الرئيسية / أخبار عاجلة / يا عبد الله.. لا ظلم اليوم
اسامة جاويش

يا عبد الله.. لا ظلم اليوم

قدرنا أن نحيا في زمن الهزائم والانكسارات على يد حفنة من الظالمين

نشر الدكتور علاء اللقطة رسماً كاريكاتورياً للرئيس الراحل محمد مرسي وهو يحتضِن ولده الراحل عبدالله في السماء، وكتب عليها تعليقاً بالآية الكريمة “{اليومِ تُجزى كلُّ نفسٍ بما كسبتْ لا ظلمَ اليوم}”. والحقيقة أنَّ هذه هي الحقيقة الوحيدة القادرة على تخْفيف حِدَّة القهر والعجز والألم الذي اعتصر الملايين من المظلومين بعد خبر وفاة نجل الرئيس الأصغر؛ الشاب الذي لم يتجاوزِ الرابعة والعشرين من عمره، عبدالله محمد مرسي.

الحقيقة الخالدة أنَّ هناك يوم معلوم تُرَدُُّ فيه المظالم، سيأتي فيه عبدالله مرسي إلى جوار أبيه الرئيس الراحل ليشكو إلى الملك العادل الذي لا يُظلم عنده أحد ما فعله السيسي وزبانيته به وبوطنه وبأسرته الصغيرة، في هذا اليوم فقط سيأتي القِصاص وتُحقَّقُ العدالة ويشفِ الله صدور قوم مؤمنين.

أين الحكمة يا من لا تسأل عن حكمتك؟

هذا السؤال دار في ذهني وقرأته على حسابات كثيرة فور سماعي لخبر وفاة عبدالله مرسي، فقد بلغتِ القلوب الحناجر وزُلزل معسكر الثورة زلزالاً كبيراً فقد قتلوا الرئيس حبساً وإهمالاً طبياً وتآمراً مُنذ أقَلِّ من ثلاثة أشهر، ولم تخرج له جنازة ولم يُشيِّعه أنصاره، وها نحن على موعد مع فُقدان آخر وظُلمٍ جديد برحيل الابن الأصغر دون جنازة أيضاً ودون معرفة السبب الحقيقي للوفاة.

عبدالله مرسي كان يُخطط للزواج قريباً، وكان هو السَّند الاخير لوالدته الأبيَّة الصامدة وكان هو المُعين لزوجة أخيه المُعتقل أسامة مرسي فكان يصطحبها وطفلها الصغير لجلسات المحاكمة لرؤية شقيقه ثمَّ كان كالأسد الجسور بعد وفاة أبيه الرئيس، فكانت مُداخلاته وتصريحاته وكلماته على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي مبعثاً للأمل والثبات على ما عاهد عليه أباه.

طفل صغير عايش فترات اعتقال والده القيادي في جماعة “الإخوان المسلمين” وقامت “ثورة يناير” ولم يتجاوز السادسة عشرة من عمره عاش معها حُلم الثورة وآمن بحلم الوطن ولم يُرد أكثر من ذلك، ولكنَّ الله قدَّر لوالده أن يخُوض غمار انتخابات الرئاسة ويُصبح أول رئيس مدنيٍّ منتخب في تاريخ البلاد وعندها تحوَّلت حياة عبدالله وأشقائه ووالدته إلى جحيم.

اتَّهموا والده الرئيس بكل نقيصة وأطلقوا الإشاعات المُغرضة تتَّهِم أخويه الكبيرين باستغلال منصب والدهما الرئيس للحصول على وظائف مرموقة ثمَّ وجَّهوا سِهام كذِبهم إلى والدته المحترمة فتحدَّثوا زوراً عن أصناف من المأكولات تُكلِّف ملايين، وهي السيدة المتواضعة التي لم تغادر بيتها أبداً إلى القصر الرئاسي. ثمَّ عايش الشاب الصغير انقلاباً عسكرياً على والده الرئيس وإخفائه قسراً ثم حرمانه من زيارته ورؤيته طِيلة الأعوام الست الماضية.

ولم يكتفوا بهذا فتعرَّض عبدالله نفسه للاعتقال بتُهميةٍ دنيئةٍ، قالوا كذباً إنَّه يتعاطى المخدرات في محاولة لتشويه صورة أسرة الرئيس ثمَّ اعتقلوا شقيقه الأكبر أسامة وانتهى بهم المَطاف إلى قتل أبيه الرئيس عبْر إهمالهم الطبي، ليَخرج بعدها بساعات عبدالله محمد مرسي شامخاً متحدثاً بقوة وكأنَّ أزمات الماضي وآلام السنوات المنصرمة ونيران الانقلاب العسكري قد أنضجته كما تُنضج النار الحديد، ليقول كلمات خالدةٍ: “إنَّ لآل مرسي خمسون من الرجال من بين أبناء وأشقاء وحَفدة، نفوسنا جميعاً تُزهق نفساً نفساً أو نعتقل أبد الدَّهر ولن نعطي أبداً الدنِيَّة ولن يرو منا إلا كلَّ البأس”.

أيُّ قلب هذا يا فتى الذي قالوا إنَّه توقف بسبب أزمة قلبية مفاجئة. وما أدراني أنَّهم لم يقتلوك وقد حققوا معك قبلها داخل مكتب النائب العام، أيُّ قلب هذا يا فتى الذي تحمَّل أن يضع أباه بيديه داخل القبر ثم خرج يحدثنا أن سيبقى صادقاً لما عاهد عليه أباه الرئيس.

لو كُنَّا في بلد محترم ولو كان لدينا بقية من قانون واحترام لآدمية الإنسان لكان من الطبيعي تشريح جُثة عبدالله محمد مرسي للوقوف على حقيقة وفاته المفاجئة، ولكننا في زمن عسكر  لا يراقب وإن تعلَّق الأمر بمدني، فما بالك بمن انتمى لثورة يناير وكان أبوه أول رئيس مدني منتخب.

وفاة عبدالله أضافت هزيمة جديدة لهزائمنا وعمَّقت جِراح قلوبنا وزادت من آلام أرواحنا وبات لدينا خلِيط من المشاعر الغاضبة قليلاً والممزوجة بكثير من القهر والإحباط على مصائبنا المتتالية، التي لا نكاد نفيق من إحداها حتى تضربنا الأخرى بقوة ولكنَّ الحقيقة الوحيدة التي تُخفِّف من وطْأة الألم الشديد ومشاعر اليأس والإحباط هي حقيقة اليوم الذي لا ظلم فيه، هي حقيقة أنَّ هناك يوم سنمضي فيه إلى ديان يوم الدين وعندها ستَجتمع خصومتنا مع السيسي وجنوده.

ربما كانت الحكمة أنَّ الله يمهل للظالم حتى يتملَّكه الظلم فيأخذه أخذَ عزيزٍ مقتدر،ٍ وربما كانت الحكمة أنَّ هذه هي الدنيا وأنِّ قَدَرنا أن نحيا في زمن الهزائم والانكسارات على يد حَفنةٍ من الظالمين وربما لا هذا ولا ذاك وللَّه حكمة لا نعلمها ولن نعلمها إلا في اليوم الذي تتساوى فيه رؤوس الظالم والمظلوم.

لم أجد ختاماً لهذا المقال أفضل من كلمات شاب في نفس عمر عبدالله مرسي كتبها عبر حسابه على موقع “فيسبوك” مخاطباً المولى عز وجل.

وهذه كلمات الكاتب يوسف الدموكي:
“لا تُسأل..
يا معين ع الدرب!
قادر يا كريم..
تدينا سبب..
عبدك مغلوب..
مبقاش فيه قلب!
صابر لكن..
أضعف م الكرب!
مؤمن لكن..
كفران م الغُلب!
جندك لكن..
تعبوا من الحرب!
أمرك لكن..
فهّمنا يا رب!”

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *