وزارة الصحة المصرية وتسليع الخدمات الطبية

عقب 2013 أصبح الجهاز الإداري المصري وفي القلب منه الوزارات والأجهزة الخدمية على المحك، حيث اختلفت نظرة نظام الحكم الجديد لدور الدولة الخدمي، وأصبحت قاعدة (هتدفع يعني هتدفع) التي أعلن عنها قائد الانقلاب هي الحاكمة.

في ضوء ذلك وفيما يخص وزارة الصحة، فقد أصدرت (ماكينة التشريع) سلسلة من القوانين والقرارات التي سلبت ولاية وزارة الصحة على مهامها الرئيسية، بصدور قوانين التأمين الصحي الشامل، والشراء الموحد، والتدريب الإلزامي، وغيرها، والتي تهدف جميعها للربح وتعمل بالاستثمار مستفيدة بصلاحيات الدولة في احتكار تقديم الخدمة والحصول على مميزات الإعفاء.

يجعلنا ذلك أمام سؤال كبير، ماذا بقي لوزارة الصحة، وما حدود دورها الآن، وما الآليات التي تعمل بها في ظل تعدد الجهات ذات الولاية في المجال الصحي العام، وهل تحولت بالفعل لجهاز استثماري يسعي لجني الربح؟

الإجابة على هذا السؤال تتضمن شقين:

الشق الأول: يتعلق بما بقي من الوظيفة التقليدية للوزارة والتي استقرت لها طوال تاريخها.

ووردت الإجابة -بجلاء-  في تقرير الهيئة العامة للاستعلامات الناطق الرسمي باسم الدولة، والذي نشرته على موقعها في معرض الحديث عن قانون التأمين الصحي الشامل، حيث جاءت الإجابة مختصرة ومركزة (يتوقف دور وزارة الصحة عند خدمات الإسعاف والطب الوقائي بعد تنفيذ قانون التأمين الصحي الجديد)[1]

 تقرير هيئة الاستعلامات أتي معبراً كاشفاً لأبعد حد عن تصور النظام الانقلابي للدور (الوظيفي التقليدي) لوزارة الصحة، فبعد أن كانت مهيمنة على الشأن الصحي برمته طباً، ودواء، وتدريباً، لم يبق لها من الوظيفة التاريخية إلا تقديم الخدمات الهامشية المساعدة، إما تلك التي تحولت نحو الاستثمار وورثتها هيئات أخري، أو تلك المهام غير المحققة للربح بطبيعتها كخدمات مكاتب الصحة من قيد المواليد والوفيات!

الشق الثاني: ما الأدوار الجديدة لوزارة الصحة، وهل بالفعل تحولت لكيان تجاري يؤدي خدمات استثمارية؟

وهذا محل الدراسة في هذا الفصل، في ثلاث مباحث تقدم أمثلة لما يعتقد الباحث انه أدوار جديدة لوزارة الصحة في تسليع خدماتها التي حلت بها محل وظيفتها الخدمية التقليدية.

أولاً: دور وزارة الصحة في تسليع خدمات الإحصاء الطبي وتوفير البيانات الصحية (الجينوم المصري – مبادرة 100 مليون صحة)

دور وزارة الصحة في الإحصاء الطبي دور أصيل تقوم به لأجل التخطيط الاستراتيجي لمهمتها، وبيان أوجه القصور وما ينبغي فعله تجاه مستجدات الأمراض واحتياجات العصر.

لكن ما تقوم به الوزارة في الإحصاء الصحي مؤخراً، أضحي أقرب للمهمة التجارية التي تساعد في تأسيس الكيانات البديلة للوزارة، التي استعرضتها هذه الدراسة في الفصول الثلاثة الأولي[2]

هذه الكيانات البديلة تحتاج لجهد إحصائي رسمي تعتمد عليه في عملها التقني من جانب، والاستثماري من جانب آخر، والأخير هو الأهم بحسب النشأة الاقتصادية لتلك الكيانات.

ومن المعلوم، فالمنظومة الصحية في أي دولة تعتمد على مجموعة من البيانات والمعلومات، تحصل عليها الجهات الصحية المختلفة من المواطنين بشكل طبيعي، تشتمل تلك البيانات على قدر كبير من الأهمية والخطورة، وتفرغ في أدوات الإحصاء الصحي والطبي ليكون مرجعية في الأمراض المتوطنة، أو السلوكيات الصحية المسببة للأمراض وتوقع الأمراض المحتملة، أو تاريخ الأوبئة، أو نجاعة اللقاحات والأنظمة العلاجية، أو رصد السمات الصحية العامة، وغيرها من هذه الأمور المرجعية.

والإحصاء وفق هذه الصورة تمتلكه الدولة حصراً، وتسعي (الدول الرشيدة) على إبقائه – في صورته الكاملة – سرياً إلي حد بعيد،  حيث يتضمن مواطن ضعف وقوة كتلتها البشرية. لذا، فهو يعد كنزاً استثمارياً تسعي ورائه المؤسسات المنتجة للأدوية واللقاحات!، وفي جانبه الأخطر مطمعاً، تسعي خلفه أنظمة الدول، أو شركات تطوير الأسلحة البيولوجية!!

إذن، فالإحصاء الصحي العام يجب أن تمتلكه الدولة حصراً لأهميته وخطورته، والجهة المعنية به وظيفياً هي وزارة الصحة، تقوم به في الأساس لتتمكن من وضع استراتيجياتها الصحية العلاجية والوقائية وفق نتائجه.

لكن الحاصل حالياً، وفي ظل بيئة عدم الشفافية الحكومية، فإن الإحصاءات التي تجريها وزارة الصحة، تقوم الشواهد على شبهات استغلالها استثمارياً وتجارياً من قبل الهيئات والشركات التي استحدثها النظام الانقلابي في مصر[3] والتي بدأت في عقد شراكات مع جهات دولية أجنبية في مجال عملها، ترتيباً على ما حصلت عليه أو تطلبه رسمياً من إحصاءات،  بما يهدد حياة عموم الناس لمخالفته أساليب السرية اللازمة في الإحصاء، وإفشاء نتائجها بشكل قد يضر بهم صحياً واجتماعياَ وأدبياً، كما يجعلهم محلا لتجارب الشركات العالمية ومجالا مباحاً استثماراتهم وتجارتهم.

وللدلالة على مدى خطورة هذا الدور، نلقي الضوء على بعض المشاريع في هذا الصدد:

1: مشروع الجينوم المصري

ومن أبرز المشروعات التي تعتمد على الإحصاء الطبي، وأخطرها على الإطلاق، مشروع الجينوم المصري[4] والذي يعمل على اكتشاف الخريطة الجينية للمصريين، وفك الشفرة الوراثية المصرية، توطئة للكشف عن تاريخ وطبيعة الأمراض الخاصة بالمصريين، ورصد الفروق الوراثية التي تميزهم عن الشعوب الأخرى، وغير ذلك من الأمور الخطيرة.

ورغم أن هذا العلم هو علم العصر الحالي الذي تسعي الدول لامتلاكه، وتعمل عليه منذ زمن، إلا أن (الخفة) التي تتعامل بها مؤسسات الانقلاب بخصوصه يعد خطراً داهماً يتهدد المصريين صحياً، واجتماعياً، وربما سياسياً.

يدلل على ذلك، اعتراضات قائد الانقلاب التي أرسلها لمجلس النواب على مشروع قانون التجارب السريرية وما تضمنته من رفض الحظر الذي وضعه مشروع القانون على إرسال عينات بشرية إلي الخارج حيث نص خطاب الاعتراض على (الاعتبار الذي راعاه مشروع القانون بشأن حظر إرسال عينات بشرية إلي الخارج ورتب على ذلك عقوبات شديدة السجن+ الغرامة، هو بغرض ألا يتم معرفة الجينات المصرية والعبث بها، وبينت أن هذا الحظر لا يدعمه الواقع إذ أن الجينات المصرية قد تم دراستها بواسطة مؤسسة النامرو[5] التابعة للبحرية الأمريكية، كما يوجد أكثر من 10 مليون مصري بالخارج يمكن بسهولة الحصول على تركيبهم الجيني)!

وفي هذا دلالة واضحة على استهانة النظام بالضوابط والقيم الحاكمة للمشروع، بل يحمل دلالة تبييت النية للتعاون الخارجي المفتوح الذي يتعارض مع طبيعة المشروع السرية.

في سياق متصل، أشارت أخبار وتقارير، عن سعي إسرائيلي لتركيب قنبلة جينية، اعتماداً على دراسات خاصة بجينات جيرانها، وفي القلب منهم مصر![6] في الوقت ذاته تسعى إسرائيل أيضاً لإثبات أحقيتها في الأرض باعتبارها شعب يشترك في السمات الوراثية مع شعوب المنطقة يحق له المطالبة بالحقوق من هذه الزاوية [7].

الأخطر في الأمر أيضاً، هو تدشين مشروع الجينوم البشري دون تغطية قانونية تضمن حقوق الناس في الحفاظ على حياتهم، وكرامتهم، وضوابط استخدام بياناتهم الطبية، ومعلوماتهم الوراثية، خلافا لاشتراطات الإعلان العالمي للمجين (الجينوم) البشري وحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1997 والذي نص في المادة 5 على ضرورة الرضا القانوني الحر والمسبق للشخص المعني وأنه لا يجوز إجراء أي بحوث عليه إلا بعد تحقق القبول القانوني الصريح، كما نص في مادة 14 على ضرورة قيام الدول باتخاذ التدابير أبرزها التدابير القانونية اللازمة لتلك البحوث([8].

بل إن الانقلاب سعي في المقابل، لإبطال أي ضمانة كما ورد بالخطاب المنوه عنه أعلاه باعتراضات السيسي على قانون التجارب السريرية.

تدشين المشروع

أعلن وزير التعليم العالي والبحث العلمي في 6 أكتوبر 2020 عن البدء في تنفيذ مشروع الجينوم المصري، و فحص 100 الف مصري ضمن المشروع[9]  .

دور وزارة الصحة

في 2 فبراير 2020 اجتمع مجلس الجينوم المصري اجتماعه الأول، معلنا عن ميزانية 2 مليار جنيه تكلفة مشروع الجينوم المصري في خمس سنوات، وجاء تصريح (هالة زايد) وزيرة الصحة في هذا الاجتماع متناغماً مع دور الوزارة في تسليع خدمات الإحصاء الطبي (… وركزت على ضرورة توفير الدعم اللازم للمشروع لتحقيق أهدافه، مؤكدة دعم وزارة الصحة للبرنامج ووعدت بتقديم أية تسهيلات مطلوبة من الوزارة لتحقيق النجاح لهذا البرنامج، مضيفة أن هذا يخدم خطة وزارة الصحة والتي أطلقت برامج قومية هامة في مجال التجارب السريرية!) وفي هذا دلالة على إتاحة وزارة الصحة بيانات المواطنين الإحصائية دون موافقتهم أو في الحد الأدنى دون وجود إطار قانوني يقرر ضمانات العلم الخاص، والرضا الحر، خاصة وأن الوزيرة قد ذكرت مجال التجارب السريرية في معرض الحديث عن تعاون الوزارة في مشروع الجينوم البشري![10]

2: مبادرة 100 مليون صحة

المبادرة إحصائية بامتياز، فهي ترتكز -كما ورد بصفحة المبادرة الرسمية [11]– على الفحص الشامل للمواطنين، عن طريق أخذ عينات من الدم وقياس نسب الهيموجلوبين، وتحليل السكر وقياس ضغط الدم، كما تشتمل على قياس الطول والوزن ومؤشر كتلة الجسم وقياس السمنة . وتعمل المبادرة إحصائياً، على شرائح عمرية (طلاب المدارس- كبار السن) أو شرائح نوعيه (النساء)أو شرائح مرضية (فيرس سي، الاعتلال الكلوي، الأمراض المزمنة، …)

علي سبيل المثال: يشمل فحص طلبة المدارس[12]، وفق ما جاء بالإعلان عن المبادرة، الكشف عن أمراض الأنيميا والسمنة والتقزُّم، ويرصد نسبة الهيموجلوبين بالدم وقياس الطول والوزن وتحديد مؤشر كتلة الجسم للطلاب.  ويشمل فحص النساء[13] الكشف عن سرطان الثدي، وأمراض السكر، والضغط، والسمنة، وأمراض القلب، وهشاشة العظام. كما شملت الحملة فحصاً للمواطنين فوق 18 عام للكشف عن الأمراض المزمنة، والاعتلال الكلوي[14] [15]

كما أن العدد الذي وصلت له الفحوصات، معبر عن الرغبة في الحصول على نتيجة إحصائية سريعة وناجزة، إذ أن النظم الصحية للدول تعتمد على ديمومة الخدمة الصحية، وتكرارها، وليس تقديمها بمنطق المبادرات التي تقدم لمرة واحدة!

فقد أعلنت (ريهام غلاب) المدير التنفيذي للحملة بتاريخ 29 إبريل 2019 عن الكشف على ما يزيد عن 52 مليون مواطن! ومد الحملة لنهاية العام[16]، كما قامت وزيرة الصحة باستعراض المؤشرات الإحصائية الرقمية  للحملة في اجتماع مجلس الوزراء بتاريخ 1 يناير 2020[17] ، والملاحظة الأغرب، هي إجراء كل هذه الفحوصات متشعبة الموضوعات والمجالات في حين كانت الحملة بالأساس لمكافحة فيرس الكبد الوبائي C!!

ثانياً: دور وزارة الصحة في تسليع خدمات الطب التجريبي (التجارب السريرية)

في مارس 2020 أعلنت وزارة الصحة عن المشاركة في التجارب السريرية التي تجريها منظمة الصحة العالمية[18] وأعلنت الوزارة عن مشاركة 170 مواطن بتلك التجارب[19]، وأعلنت في يوليو، عن ترحيب مصر بالمشاركة في التجارب السريرية على اللقاح الصيني لفيروس كورونا[20]، وأثارت تلك الخطوات العديد من علامات الاستفهام حول طبيعة هذه التجارب، وأمان اللقاح، ومدي انطباق طرق الاعتماد العلمية عليه[21].

حالة لغط كبيرة صاحبت ذلك الإعلان ليس محلها هذه الدراسة، لكن ما نثبته هنا طبيعة دور الوزارة في تلك التجارب.

التجارب السريرية التي تجريها شركات الأدوية العالمية، تبحث فيها عن أقل البلاد كلفة، وأكثرها تنوعاً واستعداداً لقبول إجرائها، وهذا بطبيعة الحال شأنها كونها مؤسسات تجارية بالأساس تسعي للربح.

مصر من الدول التي تمثل وجهة مناسبة لتلك الشركات لأسباب كثيرة من بينها الكثافة السكانية المرتفعة وانخفاض تكلفة هذه التجارب في مصر[22] .

تجاه ذلك، فإن وزارة الصحة، وهي الجهة المعنية بحماية المواطنين، والتي لا ينبغي لها التساهل في إجراء تلك التجارب، نجدها تتوسع في إدارتها والإشراف عليها، بل تتطوع بطلبها وتجعلها محلا للمجاملات الدبلوماسية بين الدول ومحل إهداء بين النظم الحاكمة[23].

هذا قد يكون مقبولاً في حالة هيمنتها على تلك التجارب ورقابتها، غير أن قانون تنظيم البحوث الطبية الإكلينيكية (التجارب السريرية) الذي وافق عليه البرلمان بشكل نهائي قد نزع آلية الرقابة من وزارة الصحة لمصلحة كل من المجلس الأعلى للأبحاث الطبية والإكلينيكية، وهيئة الدواء المصرية[24]

وهذا ما يضع علامات استفهام، إذ كيف تقوم هيئة الدواء بالرقابة على التجارب السريرية، في الوقت الذي يكلفها القانون بمنح ترخيص المستحضرات الطبية وتسجيلها والسماح بتداولها، بل يمنحها حق إنشاء شركات إنتاج الأدوية ومعامل الرقابة على المستحضرات!؟[25] . فالتجارب السريرية، إذن، تجري في مصر تحت ولاية وزارة فقدت دورها، وهيئات تسعي استثمار!

ثالثاً: دور وزارة الصحة في تسليع الخدمات الصحية الإنسانية (مشروع البلازما)

امتد التوجه الاستثماري في وزارة الصحة لما هو أخطر، ليعمل على تسليع الخدمات الطوعية الإنسانية ذات البعد الصحي، ففي مسلك غريب وإلحاح يثير الريبة يتم الإسراع في تنفيذ المشروع القومي لتجميع وتصنيع مشتقات البلازما، فيما ينبئ بمرحلة كئيبة من تسليع الإنسان المصري، فبعد أن أصبح محلاً للتجارب السريرية الإكلينيكية، والإحصاءات الطبية، ومحلا لتجارب لقاحات الشركات العالمية، يتم معه أخيرا بمنطق (قطع الغيار)!

مشروع البلازما 

بدأ الاهتمام الحكومي والحديث حول مشروع البلازما في عام 2016، على خلفية أزمة الدولار وتوفير بديل محلي يوفر مشتقات الدم، والاتجاه لإنشاء مصنع لمشتقات البلازما[26] وقد مر المشروع بعدة مراحل، حتي وصل لمحطته الاستثمارية الصريحة:

المرحلة الأولي: مشروع البلازما تدبير وزاري موفراً للعملة الصعبة

صرح (أحمد عماد) وزير الصحة عن بدء مصر تصنيع البلازما كبديل للاستيراد، في إطار توفير بدائل محلية في ظل أزمة الدولار 2016، وبعدها صدر القرار رقم 610 لسنة 2016 بإقرار المدونة المصرية لأساليب تجميع البلازما وتصنيع مشتقات الدم، والتي اعتمدت مدونة منظمة الصحة العالمية في هذا الشأن[27]

المرحلة الثانية: مشروع البلازما مشروع استراتيجي للدولة:

في مايو 2017 كان مشروع مشتقات البلازما حاضراً على هامش  نقاشات اجتماعات مجلس الأعمال المصري البحريني المشترك، والحديث حول مباحثات بين الجانبين لإقامة مشروع مصري في مجال مشتقات البلازما[28] ، في يناير 2018 أعلن أحمد عماد وزير الصحة مجدداً، عن تدشين أول مصنع لمشتقات الدم في تاريخ مصر بتكلفة 6 مليارات جنيه، وجري التأكيد على (رؤية السيد الرئيس بأن مصر تمتلك القدرة على إنشاء مصنع ينتج مشتقات الدم ومنها البلازما، بدءًا من مرحلة التبرع بالدم ومرورًا بتجميع البلازما ونهايةً بإخراج المنتج)، ومن ثم الحديث عن فتح مظاريف مقدمة من ثلاث شركات إيطالية وصينية وكورية جنوبية.

وتضمن هذا الإعلان لفتة هامة إلى حد بعيد، عن امتلاك مصر لمصدر البلازما الخام بما يعد ثروة قومية (إشارة إلي الكثافة السكانية) وهذا يعد أول تحول صريح نحو تسليع ذلك المشروع!

  • في نوفمبر 2018 أعلنت (هالة زايد) عن خطة تطوير شاملة لمراكز الدم بالمحافظات لتجميع البلازما وتصنيعها محليا، فيما صرحت (نهاد مسعد) رئيس بنك الدم عن جمع مراكز نقل الدم لحوالي 700,000 كيس دم سنويا يتم فصلهم لمشتقات بلازما وصفائح دموية[29]

المرحلة الثالثة: التعاون الدولي في مشروع البلازما الاستراتيجي

في ديسمبر 2018 تحدثت هالة زايد، عن منحة فرنسية لتجهيز 15 مركز لتجميع البلازما ضمن مشروع تصنيع مشتقات البلازما[30]، وفي بداية 2019 تجدد الحديث عن توجيه السيسي بضرورة الانتهاء من مشروع تصنيع مشتقات البلازما باعتباره مشروع استراتيجي لمكافحة الأمراض[31]،وفي إبريل 2019 أعلن عن توقيع اتفاقية شراكة مع أكبر شركة فرنسية في مجال تصنيع البلازما بعد لقاء السيسي وماكرون، لإنشاء أول مصنع في إفريقيا والشرق الأوسط لتصنيع مشتقات البلازما[32]، وفي سبتمبر 2019 زار وفد فرنسي المركز القومي لنقل الدم لتقديم الدعم لمشروع الاكتفاء الذاتي من مشتقات البلازما [33]، وفي يناير 2020 تم الحديث حول شراكة لتصنيع البلازما مع كوريا الجنوبية[34] ، في فبراير 2020 أعلن عن توقيع مذكرة تفاهم بين شركة )أكاديميا( وشركة (SK) الكورية لإنشاء مصنع لمشتقات البلازما في مصر!

المرحلة الرابعة: مشروع البلازما مشروع قومي

في فبراير 2020 تحدث رئيس الوزراء عن كون مشروع مشتقات البلازما (مشروع قومي) وأنه سيبذل أقصي جهد لبدء المشروع القومي للاكتفاء الذاتي من مشتقات البلازما!، وبعد تحويله لمشروع قومي، تمت عدة تحولات غيرت وجهته من مشروع اكتفائي بديل عن الاستيراد، لمشروع استثماري تجاري قومي:

أولًا: شمل تصريح رئيس الوزراء عن المشروع القومي للبلازما، حديثاً ربما للمرة الأولي عن التصنيع الخارجي للبلازما وتصدير الدم للخارج ثم الحصول على المشتقات بعدها.[35]

ثانيا: في يوليو 2020 حضر اجتماع السيسي للحديث حول المشروع القومي للبلازما (بالإضافة لرئيس الوزراء ووزيرة الصحة) حضر رئيس هيئة الشراء الموحد، ومدير المركز الطبي العالمي ( العسكري) ومدير إدارة الخدمات الطبية للقوات المسلحة[36]

ثالثاً: في يوليو 2020 أعلن عن شراكة الصندوق السيادي في هذا الملف، كما جري الحديث صراحة من قبل رئيس الوزراء عن كون (الكثافة السكانية الكبيرة في مصر تنبئ بكون هذه الصناعة واعدة بحيث نتمكن من إنتاج كميات كبيرة من البلازما)[37] كما جرى الحديث صراحة عن تصدير منتجات البلازما[38] ، وفي أكتوبر تحدث (عوض تاج الدين) مستشار السيسي للشئون الصحية عن فكرة تصدير البلازما [39]، كما تحدث (محفوظ رمزي) رئيس لجنة صناعة الدواء بالغرفة التجارية، عن أن تصنيع مشتقات البلازما وتصديرها سيدر مليارات الدولارات على مصر[40]))

المرحلة الخامسة: قانون مشتقات البلازما

وفي ديسمبر 2020 أعلن عن انتهاء البرلمان من مناقشة مشروع قانون عمليات نقل الدم والبلازما، والذي حمل ترتيبات وإجراءات غريبة على أصل فكرة التبرع بالدم، وقريبة إلى حد كبير إلي تقنين فكرة التجارة، حيث يسمح القانون لمصانع البلازما التصرف فيها بالبيع أو التصدير، كما ورد به تعريفاً لمصطلح المتبرع المنتظم (الذي يتبرع بشكل منتظم طبقا للقواعد الطبية) فيما يشبه النشاط التجاري لا سيما والمشروع ينص على أحقية ذلك المتبرع في تقاضي مقابل مادي عند تبرعه!

وفي مسلك لا يقل غرابة عن ذلك يلزم مشروع القانون مركز تجميع البلازما بإخطار كافة المراكز باسم المتبرع غير اللائق للتبرع، كما يسمح لمراكز التجميع بالتصرف فيما تجمع للمصانع المحلية أو تسفيرها وتصديرها للخارج.

وفق هذه المراحل الخمس تحول مشروع البلازما من مشروع يحقق الاكتفاء الذاتي ويوفر العملة الصعبة، لمشروق قومي استثماري يتحدث عن الكثافة السكانية كفرصة ربح، تقوم عليه وزارة الصحة بالشراكة مع هيئة الدواء المصرية.

خاتمة

بعدما استعرضنا هذه الأدوار الجديدة لوزارة الصحة المصرية والتي تحولت بموجبها لما يشبه (مقاول الباطن) أو (شركات التسويق والبنية التحتية) وتخلت إلي حد بعيد عن وظيفتها التقليدية المتعارف عليها، نتساءل، هل هذا دور يليق بوزارة مسئولة عن حياة المواطنين، أم شركة تجارية في تحالف استثماري سقطت بين يديه دولة بمقدراتها وثرواتها ومواطنيها، فصارت المهمة الرئيسية لوزارة الصحة هي جني الأموال من لحوم الناس ودمائهم، تشمل قيام وزيرة الصحة بأدوار بروتوكولية لتوقع العقود فيما لا تملك وتدشن المبادرات التي لا تغطيها قوانين، ودبلوماسية تجامل في حياة المواطنين مجاملات سياسية وهي تبتسم للكاميرات، ودعائية تصور فيها مشاهد تجربة اللقاح وإعلانات غسل اليدين!


الهامش

[1] تقرير الهيئة العامة للاستعلامات عن بدء العمل الفعلي لهيئة التامين الصحي الشامل  https://cutt.us/tiZ8a

[2] قدمت الدراسة في فصلها الأول استعراض للكيانات البديلة عن الاختصاص الطبي للوزارة وهي هيئات قانون التأمين الصحي الشامل (هيئة التأمين الصحي الشامل- هيئة الرعاية الصحية – هيئة الاعتماد والرقابة) وفي فلصها الثاني قدمت الدراسة عرضا لـ(هيئات الشراء الموحد، وهيئة الدواء المصرية) بديلين لاختصاص الوزارة الدوائي الصيدلي، أخيرا قدمت الدراسة في الفصل الثالث استعراض للاختصاص التدريبي البديل لوزارة الصحة فيما يخص (هيئة التدريب الإلزامي) .

[3] أهم الهيئات الحديثة التي حلت محل وزارة الصحة (التأمين الصحي الشامل – الرعاية الصحية – الاعتماد والرقابة – هيئة الشراء الموحد – هيئة المصرية للدواء – مركز البحوث الطبية والطب التجديدي)

[4] بدء تنفيذ مشروع الجينوم المصري   https://cutt.us/B3GSB

[5] مؤسسة نمرو اختصار لـ (Naval Medical Research Unit) وهي المؤسسة التي تتخذ من حي العباسية مقراً لها، تقرير نشرته جريدة الوفد عن مؤسسة نمرو بتاريخ 27 يناير 2012 https://cutt.us/gQU6f

[6] إسرائيل تنتج أول قنبلة جينية باستخدام البصمة الوراثية  ل500 الف مصري  https://cutt.us/TouYO

[7] الجينوم المصري المخاوف السياسية والتشريعات اللازمة  https://cutt.us/F1t1b

[8] الإعلان العالمي بشأن المجين البشري وحقوق الإنسان  https://cutt.us/clDN3

[9] تصريح الدكتور خالد عبد الغفار وزير التعليم بدء تنفيذ مشروع الجينوم المرجعي لفحص 100 الف مصري (وتتلخص أهداف البرنامج في ثلاث محاور رئيسية، الأول تحديد الجينوم المرجعي المصري، والمحور الثاني دراسة جينوم قدماء المصريين، والمحور الثالث دراسة الجينوم الوظيفي والذي يتناول ارتباط التغييرات الجينية بانتشار الأمراض بين أفراد الشعب المصري)  https://cutt.us/UQuM6

[10]  بدء تنفيذ مشروع الجينوم المصري لتشخيص الأمراض المنتشرة والمستعصية  https://cutt.us/KnuIH

[11] رؤية ورسالة الحملة علي موقعها الرسمي https://cutt.us/gKvIO

[12] وزيرا التربية والتعليم والصحة يُعلنان انطلاق حملة الكشف والعلاج المبكر لطلبة المدارس  https://cutt.us/Ayljl

[13]  موقع خريطة مشروعات مصر بعنوان مبادرة صحة المرأة (الست المصرية هي صحة مصر) https://cutt.us/ZEHuW

[14] انطلاق مبادرة 100 مليون صحة لعلاج الأمراض المزمنة في 8 محافظات  https://cutt.us/qY58B

[15] إطلاق المبادرة الرئاسية «100 مليون صحة» لمتابعة وعلاج الأمراض المزمنة غدا  https://cutt.us/N94Je

[16] مد حملة 100 مليون صحة إلي نهاية العام والكشف علي 52 مليونا https://cutt.us/4F0XO

[17] وزيرة الصحة  تستعرض مؤشرات حملة 100 مليون صحة  https://cutt.us/oREJR

[18]  الصحة العالمية: مصر وافقت على إجراء التجارب السريرية لأدوية كورونا   https://cutt.us/A2oaO

[19] الصحة: 170 حالة بمصر شاركت في التجارب السريرية لعلاجات كورونا  https://cutt.us/9Wnk1

[20]  معلنا عن تعاون جديد فى مواجهة الفيروس(السفير الصيني لـ وزيرة الصحة : زيارتكم لـ بكين خلال أزمة كورونا محفورة في قلوب شعبنا)https://cutt.us/5uTTQ

[21] وفقا للضوابط ..الصحة: مصر ستشارك في التجارب السريرية على اللقاح الصيني  https://cutt.us/QVXFV

[22] مقال حول استغلال بعض شركات الأدوية للمرضى المصريين  https://cutt.us/8kvYK

[23]  وزيرة الصحة: إجراء تجارب لقاح «كورونا» الصيني على 40 ألف شخص ولم تظهر عليهم آثار جانبية  https://cutt.us/Bp9el

[24] في مايو 2018 صدرت النسخة الأولي لمشروع قانون البحوث الطبية والإكلينيكية من مجلس النواب، أرسل السيسي خطابا باعتراضات موضوعية علي مشروع القانون في أكتوبر من ذات العام، في أغسطس 2020 ناقش البرلمان مشروع القانون بعد تعديله بناء علي اعتراضات السيسي وأيضا تعديلات تخص هيئة الشراء الموحد وهيئة الدواء المصرية التي حلت محل وزارة الصحة بخصوص هذا القانون وغيره، ترتب علي ذلك تخفيض حصة وزارة الصحة في عضوية المجلس الأعلى للأبحاث الطبية والإكلينيكية كما سحبت معظم الاختصاصات الموضوعية من وزارة الصحة لهيئة الدواء المصرية.

[25] يراجع الفصل الثاني من تلك الدراسة الاختصاص الدوائي لوزارة الصحة ( لينك الفصل الثاني)

[26] وزير الصحة يتفقد سيارات تجميع البلازما تمهيدًا لإنشاء مصنع مشتقات الدم  https://cutt.us/K9GHB

[27] نشر المدونة بالوقائع المصرية بالعدد رقم 215 لسنة 2016 الصادر في 25 سبتمبر 2016

[28]   تصريحات حول مشروع مصري بحريني لمشتقات البلازما علي هامش اجتماعات مجلس الأعمال المشترك  https://cutt.us/lva3s

[29] مصر تتجه بقوة لإنتاج البلازما محليا.. وخطة شاملة لتوفير مشتقات الدم  https://cutt.us/YUSov

[30] وزيرة الصحة: 15 مركزًا لتجميع “مشتقات البلازما” بمنحة فرنسية  https://cutt.us/StIJu

[31] بعد دعوة الرئيس.. ما هي مشتقات بلازما الدم ودورها في علاج الأمراض المميتة؟ https://cutt.us/OeEqH

[32] مشروع تجميع وتصنيع مشتقات البلازما.. السيسي يوجه بالبدء في تنفيذه.. “الصحة” تستعين بالخبرات الأجنبية لإنشائه.. وخبراء: يتطلب قوة بشرية كبيرة.. وسيوفر الاحتياجات المحلية  https://cutt.us/GY2Wd

[33] وفد فرنسي يتفقد المركز القومي لنقل الدم لتقديم الدعم اللازم للمشروع  https://cutt.us/jJM7T

[34] “وزيرة الصحة”: إنشاء أول مصنع لمشتقات البلازما  https://cutt.us/FP64a

[35] مدبولي: سنبذل أقصى جهد لبدء المشروع القومي للاكتفاء الذاتي من مشتقات البلازما    https://cutt.us/EjCVa

[36] السيسي يوجه بإقامة المشروع القومي لمشتقات البلازما بأعلى المواصفات الدولية    https://cutt.us/rKHuK

[37] مدبولي: الرئيس يتبنى ملف تجميع وتصنيع مشتقات البلازما وتوجيه باعتماد مراكز التجميع من الجهات العالمية‎ https://cutt.us/vD3BW

[38]  الوزراء المصري: الصندوق السيادي شريكاً مع مشغل عالمي بمشروع مشتقات البلازما (وأضاف ، نحتاج إلى توفير مراكز تجميع كمرحلة أولى، بحيث تكون على مستوى عالميّ يتيح لنا تصدير منتجاتها، كما يمكننا إقامة المصنع المخصص لهذا الغرض)  https://cutt.us/0yHT9

[39] عوض تاج الدين: سيتم تصنيع وتصدير البلازما بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي  https://cutt.us/sRhiH

[40]  تصريح محفوظ رمزي رئيس لجنة التصنيع الدوائي بالغرفة التجارية وعضو نقابة صيادلة القاهرة : تصنيع مشتقات بلازما الدم سيدر مليارات الدولارات على مصر https://cutt.us/oEWdH لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.

Total Page Visits: 55 - Today Page Visits: 1

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً