أخبار عاجلة

هل الدمايطة شوام أم الشوام دمايطة؟

عباس الطرابيلي :

أعشق علوم دراسة الشعوب.. أصلها وفصلها.. وبالتالى سلوكياتها. وهذا يدفعنى اليوم إلى دراسة مقارنة بين الشعب الدمياطى والشعب الشامى.. وإذا قلنا هنا «الشام»، فنحن نقصد منطقة العاصمة دمشق، التى هى أقدم مدينة فى العالم كله.. ومعها ما حولها.. ولكن لماذا؟!مقالات متعلقةمعركتنا مع البشير وليست مع السودانصدقونى: القطن المصرى ينقذ الاقتصاد المصرىأسطورة حسنين.. وتصحيح صورتهالسبب أن السورى- وحده- عبارة عن معمل.. مصنع.. ورشة.. كل الأسرة تعمل، كبار السن والصبية، بل الأطفال والشباب.. أما الأنثى فهى وحدها مصنع كبير لا تعرف الكلل.. وهى لا تكتفى بأعمال البيت.. بل تحول بيتها إلى ورشة كبيرة متكاملة، تصنع كل شىء.. وتعرضه للبيع.. وبذلك يصبح دخلها من هذا العمل جزءاً أساسياً من دخل الأسرة.. ولا يمكن الاستغناء عنه وعنها!!الأسرة السورية بذلك عبارة عن وحدة إنتاجية متكاملة.. ليست فقط فى إنتاج الحلويات وبيعها، ولا فى أشغال الإبرة والتريكو والحياكة.. بل فى كل شىء.. وهذا هو نفس سلوك الأسرة الدمياطية، إذ كل فرد فيها يعمل، ومنذ الصغر، أنا نفسى عملت نجاراً و«صبى جزمجى» و«أويمجى» وعاملا على نول يدوى.. وعطارا، وبائع أقمشة.. ولا أجد فى ذلك عيباً.. بل هو الفخر نفسه والاعتزاز بقيمة العمل.. وكلنا فى دمياط نشب على العمل.. يعنى نشتغل ونأتى بالرزق من عينيه.. أم نلعب فى الحارة ونمزق ملابسنا.. ولقد وعيت- طفلاً- على رؤية المغزل اليدوى لتحويل الحرير الطبيعى إلى غزل تعمل به سيدات الأسرة لتحويله إلى «بَكَر» يتم توريده لمصنع حرير اللوزى بدمياط، كان المصنع يوزع الحرير الخام على السيدات كل يوم خميس.. ويجمعه عبارة عن «بكر» يتم استخدامه فى إنتاج قماش الحرير الطبيعى.. فضلا عن أعمال الإبرة والبرودريه.. وشاهدت عمتى تجلس أمام ماكينة الخياطة- سنجر- التى اشترتها بالتقسيط، كل شهر خمسين قرشاً.. لتفصّل وتحيك ملابس بنات الحتة، بنات الحارة.. لم يكن هذا شأنى وحدى، بل كان شأن كل الأسر الدمياطية الغنية والفقيرة على السواء.ظللت- طوال دراستى- من المدرسة الأولية إلى الابتدائية والثانوية.. بل الجامعية، كنت أخرج من المدرسة- بعد نهاية اليوم الدراسى- لأذهب إلى الورشة أو إلى المحل دون أن أذهب إلى البيت إلا فى المساء!! بل بعد تخرجى فى الجامعة جمعت بين عملى فى أخبار اليوم وعملى فى دار الهلال سنوات عديدة.هذا هو نفس السلوك السورى.. وظهر لنا واضحا عندما استقبلنا مئات الألوف من الأشقاء السوريين.. فلم يركنوا إلى الكسل أو النوم حتى الظهر بل انطلقوا إلى سوق العمل وأحسنوا الاختيار، اختاروا تواجدهم فى المدن الصناعية والمدن التجارية.. وانطلقوا بل كل الأسرة تعمل لتنفق على نفسها دون أن تمد يدها «بالسؤال»، فهم شعب يحترم نفسه.. ويعشق العمل بلا كلل، وهناك ما يجمع بين الدمايطة والشوام من ناحية التعليم.. هم ونحن الدمايطة لا نميل كثيرا للتعليم الجامعى.. بل نكتفى- خصوصا جيلى وما سبقه- بقسط كاف من التعليم: القراءة والكتابة وبعض الحساب وتحسين الخط.. ثم ينطلقون لسوق العمل.. وأتذكر هنا أن العالم المصرى العظيم د. على مصطفى مشرفة اكتشف طالبا نابغة- كان تلميذاً له بكلية العلوم- وكان ترتيبه الأول باستمرار، وعندما تخرج وعده الدكتور مشرفة بتعيينه معيدا فى قسم الرياضيات على نفس خطاه، وذهب الشاب إلى دمياط.. ولما غاب سافر له ابن دمياط الدكتور مشرفة ليبحث عنه، فوجده يقف فى محل أسرته، وكان محلا لبيع البويات والمسامير، وفوجئ بالخريج ووالده يقولان للدكتور: أمال مين يا دكتور يمسك تجارتنا؟!■■ ونفس الشىء نجده عند غالبية السوريين، يتعلمون بما يكفى احتياجاتهم ثم يخرجون لسوق العمل، وكل أخوالى كذلك، فهل كان اختلاط الدمايطة بالشوام منذ مئات السنين وراء هذا السلوك المشترك؟، لأن دمياط عندما كانت ميناء مصر الأول، كانت كل تجارتها مع الشام.. وموانئ سوريا ولبنان.. حتى إن أحد جدودى الأوائل تزوج سورية من اللاذقية، ولنا وقف هناك.■■ وبالمثل، كان التجار الشوام يفضلون التجارة مع دمياط.. وليس الإسكندرية، ومازالت فى دمياط عائلات عريقة أصلها من الشام، سوريا ولبنان مثل عائلة «اللوزى» وعائلة «العلايلى» وعائلة «خضرة» و«الشامى والطرابلسى» وعائلة «خفاجى»، ويا ليت أهالى مصر مثل الدمايطة ومثل الشوام.. وفرق كبير بين اللاجئين السوريين- هم ليسوا لاجئين- وبين لاجئين من شعوب أخرى تهوى الكسل والنوم حتى منتصف النهار.

المصدر: هل الدمايطة شوام أم الشوام دمايطة؟

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً