيط لزيادة أعمالها، وهى لا تَنِى تُلهب ظهور المستهلكين وتُخايِلهم كل دقيقة وليس كل يوم، بالعروض وبأشكال من طرق الدفع المؤجَّل أو اللاحق. منطق الأمور يقول إنه يتعين على صناع القرار النقدى من الآن إقامة مرصد لمتابعة تطور ديون المستهلكين (القروض الشخصية+ ديون بطاقات الائتمان) حتى لا تحدث كوارث اجتماعية.

فى الولايات المتحدة تتم مراقبة الحالة أولًا بأول، وسلعة بسلعة، وفئة عمرية بأخرى، وعلى مستوى كل ولاية على حدة، ومقارنة التعثر والديون بسنوات سابقة، ومع ذلك هناك ضغوط رهيبة على الأفراد نتيجة انفجار مديونيات المستهلكين (شراء سلع+ تمويل عقارى. أقساط تأمين صحى. متأخرات ضرائب. قروض طلبة… إلخ). تأتى الخشية فى بلادنا حين نلاحظ- فى تقرير البنك المركزى عن الائتمان للعام المالى المنتهى 30 يونيو 2020- أن القطاع العائلى زادت قروضه بواقع 28%، وشكّلت نحو 21% من إجمالى الائتمان المقدم من الجهاز المصرفى، بينما زاد ائتمان القطاع الخاص، لكنه شكّل فقط 16% من إجمالى الائتمان، أى أن القروض التى تذهب للاستهلاك تزيد كثيرًا على تلك التى تذهب للقطاع الخاص من أجل الإنتاج والتوسع، مع الأخذ فى الاعتبار أن الحكومة استأثرت بنحو 66% من الائتمان، لكن معظمه كما نعرف يذهب لأغراض غير إنتاجية.

يتعين أيضًا أن يراقب المرصد المقترح المدينين فى أولى خطوات الدَّيْن، أى التوقف عن السداد، ثم عند تحويلهم إلى الشؤون القانونية وإدارات الدَّيْن، ثم عند إعلان إفلاسهم، وإنتاج تقارير دورية عن كل ذلك. لقد تطورت الابتكارات المالية بمعدل مثير، وكل الشركات الناشئة فى مصر تقريبًا تعمل فى المجال المالى أو التسويقى، وأصبح ممكنًا أن تشترى الآن وتدفع لاحقًا من غير أن تذهب إلى البنك أو تكون لديك بطاقة ائتمان، حيث تتم خدمة التمويل فى نقطة البيع ذاتها، مع تخيير العميل لوسيلة دفع من تلك التى يقرها البنك المركزى.

وأضاف تطور خدمات التوصيل الانفجارى المزيد إلى شهوة الاستهلاك، وفى أمريكا مرة أخرى، فإن الفئة العمرية من 18 إلى 29 عامًا هى الأعلى حصولًا على الائتمان الاستهلاكى بأشكاله، وكما هو معروف فقد وصلت ديون الطلبة هناك إلى نحو 1.6 تريليون دولار، وكان 72% منهم عاجزين عن السداد فى 2020، وتلك المشكلة كانت من بين أبرز البنود فى برنامج بيرنى ساندرز اليسارى حين دخل سباق الانتخابات الرئاسية فى الحزب الديمقراطى قبل أن يتخلى لـ«بايدن».

مؤكد فإن أولى الأمر هنا لن يسعدهم أن يوجد يسار وأن يتاجر بمعاناة الجماهير المستهلكة المدينة، ولذا عليهم واجب التيقظ. إن أحد أبرز عيوب الاستهلاك بالدَّيْن أيضًا أنه يؤجِّج حمّى شراء سلع معظمها غير مصرية، أى أنه يدعم الدول المُورِّدة أكثر مما يُنشط السوق المحلية، ولاحظ بعض المراقبين أن الدول بدأت تميل إلى تشجيعه على اعتبار أنه يخفف عنها الحاجة إلى ضخ أموال عامة لتنشيط الأسواق وقت تباطؤ الطلب. يجىء حفز الاستهلاك عبر البطاقات والتقسيط المبتكر، كذلك، فى وقت تراجعت فيه بعنف ثقافة الحذر فى مصر، والتى كانت تضع أولويات صارمة للإنفاق، وترتب فى الدواليب أظرفًا بقيمة الإيجار والغاز والمياه والكهرباء والتليفون، فور تسلم المرتب، قبل أى إنفاق آخر.

الآن جرف الاندفاع الاستهلاكى حتى جانبًا من أسر مَن يطلق عليهن الغارمات، إذ تبين أن حالات كثيرة تورطت فى الدَّيْن لأنها أرادت تجهيز بناتها بـ«تلات أوض كاملة زى فلانة وعلانة».

التقسيط يزدهر فى ظل توسع آخر فى تقديم التمويل الصغير والمتناهى عبر قنوات مختلفة، وقد يكون مفيدًا أن يقترض الناس لإقامة مشروع صغير مدروس، أو تأثيث عيادة طبيب أسنان، أو إقامة أصل يدر دخلًا، أو حتى إصلاح شقة، لكن الاقتراض الواسع دون تحسُّب لكيفية السداد لاحقًا.. خطر شامل، خاصة أنه ليس سرًا أن العائد على بطاقة الائتمان أو القرض المتناهى هو عادة نحو 36% وهو نوع عالى المخاطر والتكلفة.

وهناك نحو أربعين نوعًا من الرسوم على الخدمات البنكية المقدمة للأفراد وما يسمى الشروط والأحكام الخاصة ببطاقات الائتمان تزيد على 25 صفحة، أى تصعب قراءتها وهضمها. إنه لأمر مطمئن أن يُلزم «المركزى» البنوك بإعلان أسعار خدماتها، وأن تقوم هيئة الرقابة المالية بذلك، لكن عمومًا لاتزال مسألة حساب التكاليف الكلية لأى ائتمان مستهلكين أو تمويل صغير غير منضبطة فى مصر، رغم النص عليها فى الكتب الدورية واللوائح.

الناس على دين ملوكهم، وهناك 90 دولة طلبت قروض طوارئ من صندوق النقد الدولى فى 2020، ومصر من بين الدول التى حصلت على مثل هذا التمويل. الدولة، مركزيًا ومحليًا، يجب أن تكون قدوة فى وضع كل قرش فى محله، وإلا فستنتقل العدوى إلى الأفراد، أو هى قد انتقلت بالفعل.

الدَّيْن همٌّ بالليل وكابوس بالنهار، لكن من غير ديون وائتمان لا تتحرك الحياة، ومن هنا تأتى أهمية التوازن بين أنواع وأحجام وأشكال الديون وتشجيع الادخار وزيادة الإنتاج والإنتاجية.

الشمول المالى يجب أن يخدم التنمية ورفاه الأفراد والأسر قبل أن يفيد المؤسسات المالية والتجارية. انتبهوا.

منقول