أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار عاجلة / عملية “نبع السلام” التركية في سوريا…الدوافع والمآلات المستقبلية

عملية “نبع السلام” التركية في سوريا…الدوافع والمآلات المستقبلية

كشف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان  ، الثلاثاء، عن نجاح عملية “نبع اللام” التركية، التي انطلقت قبل أسبوع، في اقامة منطقة آمنة في شمال سوريا، بعرض 444 كلم من الغرب إلى الشرق وبعمق 32 كلم، سيجري إعادة نحو 4 مليون سوري من اللاجئين السوريين في تركيا إليها، في الفترة المقبلة..

وقال “أردوغان” على هامش اجتماع القمة السابعة لـ”المجلس التركي”، للدول الناطقة بالتركية بالعاصمة الأذرية باكو: “الدعم المقدم حتى اليوم لقرابة 4 ملايين من طالبي الحماية في بلدنا معروف، ونفقاتنا تجاوزت 40 مليار دولار، وقلت لجميع القادة تقريبا، هلمّوا لنعلن شمالي سوريا منطقة آمنة، الكل قال جميل، ولكن عند تقديم الدعم لم يخرج ولا قرش من جيوبهم”.

دوافع تركيا لاطلاق “نبع السلام

منذ اندلاع حرب بشار الأسد على الثورة السورية، نفذت وحدات حماية الشعب الكردية، العديد من التجاوزات بحق السكان المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها شمال سوريا، ووقعت عمليات تصفية عرقية حيث ارتكبت قوات سوريا الديمقراطية أساليب مختلفة كالقتل والترويع والتشريد واستخدام المدنيين العرب والتركمان والآشوريين كدروع بشرية في الحرب ضد خصومها.

وفي تقرير سابق لمنظمة لعفو الدولية التي نشرت تقريراً مفصلاً عن الأوضاع في المناطق الشمالية من سوريا، جاء فيه أنّ حزب الاتحاد الديمقراطي يتحمل المسؤولية الكاملة عما وصفته بالتهجير القسري من المنطقة وتدمير المنازل، وهي العمليات التي تُعد بمثابة جرائم حرب.

كما تحدثت منظمة هيومن رايتس ووتش عن عمليات اعتقال قامت بها وحدات حماية الشعب الكردي ضدّ العرب والتركمان بحجة الانتماء لتنظيم الدولة أو مناصرته، حيث وضعوا في سجون سرية في “تل أبيض” وترددت أنباء عن تصفيتهم أو إجبارهم على التنازل عن منازلهم وممتلكاتهم، وهو ما تمّ تفسيره على أنّ وحدات حماية الشعب الكردية تتبع سياسة التطهير العرقي بحق كل من هو غير كردي في مساعٍ للأكراد بإنشاء دولة كردية.

وأجرت قوات الأمن في مناطق سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي سلسلة مداهمات لإغلاق مكاتب الأحزاب السياسية المعارضة، واحتجزت وضايقت معارضين سياسيين وناشطين. اعتقلت معظمهم من دون توجيه أي تهمة.

وقال تقرير لمنظمة “هيومن رايتس ووتش” إن “قوات الأسايش”، القوة الأمنية داخل المناطق التي تسيطر عليها الوحدات الكردية؛ أقدمت بالاشتراك مع قسد، على تجنيد الأطفال دون سن 18 عاماً، للقتال في صفوفها، وذلك منذ عام.

وأكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن ممارسات القوات الكردية ضد السوريين ترقى إلى جريمة حرب، مشيرة إلى أن القوات الكردية أحرقت قرى عربية وتركمانية شمالي سوريا، وأجبرت سكانها على المغادرة تحت التهديد بالقتل.

ومع خسارة الثورة السورية لمعظم مناطقها وانكفائها إلى جيوب صغيرة أكبرها إدلب وتنامي قوة المليشيات الكردية المعادية لتركيا بفضل الدعم الأمريكي والأوروبي لها، والرغبة الجامحة لبشار الأسد وحلفائه الإيرانيين والروس في الانقضاض على إدلب آخر أوراق الثورة السورية، ستصبح تركيا نفسها دون أي أوراق قوة أو ضغط في الملف السوري، وتصبح بين فكي كماشة؛ المشروع الانفصالي الكردي وملايين اللاجئين السوريين الذين لن يعودوا إلى سوريا في حال انتصار أسد.

وفي ظل تنامي الاحتجاجات الداخلية التركية على استقبال اللاجئين السوريين وخسارة حزب العدالة في انتخابات بلدية إسطنبول لأول مرة منذ ما يزيد على سبعة عشر عاماً.

باختصار الدوافع التركية تكمن في هواجس الأمن القومي حيث تريد بععض الطراف الاقليمية استمرار تأزم الحدود التركية السورية وتحيلها كمعبر للجماعات المسلحة والمناوئة لتركيا كحنجر في الخاصرة التركية، وحسابات الانتخابات وخسارة أوراقها التفاوضية في سوريا.

أهداف “نبع السلام

وبعد عمليتين عسكريتين في سوريا، “درع الفرات”، و”غصن الزيتون” اللتين استهدفتا المناطق الحدودية السورية التركية، جاءت عملية عملية “نبع السلام”، في منطقة شرق الفرات شمالي سوريا، لمحاولة إقامة منطقة آمنة بعمق 32 كيلومترا، تهدف إلى ضمان أمن الحدود، ومنع إنشاء ممر إرهابي، بالإضافة إلى توفير الشروط المناسبة من أجل عودة السوريين إلى ديارهم، بالقضاء على التهديدات، التي يمثلها مقاتلو وحدات حماية الشعب الكردية السورية، عصب قوات “سوريا الديمقراطية” (قسد) ومسلحو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وأطلق الجيش التركي، في التاسع من أكتوبر الجاري، عملية “نبع السلام” في منطقة شرق نهر الفرات شمالي سوريا، معلنا أن هدفه “تطهير المنطق من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” ووحدات حماية الشعب الكردية، العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية، وإنشاء منطقة آمنة لعودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم“.

وتعتبر أنقرة الوحدات الكردية فرعا لحزب العمال الكردستاني الانفصالي، وتصنفها ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية.

مواقف دولية متضاربة

وقد أثارت عملية “نبع السلام” العسكرية موجة من الاحتجاجات الدبلوماسية والسياسية، على الصعيدين الدولي والاقليمي، فقد ثارت ثورة جامعة الدول العربية، فضبا، من العملية، فيما لم يحرك الجامعة قيد أنملة وقوع آلالاف الضحايا السوريين من جراء عمليات نظام الأسد ، أوالتدخل الإيراني، أو الروسي، الذي قصفت قواته المستشفيات والمدنيين بلا هوادة، وكذا الاختراق الاسرائيلي للأراضي السورية..

وهو ما رد عليه أردوغان باستهزاء مستحق  بأن الجامعة العربية لا تمثل الشعوب العربية، وان كلامها وبياناتها مرفوضة ولا قيمة لها..

فيما توالت الادانات الغربية ، التي تنطلق من مواقف ومصالح غربية بإبقاء سوريا مقرا للتنظيمات المسلحة كداعش وغيرها، في ظل تقارير عدة عن أن أغلب عناصر داعش الغربيين يتخذون من الشمال السوري مقرا، بتنسيق مع نظام بشار.

كما ان اعادة السوريين  اللاجئين لأراضيهم سيضع مسئولية اضافية على الغرب لتقديم دعم إنساني مؤجل، في الوقت الذي تتحمل فيه تركيا العبء وحدها.

وعلى الرغم من مذابح نظام الأسد ضد شعبه ، إلا أنه أعلن رفضه للعملية، وتقاطرت التصريحات السورية المناوئة للعملية والتي تصفها بالاحتلال.

ونالت “نبع السلام” تنديدا أوربيا واسعا، وانخرط الإعلام الفرنسي بالذات في حملة قوية ضد أردوغان، أما روسيا فقالت إن لتركيا الحق في الدفاع عن نفسها، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أنه ينبغي الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وأنه على كل القوات العسكرية الأجنبية التي لها “وجود غير مشروع” أن ترحل عن سوريا.

فيما راوح الموقف الإيراني بين التفهم –على لسان الرئيس الإيراني حسن روحاني- والتأكيد على أن من حق تركيا تبديد مخاوفها على حدودها الجنوبية، وبين الدعوة من طرف وزارة الخارجية الإيرانية إلى إيقاف العملية العسكرية التركية في سوريا بشكل عاجل وخروج القوات التركية من الأراضي السورية.

وقد رد الرئيس التركي على الانتقادات والمواقف الدولية، بمقال نشره بصحيفة وول ستريت جورنال” الأمريكية، موضحًا الأسباب التي دفعت بلاده لبدئها.

منتقدا المواقف الأوروبية والعربية من العملية. لافتا إلى فرنسا التي قررت منع بيع السلاح لتركيا تجاهلت مرارًا التحذيرات التركية في عامي 2014، و2015م بشأن الهجمات الإرهابية الوشيكة.

أما أعضاء جامعة الدول العربية، الذين وصفوا عملية تركيا في شمال سوريا بأنها غزو، فاعتبر الرئيس التركي ذلك رفضا لجهود تركيا لجمع شمل اللاجئين السوريين بأراضي أجدادهم، ووجه عدة تساؤلات للقادة العرب: كم عدد ضحايا الحرب الذين اعترفوا بهم؟ كم أسهموا في الجهود المبذولة لإنهاء الأزمة الإنسانية في سوريا؟ ما المبادرات السياسية التي دعموها لوقف الحرب الأهلية؟.

وشدد أردوغان على أن بلاده قبل أن تشن العملية في سوريا بالتعاون مع المعارضة السورية، وضعت أمامها أمرًا ثابتًا أنها ليست في خلاف مع أي مجموعة عرقية أو دينية. وقال أردوغان: “من وجهة نظرنا، فإن جميع مواطني الجمهورية العربية السورية- الذين لا ينتمون لجماعات إرهابية- متساوون“..

مؤكدا أن هدف الحملة هو مكافحة حزب العمال الكردستاني، المنظمة الإرهابية المعروفة باسم حزب العمال الكردستاني، إلى جانب المليشيات السورية التابعة لها ولتنظيم الدولة الإسلامية. وأن بلاده تعترض على معادلة حزب العمال الكردستاني مع الأكراد السوريين”، لافتا إلى أن العملية العسكرية ستضمن عدم مغادرة مقاتلي داعش شمال شرق سوريا، وأن نركيا على استعداد للتعاون مع البلدان ذات العلاقة والمنظمات الدولية في إعادة تأهيل أزواج المقاتلين الإرهابيين الأجانب وأطفالهم.

وفي فضح لمواقف الدول الرافضة لـ”نبع السلام”  قال أردوغان : “الحرب الأهلية التي بدأت في 2011م ، لم تشعر أي دولة بألم الأزمة الإنسانية التي أعقبت ذلك أكثر من تركيا. حيث استقبلت 3.6 مليون لاجئ سوري- أكثر من أي بلد آخر- وأنفقنا 40 مليار دولار لنقدم لهم التعليم والرعاية الصحية والسكن. لقد أجبرتنا ثقافة الضيافة على تحمل عبء استضافة ملايين من ضحايا الحرب بمساعدة قليلة للغاية من المجتمع الدولي“.

وقد وصلت تركيا لمرحلة  قصوى من التحمل ، حيث حذرت تركيا مرارا وتكرارا من عدم قدرتها على منع اللاجئين من التدفق إلى الغرب دون دعم مالي ودولي. لكن هذه التحذيرات وقعت على آذان صماء، حيث حرصت أوروبا على تجنب المسئولية واعتبرت تحذيرات تركيا مجرد تهديدات، رغم أن الهدف منها كان بيان الحقيقة، بحسب مقال أردوغان..

وقد  خلصت الحكومة التركية إلى أن المجتمع الدولي لن يتصرف حيال الأمر، لذلك قامت تركيا بوضع خطة لشمال سوريا. وشارك الرئيس التركي الخطة مع قادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي. وبناء على تلك الخطة، أطلقت تركيا الأسبوع الماضي عملية نبع السلام، لإنهاء الأزمة الإنسانية، ومعالجة العنف وعدم الاستقرار اللذين يشكلان الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية في المنطقة.

وأكد أردوغان أنه في حالة عدم وجود خطة بديلة للتعامل مع أزمة اللاجئين، يجب على المجتمع الدولي إما “الانضمام إلى جهودنا” أو “البدء في قبول اللاجئين”،  لافتا إلى أنه كجزء من عملية نبع السلام، سيقوم الجيش التركي مع الجيش الوطني السوري، بإزالة جميع العناصر الإرهابية في شمال شرق سوريا. هؤلاء المسلحون يمنعون اللاجئين السوريين، بمن فيهم حوالي 300 ألف كردي، من العودة إلى ديارهم.

أصل المشكلة :أتاتورك وليس أردوغان

وفي سياق العملية العسكرية، التي تستهدف أول ما تستهدف “بي كا كا” الكردية، ينبي التوقف بعض الشيء عند أصل مشكلة الأكراد في تركيا، ففي مطلع القرن العشرين، بدأت النخب الكردية التفكير في إقامة دولة “كردستان” المستقلة، وبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وضع الحلفاء الغربيون المنتصرون تصورًا لدولة كردية، في “معاهدة سيفر” عام 1920؛ التي تعد أول اتفاقية دولية، أقرت بإقامة كيان كردي، على الرغم من هذا؛ نجح الزعيم التركي “مصطفى كمال أتاتورك” في الالتفاف، على هذه الحقوق، وتوجه إلى الأكراد في الداخل، وخاطبهم باسم الدين والتآخي والوحدة الوطنية، وعمل علي إقناعهم بتأجيل مطالبهم الملحة إلى مرحلة لاحقة، بعد التعهد بتحقيقها، لحين خروج تركيا من أوضاعها السياسية المنهارة، إلا أن هذه الآمال تحطمت بعد ثلاث سنوات، إثر توقيع معاهدة “لوزان”؛ التي رسمت الحدود الحالية لدولة تركيا، بشكل لا يسمح بوجود دولة كردية.

بعد أن نجح “أتاتورك” في إقناع المجتمعين، في مؤتمر “لوزان” بصرف النظر عن فكرة الاستقلال الكردي، وبدلا من ذلك تم إقرار الحقوق، الثقافية واللغوية للأكراد، من خلال اعتماد صيغة سياسية، مؤكدًا: أن تركيا هي للشعبين التركي والكردي، ويتمتعان فيها بحقوق قومية متساوية.

فما إن حصل “أتاتورك” على دعم الغرب له، حتى بدأ بإعلان إلغاء صيغة الدولة الإسلامية للحكم، وتنصل ليس من اتفاقية “سيفر” فقط بل حتى من ما جاء في اتفاقية “لوزان”، بخصوص الأكراد، وباقي الأقليات مثل العرب والأرمن والأشوريين، وهو ما دفع بقيادات كبيرة من الأكراد إلى إعلان الثورة، ضد “أتاتورك” في عام 1925، سرعان ما قمعها بقوة هائلة، وأعدم كبار قادتها، واستمر الصراع حتى عام 1938، ما أدي إلى مقتل، أكثر من سبعين ألف كردي علوي، وتشريد عشرات الآلاف حسب المصادر الكردية، فيما اعترفت تركيا، بمقتل 14 ألف فقط. وبعد إخماد ثورة “درسيم” 1937، بقوة أتاتورك الغاشمة، والتي كانت عملياً آخر الثورات الكردية في تركيا.

توقفت الثورات الكردية، وأصبح كل من في تركيا تركي، حسب نصوص الدستور، وازدانت مداخل المدن التركية وساحاتها، بالشعارات المعلقة: “أنا سعيد لأني تركي”، وأصبح يطلق على الأكراد، صفة “أتراك الجبال“.

وفي العام 1973، أصدرت مجموعة صغيرة، تحت قيادة “عبد الله أوجلان”، إعلان عن الهوية الكردية في تركيا؛ والتي تطلق على نفسها اسم “توريي كردستان”، وقررت بدء حملة من أجل حقوق الأكراد، حاملة شعار تحرير وتوحيد كردستان، ومن ثم فجر كفاحه المسلح، مرة أخري، ضد الدولة التركية، فكانت المسيرة مرسومة بالدماء ، أكثر من 45 ألف قتيل من الجانبين، وآلاف جرائم القتل والاغتيالات، وشرخ اجتماعي هائل بين الأكراد والأتراك، وتوتر في علاقات تركيا مع كل دول الجوار.

بعد أن تأكد للجميع استحالة حل القضية الكردية عسكرياً، كانت تلك المحاولات السلمية؛ التي بدأت من عهد الرئيس التركي “تورغوت أوزال”، الذي دفع حياته ثمنا في العام 1993، لأول محاولة سلمية لحل هذه القضية سياسياً!

أردوغان والملف الكردي

ثم عادت للمشهد السياسي، عملية السلام (التركي – الكردي) من سجن جزيرة “إيمرالي” بعيدا عن الدوافع والحسابات السياسية لكلا الطرفين، وتحديدا للزعيمين “أردوغان وأوجلان”، وكذلك بعيدا عن الأحداث المتسارعة، عالميًا وشرق أوسطيًا، وعلاقتها بالتطورات الجارية في الداخل التركي، وتحديدًا الأزمة السورية وتداعياتها، دفع الرئيس التركي “أردوغان” لإرسال الرجل القوي المقرب منه، رئيس الاستخبارات التركية العامة، “هاكان فيدان”، إلى “أوجلان” في السجن، وفتح مفاوضات معه، من أجل التوصل إلى اتفاق للسلام، حيث يتطلع “الزعيم أردوغان” إلى تحقيق انجاز تاريخي، ونزع سلاح حزب العمال الكردستاني”البي كا كا”، بعدما فشلت المؤسسة العسكرية، في القضاء على الحزب عسكريًا، طوال العقود الثلاثة الماضية.

أراد “أردوغان” تحقيق هذا الإنجاز حتي يغير وجه تركيا، والتخلص من الفكر “الأتاتوركي” وبناء الجمهورية الثانية، التي عمل من أجلها سابقا، “عدنان مندريس” و”تورغوت أوزال”، ولكنهما دفعا حياتهما، ثمناً لذلك، ليس هذا فحسب، بل أراد “أردوغان”، تثبيت دعائم الدولة القوية النموذجية؛ التي يٌقتدي بها في مجالها الإقليمي، والذي وضع هذا النهج نصب عينيه، منذ توليه السلطة، وهو مسعى يصب في خانة كسب الشارع السياسي في المنطقة، على اختلاف مشاربه الفكرية: من إسلامية وقومية وليبرالية، في سياسة تركية مدروسة، هدفها ترسيخ النموذج التركي، دولة إقليمية قائدة، في رسم المسارات الإقليمية، للمنطقة سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

وبعد أن بدأت مفاوضات السلام مع “أوجلان” في أواخر 2012، عندما كان “أردوغان” رئيسا للوزراء، والاتفاق على وقف إطلاق النار لمدة سنة، تراجع مقاتلي حزب العمال الكردستاني”بي كا كا” إلى شمالي العراق، وتم التوصل في عام 2013، لوقف لإطلاق النار بين الطرفين.

سرعان ما انهار وقف إطلاق النار في يوليو عام 2015، بعد عملية انتحارية، اعتبر تنظيم الدولة مسؤولا عنها، وأسفرت عن مقتل 33 من النشطاء الأكراد، في مدينة “سروج” ذات الأغلبية الكردية، قرب الحدود السورية، ومنذ ذلك الحين لقي الآلاف من بينهم مئات المدنيين حتفهم، في اشتباكات في جنوب شرق تركيا، واحتفظت تركيا بوجود عسكري في سوريا منذ أغسطس عام 2016؛ عندما أرسلت قواتها عبر الحدود لدعم هجوم المعارضة السورية ضد تنظيم الدولة.

وخسر الشعب التركي، خسارات باهظة، منذ اشتعال هذا الصراع الدامي؛ الذي اشتعل تحديدا في العام 1984، حيث تشير الاحصاءات، إلى  خسائر بشرية تتراوح بين 40 الف إلى 50 ألف قتيل، من عناصر الجيش التركي، إضافة إلى نحو 10 آلاف قتيل من عناصر الشرطة التركية، إضافة إلى سقوط بين 10و 15 الف قتيل من المدنيين، في حين بلغ عدد قتلى حزب العمال الكردستاني نحو 15 ألف مسلح، أما على صعيد الخسائر المادية، فقد بلغت جملة الخسائر المباشرة، في مجال البنية التحتية، نحو 200 مليار دولار أمريكي، وحسب التقديرات التقليدية المتعلقة بخسائر النزاعات؛ فإن حجم الخسائر غير المباشرة، يعادل في معظم الأحوال 3 أضعاف حجم الخسائر المباشرة.

تحالفات كردية مقلقة لتركيا

واعتمد الوجود الكردي في تواجده، على إقامة تحالفات، سواء أكانت، شرق أوسطية، في البلدان المجاورة مثل (تركيا وإيران)، أم خارجية، مع الغرب (الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وأوربا) لضمان استمرارية وجوده؛ الأمر الذي استغلته القوي العالمية والإقليمية، ورقة للتفاوض، بهدف تأمين نفوذها ومصالحها السياسية، والجيوسياسية، والاقتصادية.

وقلما شهدت القضية الكردية، تقاطعًا للمصالح، بين نزعتها الاستقلالية، ومطامع الدول الكبرى. انتهز الأكراد الحرب المستعرة، في سوريا والعراق، لخروج القضية الكردية مجدداً إلى الضوء، للعب دور أساسي فيها، ولكن كسابق الزمان، تحول دورها مجددًا، إلى ورقة مساومة استراتيجية لتأمين المصالح الغربية، سرعان ما تحترق، عندما يحين وقت استنفاذها.

وهو ما يعبر عنه تعاطف رئيس وزراء اسرائيل نتانياهو مع الأكراد، مطالبا بحمايتهم من العملية التركية!!

كما فعل العرب، الذين لم تحركهم براميل بشار المتفجرة او عمليات روسيا وايران ضد السوريين..

تحديات أمام  “نبع السلام

أولا: حظر السلاح الأوربي إلى تركيا

وأعلنت بعض الدول الأوربية، على رأسها فرنسا وألمانيا، حظرا على توريد الأسلحة التي يحتمل استخدامها في عملية نبع السلام.

وفشل الاتحاد الأوربي في استصدار قرار جماعي بالحظر في 14 أكتوبر الجاري، مع تصريح الممثل السامي للاتحاد بأن القرار يرجع لسيادة كل دولة، واعتراض إيطاليا وبريطانيا على وقف واردات الأسلحة لتركيا.

وبحسب مراقبين ، لا يعتبر القرار ذي قيمة، في ظل تطور المنظومة الدفاعية وصناعات التسليح التركية، في الفترة الخيرة، حيث يتم تصنيع أسلحة أكثر تعقيدا في الآونة الأخيرة في تركيا بما في ذلك الفرقاطات والطائرات الهجومية والطائرات المسيرة،

ويعتمد اردوغان سياسة توطين السلاح، والتي  وصلت لنسبة 68,5% في عام 2016، ثم وصلت إلى ما يقرب من 70% خلال  تسعة الأشهر الأولى من عام 2019.

كما أن لدى تركيا حاليا مشاريع دفاعية متقدمة قيد العمل فعليا بحوالي 77 مليار دولار، بما في ذلك مشروع حاملة الطائرات، والطائرات المقاتلة، ودراسات الفضاء، وأساليب المعركة الإلكترونية.

كما أن استخدام المنتجات محلية الصنع في القوات المسلحة التركية ارتفع في 2018 إلى 65 منتجا، بزيادة كبيرة عن عام 2017 حيث بلغ 20 منتجا فقط.

ومن ثم فإن التصنيع الدفاعي الداخلي يقلل من الضغوط الخارجية الممارسة لإثناء تركيا عن القيام ببعض أدوارها بالمنطقة، وما يتطلبه أمنها القومي، حيث تعددت المرات التي تم فيها رفض أو حظر توريد السلاح لتركيا على خلفية قيام تركيا بعمليات عسكرية أو توجهات سياسية لحماية حدودها أو مصالحها القومية الداخلية والخارجية.

ففي عام 1974 فرضت عقوبات على تركيا بسبب موقفها من شمال قبرص.

وفي ديسمبر 2014 منع الكونغرس الأمريكي نقل فرقاطتين مزودتين بصواريخ موجهة من طراز أوليفر هازارد بيري إلى تركيا بذريعة موقف تركيا العدائي تجاه إسرائيل ومعارضة تركيا لاستكشاف الغاز الطبيعي بواسطة شركات أمريكية بالقرب من قبرص.

وأيضا الكونغرس حظر كذلك توريد تكنولوجيا الطائرات المسيرة إلى تركيا بشكل كامل، ورفضت أمريكا بشكل مستمر توريد أنظمة باتريوت إلى تركيا، على الرغم من تكرار تركيا طلبها منذ عام 1991، وتأكيدها الطلب إبان رئاستي أوباما وترمب.

كما رفضت ألمانيا 8 طلبات تركية لتوريد أسلحة بين عامي 2010 و2015 بذريعة مخاوف تتعلق بملف حقوق الإنسان في تركيا.

ورفضت ألمانيا أكثر من 11 طلبا آخر  لتوريد أسلحة إلى تركيا منذ نوفمبر 2016.

وكان  موقف تركيا قويا إزاء تلك العقوبات، حيث عززت من وجودها في شمال قبرص ولم تمتثل للعقوبات أو التهديدات، لما تمثله قبرص من أهمية جيوسياسية كبيرة لتركيا، ويوجد حاليا فيلق تركي كامل يصل لأكثر من 43 ألف فرد بتجهيزات عسكرية كاملة، علاوة على البدء في إطلاق نواة صناعات دفاعية داخلية تم تفعيلها وتطويرها فبجانب تنمية قطاع الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة، طورت  تكنولوجيا الطائرات المسيرة الخاصة بها منذ عام 2008، وكذا استيراد أنظمة الدفاع الجوي الروسية من طراز إس-400 ردا على عدم تسليمها منظومات الباتريوت.

بل نفذت تركيا  عمليات عسكرية سابقة في سوريا  كدرع الفرات وغصن الزيتون، على الرغم من رفض بعض الدول الأوربية وزيادة الانتقادات الموجهة لتركيا.

ولعل الاتجاهات الاستراتيجية التركية في الاعتماد على نسبة استخدام مرتفعة لأسلحتها محلية الصنع في عملياتها الأخيرة يجعل تأثير قرارات الحظر الأوربية محدودا بشكل كبير، ويمكن الرد عليه باتخاذ إجراءات سياسية بعيدا عن التأثير على العمليات العسكرية.

ثانيا: ألعقوبات الأمريكية

وفي سياق التحديات التي تواجه تركيا، اثر عملية نبع السلام في سوريا، جاء اعلان وزارة الخزانة الأمريكية الإثنين، أن الرئيس دونالد ترمب فرض عقوبات على تركيا تشمل ثلاثة وزراء لإرغام أنقرة على أن انهاء “نبع السلام“.

العقوبات شملت وزراء الطاقة والدفاع والداخلية الأتراك الذين باتوا ممنوعين من إجراء أي معاملة مالية دولية بالدولار الأمريكي وباتت أموالهم في الولايات المتحدة، إذا وجدت، مجمدة.

بالإضافة إلى الوزراء الثلاثة فقد شملت العقوبات الأمريكية وزارتي الدفاع والطاقة التركيتين بصفتهما كيانين.

أيضا  قرر ترمب بحسب البيان وقف المفاوضات الرامية لإبرام اتفاق تجاري مع تركيا، وأعاد فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على واردات الولايات المتحدة من الصلب التركي.

تلك الرسوم الجمركية كانت إحدى التدابير التي لجأ إليها ترمب العام الماضي للضغط على أنقرة للإفراج عن قس أمريكي كانت تحتجزه.

وفي مايو الماضي، خفض ترمب الرسوم الجمركية على الصلب التركي إلى 25%.

وواصل ترامب ، الاثنين، القول أن “القوات الأمريكية التي تخرج من سوريا ستنفذ الآن عملية إعادة انتشار وستبقى في المنطقة لمراقبة الوضع ومنع تكرار ما حصل في عام 2014” عندما سيطر تنظيم الدولة على مناطق واسعة في سوريا والعراق.

وكان ترمب أمر بسحب كل الجنود الأمريكيين من شمال سوريا، والبالغ عددهم حوالي 1000 جندي، وذلك بالتزامن مع بدء تركيا العملية العسكرية.

وفي السياق ذاته، قال وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر ،  الاثنين ، إنه سيلتقي مع أعضاء بحلف شمال الأطلسي الأسبوع المقبل للضغط عليهم لاتخاذ “إجراءات دبلوماسية واقتصادية” ردا على العملية العسكرية في سوريا.

وجاءت المواقف الأمريكية لتعبر عن إشارات متناقضة

منذ إعلان ترامب قبل 8 أيام عن سحب القوات الأمريكية من مواقع على الحدود التركية السورية، يعطي ترمب إشارات متناقضة، مع تأكيده على أن الأمريكيين يجب أن يحرروا أنفسهم من حروب الشرق الأوسط، مهدداً تركيا في الوقت نفسه بـ”تدمير اقتصادها“.

ثالثا: الموقف المتقلب لترامب

فمع أن ترمب أيد العملية العسكرية –ضمنيا- إلا أنه معروف بتغير وتذبذب مواقفه، كما أنه يتعرض لضغوط شديدة داخلية على مستوى الكونغرس وبعض أطراف إدارته، وخارجيا من بعض الدول الأوربية التي رفضت العملية وأدانتها.

ففي الوقت الذي ادان فيه ممارسات الأكرادد الذين قاموا باطلاق بعض قيادات داعش من المعتقلات السورية، بهدف توريط أمريكا في القتال، عاد وانتقد أردوغان مهددا بتدمير الاقتصاد التركي..

كما أن موقف البنتاغون والكونغرس لا يعرف حتى الآن مستوى التأييد داخل البنتاغون للعملية التركية خصوصا مع علاقته التي ترسخت في السنوات الأخيرة مع القوات الكردية، كما ظهر تقارب في الأيام الماضية بين أعضاء في الكونغرس من الحزبين الجمهوري والديمقراطي رفضا للعملية التركية.

رابعا: المدنيون في المدن الكبرى:

وبحسب مراقبين، لن تنجح العملية التركية دون السيطرة على المدن الكبرى في الشمال السوري؛ وفي حين لن يجد الجيش السوري المعارض والقوات التركية صعوبة كبيرة –من الناحية العسكرية- في السيطرة عليها؛ يبقى العائق الأكبر هو اكتظاظها بالمدنيين، وصعوبة وضع اليد عليها دون خسائر بشرية كبيرة بين المدنيين.

وللتعاطي مع ذلك الإشكال يبدو أن القوات التركية ستلجأ لتطويق المدن لفترة معينة حتى ترغم المقاتلين على إخلائها والانسحاب منها دون اشتباكات مسلحة مدمرة.

خامسا: مصير سجناء تنظيم الدولة

فبعد أن تحول الشمال السوري في الآونة الأخيرة إلى “غوانتنامو” جديد وفق تعبير بعض المحللين، حيث يوجد به نحو 20 سجنا، تضم أكثر من 12 ألف مقاتل أجنبي من تنظيم الدولة وعائلاتهم، يتولى المقاتلون الأكراد حراستهم والتعامل معهم في ظروف يصفها بعض المتابعين بالبائسة، وترفض حكوماتهم استقبالهم.

يذهب بعض المحللين إلى أنه من بواعث المواقف الأوربية المنددة بالعملية العسكرية هي قضية تلك السجون؛ حيث تحرص تلك الدول هروبا من مسؤوليتها تجاه مواطنيها على بقائهم بيد قوات غير رسمية وفي مناطق بعيدة عن الرقيب.  ، وذلك كما فعلت أمريكا في 2002 حينما أقامت “سجن غوانتنامو” بعيدا عن الأراضي المريكية، في جزيرة مقتطعة من كوبا وإن كان يشرف عليها الجيش الأمريكي، الا ان القانون المريكي لا يطبق عليها، لضمان تنفيذ المهمة الكريهة بعيدا عن القانون المريكي، اذ ترفض اوروبا وخاصة فرنسا صاحبة العدد الأكبر من المقاتلين ضمن داعش، تسلم مواطنيها، وهو ما يطرح تشددا أوربيا كبيرا إزاء العملية التركية..

نقاط قوة لتركيا:

أولا: -توحد الداخل التركي:

فمن أهم نقاط قوة تركيا في عملية “نبع السلام”، تشكل رأي داخلي موحد، باستثناء حزب “الشعوب الديمقراطي”، الذي يعتبر الذراع السياسية لحزب العمال الكردستاني، فإن كل الأحزاب التركية أيدت العملية العسكرية بما فيها الأحزاب المعارضة.

ثانيا: تفاهم مع القطبين الرئيسيين الأكثر تأثيرا في سوريا:

حيث انتظرت تركيا كثيرا قبل أن تطلق عمليتها العسكرية في الشمال السوري، ويتضح من حسابات الأتراك أنهم حرصوا على عدم إطلاق العملية قبل حصول توافق مع القطبين الأهم الأقوى تأثيرا في سوريا وهما الولايات المتحدة وروسيا. بل كان من اللافت ومن الحالات النادرة -وربما غير المسبوقة- أن تستخدم الدولتان حق النقض في مجلس الأمن لإسقاط مشروع أوربي بإدانة العملية التركية والمطالبة بوقفها.

ثالثا: موقف متوازن من الناتو:

ورغم الصوت الأوربي المرتفع ضد العملية التركية؛ اختار حلف شمال الأطلسي أن يتخذ موقفا وصفه البعض بالمتوازن تجاه “نبع السلام“.

فأمين عام حلف شمال الأطلسي “ناتو” ينس ستولتنبرغ اعتبر أن تركيا لديها مخاوف أمنية مشروعة وتعرضت لهجمات إرهابية مروعة، في تعليقه على عملية “نبع السلام“.

راابعا:انسحاب القوات الأمريكية:

وقبيل انطلاق نبع السلام، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أنها بدأت سحب بعض القوات الأمريكية من مواقع في شمال شرقي سوريا، لتفسح الطريق أمام عملية عسكرية تركية، بدت وشيكة حينها، ضد قوات كردية مسلحة.

ومن المؤكد أن انسحاب القوات الأمريكية يمثل نقطة قوة للأتراك، ولولا الانسحاب لما تسنى للعملية أن تبدأ.

خامسا: تفوق عسكري كبير:

فلا مجال للمقارنة بين تركيا والقوات الكردية، في القدرات العسكرية، ولكن الأهم على صعيد القدرات العسكرية التركية، أنها لن تتأثر كثيرا –وفقا لبعض الخبراء- من قرارات بعض الدول الأوربية بوقف صادراتها العسكرية تجاهها؛ حيث طورت في الآونة الأخيرة قدراتها التصنيعية العسكرية، وأصبحت تصنع الكثير من حاجياتها في المجال العسكري.

مآلات مستقبلية

وبين العراقيل التي تطلقها الاكراف الدولية والاقليمية تستمر العملية التركية، التي تحقق انتصارات ميدانية مهمة، فيما يراهن نظام الأسدعلى طول أمد العملية العسكرية وعدم الحسم السريع ، ما سيخلق لتركيا الكثير من المشاكل داخلياً وخارجياً. وهذا ما يراهن عليه البعض كثيراً.

إلا أن موقف نظام الأسد ينطلق في أساسه من الاستثمار في التنظيمات الكردية في وجه تركيا وبنفس الوقت غير مرتاح لعلاقاتها بأمريكا، وقد خبر مرارة العقاب الأمريكي حال قرر المساس بتلك المليشيات. وهو يعتقد أن الضغط التركي عليها وتخلي أمريكا عنها سيقودها لتسليم مناطقها له ضمن صفقة آنية يمكنه أن ينقضها وقت يشاء وتقوي من أوراقه التفاوضية في أي عملية سياسية، خاصة بعد إجباره على القبول باللجنة الدستورية..

ويبقى الرهان ومعيار نجاح عملية “نبع السلام” في اجبار منظمة سوريا الديمقراطية بكافة أشكالها وتشعباتها، على  تسليم السلاح الثقيل للجيش الوطني التابع للثورة السورية، وً إعلان طلاق كامل مع نظام بشار الأسد، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل عام 2011؛ من السماح بعودة سكان المناطق الأصليين إلى مناطقهم والتوقف عن التغيير الديموغرافي وتغيير أسماء المناطق تحت سيطرتها.

ومع النجاحات الميدانية التركية، وتجنب العدوان على المدنيين واتباع سياسة النفس الطويل في حصار المدن لإجبار المسلحين على الخروج منها، سينال أردوغان احترام العالم، وستصبح لتركيا كلمة مسموعة  في القضية السورية، بجانب تحييد المليشيات الكردية الانفصالية من على حدودها مع سوريا، إضافة إلى القضاء على فكرة إنشاء كيان كردي بين البلدين وإبقاء سوريا موحدة أرضاً وشعباً، علاوة على إقامة منطقة آمنة تُمهد الطريق أمام عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم وأراضيهم بعد نزوح قسري منذ سنوات.

وستكون المنطقة الآمنة المرتقبة على طول 422 كيلومتراً من الحدود التركية-السورية، وبعمق يصل إلى 32 كيلومتراً، وسط تقديرات بإمكانية استيعابها نحو مليوني لاجئ سوري بعد الانتهاء من تأمينها.
سواء عبر قواتها أو الجيش الوطني ألسوري، والذي سبق أن ساهم  بالتعاون مع تركيا في السيطرة على منطقة ريف حلب الشمالي، التي حملت اسم “درع الفرات” عام 2016، وبالسيطرة على منطقة عفرين وما حولها ضمن عملية “غصن الزيتون” عام 2018، بإسناد جوي وبري ولوجستي من قبل الجيش التركي.

يشار إلى أنه، مع انطلاق عملية “نبع السلام” التي أطلقتها تركيا في مناطق شرق الفرات شمالي سوريا، التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، والتي تشكل الوحدات الكردية قوتها الضاربة، شاركت فصائل الجيش السوري الحر في العملية بآلاف المقاتلين، بعد أن توحدت تحت مسمى “الجيش الوطني السوري“.، في الرابع من أكتوبر 2019، في مناطق الشمال عبر اندماج بين “الجيش الوطني” و”الجبهة الوطنية للتحرير” تحت مظلة وقيادة الحكومة السورية المؤقتة التي تتبع للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة.

وأعلن رئيس الحكومة السورية المؤقتة، عبد الرحمن مصطفى، توحيد الجبهة الوطنية للتحرير والجيش الوطني تحت سقف وزارة الدفاع، ليكون بذلك الجيش الوطني مؤلفاً من سبعة فيالق، ويحتوي على نحو 80 ألف مقاتل.

وتنحصر أهداف الجيش الوطني في تحرير كامل الأراضي السورية من الطغاة، ومحاربة الفساد والديكتاتورية والطائفية، والحفاظ على وحدة وسلامة الأراضي السورية، والدفاع عن المناطق المحررة، وإعادة المناطق المحتلة إلى أصحابها الحقيقيين…

خاتمة

ويبقى الخسم التركي السريع للعملية بمشاركة الجيش السوري الوطني، هو الضامن لنجاح “نبع السلام” والتي سيضطر العالم القبول بنتائجها، لصالح استقرار بالمنطقة الملتهبة، خوفا من ورقة اللاجئين التي بيد اردوغان، والتي هي كفيلة بازعاج الغرب وأمريكا، وكذا فإن أزمات السعودية باليمن وفشلها في حماية أمنها وحدودها، سيجعل تصريحاتها محدودة باطار البيانات المناكفة للحكومة التركية، التي ترفض اسكات صوت الصحفي الشهيد جمال خاشقجي، ووقوفها بجانب الحق القطري ضد الحصار الخليجي…

ولعل الجامعة العربية برمتها وموقفها المعبر عن جهل وانتقامية فقط، ستعي ان عملية “نبع السلام” من أجل الحفاظ على الحقوق العربية للشعب السوري المهجر من أراضيه بفعل الدواعش وعصابات بشار وقوى “قسد” الكردية ،التي تشرف على سجون جوانتانامو الجديدة التي تضم الأوربيين الدواعش ، كما يدعمها النظام  المصري مؤخرا باستقبال وفودها بوزارة الخارجية المصرية مؤخرا، وضد مصالح الشعب السوري ، الواقع بين بطش بشار وتلاعب الغرب ومصالحهم…

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *