الرئيسية / أخبار عاجلة / عادل الأنصاري يكتب: قراءة في مشروع التغيير عند الإخوان المسلمين (1-4)

عادل الأنصاري يكتب: قراءة في مشروع التغيير عند الإخوان المسلمين (1-4)

يتزايد الجدل خلال العقود الأخيرة حول ماهية وطبيعة المشروع الإسلامي الذي تطرحه الحركات الإسلامية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها كبرى هذه الجماعات التي تطرح مشروعًا ذا طابع سياسي واجتماعي، يلتحم مع مجريات كثير من الأحداث الإقليمية والدولية، خلال العقود الأخيرة، خاصة في مرحلة الثورات العربية التي وقعت مع مقتبل العقد الثاني من القرن الجديد.

ويحتدم هذ الجدل وترتفع حدته عندما يتعرض الحراك لتنفيذ هذا المشروع لشيء من الجزْر وكثير من التحديات وجملة من العقبات، حينها يكثر -مع تلك العقبات- الحديث عن مدى جدوى المشروع وعن مدى واقعيته وصلاحيته، بل وترتفع الأصوات حينا بعدم وجود المشروع بالكلية، أو بالحد الأدنى عجزه عن التعامل مع معطيات الواقع المعاصر.

ومع ارتفاع الأصوات التي ترفض المشروع أو تشكك في إمكانية تحققه على أرض الواقع، تظهر في المقابل نزعات واضحة من أصحاب المشروع بالتمسك به وسط هذه العقبات مع يقين يخالج أصحابه بنجاح الفكرة وانتصار المشروع.

وبعيدًا عن أصوات التشاؤم ونزعات التفاؤل، لنا أن نطرح سؤالًا: هل تملك جماعة الإخوان المسلمين مشروعًا حضاريًا حقيقيًا للتغيير؟ وهل لديها تصور للتعامل مع الواقع المعاصر بكل تشابكاته ومتغيراته، أم أنها تحمل خطابًا عاطفيًا يستفيد من رصيد التدين لدى عموم المسلمين الذين ينزعون بطبعهم ناحية الدين، ويقبلون التفسيرات التي تقترب مما يعتقدون.

وإذا كان لجماعة الإخوان مشروعًا حقيقيًا ومتكاملًا، فما هي ملامح هذا المشروع؟ وما مدى ملامسته للواقع واقترابه من الحقائق، وهل هذا المشروع هو أقرب إلى الفلسفة النظرية وأبعد منه عن الواقع المعيش، أم أنه يلتحم بهذا الواقع ويتشابك ومعه ويسعى لتحريك مائه الراكد؟

الإجابة على هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فلسفيًا، أو نزقًا فكريًا، أو إغراقًا في مجال النظريات المجردة، بل باتت -خلال هذه المرحلة- ملحة، وأصبح فتح الحديث عنها واجبًا، وصارت الإجابة عليها من ضرورات الوقت ومقتضياته.

وفي هذا الملف نقف على أبعاد هذا المشروع ونتعرف على ملامحه وأبعاده، ومن ثم نقيم معطياته ونطرح محدداته للنقاش والحوار الجاد.

قراءة في مشروع التغيير عند الإخوان المسلمين (2-4)

قراءة في مشروع التغيير عند الإخوان المسلمين

معالم ومكونات حراك المشروع داخل الوطن

  • يتحرك المشروع في مجالين: الأول محلي وطني والثاني إقليمي دولي
  • تنطلق حركة المشروع في المجال الوطني في ثلاث مهام رئيسة: دعوية وثورية وسياسية
  • يتحرك المشروع خارج حدود الوطن في مجالين، الأول: داخل الكيان الإسلامي، والثاني: في المجال الإنساني الرحب.
  • الفرد والأسرة والمجتمع هي مجال العمل للمكون الدعوي.
  • السلطان الأجنبي يقف عقبة كؤودًا أمام استكمال حرية المجتمع السياسية، لذا كان التخلص منه من أبرز أولويات المشروع.
  • تغول السلطان الأجنبي يحرم المجتمع من التعبير عن حريته في اختيار مؤسساته التشريعية والتنفيذية
  • الانتقال من مرحلة البناء الدعوي للمجتمع إلى مرحلة تمكينه من التشريع والحكم لن يكون سلسًا إلا بالتخلص الكامل من السلطان الأجنبي.
  • السلطان الأجنبي غير المسلم يتغول على هوية المجتمع وينسف كل الجهود الدعوية ما لم يتم الخلاص منه.
  • المكون الثوري ينطلق في اتجاهين، الأول: يتمثل في المقاومة المشروعة ضد أي احتلال أجنبي، والثاني: في الثورة السلمية ضد الاستبداد المدعوم من السلطان الأجنبي.
  • إذا تخلص المجتمع من المحتل والمستبد؛ نال حريته وتأهل للحصول على حقه في اختيار مؤسسات التشريع والحكم.

عادل الأنصاري

للوقوف على معالم المشروع ومحدداته وملامحه وأبعاده نبدأ من حيث بدأت الفكرة التي شرحها مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا، والتي شكلت في جمل مختصرة وعبارات محدودة ورسائل معدودة ملامح هذا المشروع، الذي بذل في سبيل تحقيقه وتطبيقه على أرض الواقع مئات الآلاف من المسلمين، في أرجاء المعمورة الأعمار والأرواح بهدف نقله من عالم الفكرة إلى عالم الشهادة.

ولعل حديث الإمام البنا عن خطوات العمل ومراحل التغيير التي تكلم عنها في رسائله تكون هي البداية المناسبة في هذا المقام، والتي يمكن أن ننطلق منها إلى غيرها ونتوسع منها إلى ما يشرحها، حيث أسس البنا لمشروعه بالحديث عن مراحل سبعة للعمل الإسلامي حددها بصورة واضحة:   

  •  إصلاح الفرد حتى يكون: قوى الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته، منظمًا فى شؤونه، نافعًا لغيره.
  •  وتكوين البيت المسلم: بأن يحمل أهله على احترام فكرته، والمحافظة على آداب الإسلام فى كل مظاهر الحياة المنزلية، وحسن اختيار الزوجة، وتوقيفها على حقها وواجبها، وحسن تربية الأولاد وتنشئتهم على مبادئ الإسلام.
  • إرشاد المجتمع: بنشر دعوة الخير فيه، ومحاربة الرذائل والمنكرات، وتشجيع الفضائل، والأمر بالمعروف، والمبادرة إلى فعل الخير، وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية، وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائما.
  • تحرير الوطن: بتخليصه من كل سلطان أجنبي – غير إسلامي – سياسي أو اقتصادي أو روحي.
  • الحكومة: حتى تكون إسلامية بحق، وبذلك تؤدى مهمتها كخادم للأمة وأجير عندها وعامل على مصلحتها.
  • إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية: بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافاتها وجمع كلمتها، حتى يؤدى ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة.
  • أستاذية العالم: بنشر دعوة الإسلام فى ربوعه.

والناظر إلى هذه المكونات السبعة للمشروع الحضاري لجماعة الإخوان- كما صاغه المؤسس- يمكنه أن يقسم المشروع إلى مستويات عدة ومراحل متداخلة ومكونات متراكبة، حيث يمكن تقسيمه إلى مكونين أساسيين كلاهما على مستوى المجال الذي يتحرك فيه، المجال الأول: هو المحلي الوطني، والمجال الثاني: هو الإقليمي والدولي.

وترتكز حركة المشروع في المجال الأول على العمل داخل القطر الواحد أو داخل الوطن الواحد- وفقًا لتعبير البنا – ويكون أمام المشروع في هذا المجال الوطني عدد من المهام تنقسم بدورها إلى ثلاثة مهام رئيسة: المهمة الأولى دعوية، ومجالها إصلاح الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع، والمهمة الثانية ثورية، ومهامها تحرير الوطن من السلطان الأجنبي غير المسلم، أما المهمة الثالثة فسياسية، ومهامها النضال السياسي لتحقيق إرادة المجتمع وتقرير حقه في اختيار سلطة تشريعية «برلمان» وسلطة تنفيذية تتمثل في «الحاكم والحكومة».

أما المجال الثاني للمشروع فيكون في الفضاء الإقليمي والدولي، والذي يكون بمثابة المحددات السياسة الخارجية للمشروع، حيث تكون أمام المشروع مهمتان: الأولى داخل الكيان الإسلامي، أو الأمة بمجملها، والمهمة الثانية تكون خارجه، بالعمل على التأثير ونقل فكرة المشروع من داخل الأمة الإسلامية إلى المجال الإنساني الرحب.

ونقف في هذا الملف بشيء من التفصيل على محاولة لقراءة المشروع الذي تطرحه جماعة الإخوان في المجالين المحلي الوطني من جهة، والإقليمي والدولي من جهة ثانية، ونستمر لنتعرف على المكونات التفصيلية داخل كل مجال لنقترب بذلك من رسم صورة متكاملة عن طبيعة المشروع ومجالات عمله.

أولًا: الحراك داخل المجال الوطني

وبالوقوف عند المجال الوطني للمشروع نجد أنفسنا أمام ثلاثة مكونات رئيسة للمشروع:

  • المكون الدعوي والتربوي.
  • المكون الثوري.
  • المكون السياسي.

المكون الأول: الدعوي والتربوي

ويرتكز المكون الدعوي والتربوي على ثلاث مهمات رئيسة يسعى لتحقيقها وهي:

  •  بناء الفرد ليكون قوى الجسم، متين الخلق، مثقف الفكر، قادرًا على الكسب، سليم العقيدة، صحيح العبادة، مجاهدًا لنفسه، حريصًا على وقته، منظمًا فى شؤونه، نافعا لغيره.
  •  تكوين الأسرة، التي يستهدف المشروع أن تتشرب قيم الإسلام وتحافظ على آدابه وتؤسس جيلا جديدا على مبادئ الإسلام.
  •  إرشاد المجتمع، والتي تهتم بنشر دعوة الخير وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلامية، وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائما؛ وهي المرحلة التي إن تحققت بصورة مناسبة يكون المجتمع مؤهلا للانتقال بالمشروع الإسلامي من المستوى الاجتماعي إلى المستوى السياسي، من خلال ممارسة حقه في أن تكون التشريعات داخل هذا المجتمع متوافقة مع قيمه ومعتقداته ومتسقة مع خياراته واتجاهاته.

المكون الثاني: الثوري

ويبدأ الحديث عن هذه المهمة منذ لحظة ممارسة المجتمع الذي تربى على الإسلام وشاعت فيه الفكرة الإسلامية حتى باتت تشكل رأيا عاما داخل مكوناته، إذ تظهر أمام هذا المجتمع تحديات هائلة وعقبات كؤود تتمثل في وجود عوائق أمام الوصول إلى المجال السياسي الذي يضمن للمجتمع ممارسة حقه في التشريع واختيار من يحكمه.

هذه العقبة الكبرى تتمثل في تغول السلطان الأجنبي الذي يسعى حثيثا لمنع المجتمع من التعبير عن حريته في اختيار من يشرع له ومن يحكمه، إذ تبدأ مراحل أفول ذلك المحتل الأجنبي وفشل مهمته منذ اللحظة التي يصر فيها المجتمع على ممارسة حقه في اختيار من يحكمه، وبالتالي كان اتجاه المشروع الإسلامي لتوجيه المجتمع لمرحلة الخلاص من المحتل هامة في تأمين خياراته الفكرية والاعتقادية دون أن يتغول عليها سلطان جائر أو عدوان أجنبي.

ومن الواضح أن الإمام البنا أدرك أن عملية الانتقال من مرحلة البناء الدعوي والتي تتمثل في بناء الفرد والأسرة والمتجمع إلى مرحلة السياسة- وهي ممارسة حق المجتمع في التشريع والحكم وفقا لرؤيته- لن يكون سلسًا، ولن تمر إلا عبر مرحلة وسيطة تتمثل في الخلاص الكامل من سلطان المحتل السياسي والاقتصادي والروحي، فإن فعل كان الطريق معبدًا وميسرًا للوصول إلى حريته في التعبير عن رؤيته وأفكاره وثقافته.

والناظر إلى الواقع السياسي الذي مرت به الأمة خلال القرنين الأخيرين يدرك أن السلطان الأجنبي غير المسلم سعى وبكل قوة لهدم وتشويه مقومات الهوية الثقافية والفكرية، ونسف كافة الجهود الدعوية والتربوية التي يمكن أن يكون المشروع قد نجح في إنجازها، مما يجعل المشروع غير قابل للانطلاق، وإلا فإن كافة هذه الجهود ستضيع سدًى ما لم تتوفر لها الحماية السياسية اللازمة، وبدون ممارسة المجتمع لحقه في اختيار مؤسساته.

وبذلك كان لزامًا ليستكمل المشروع انطلاقه ويصل إلى غاياته أن يظهر هذا المكون الثوري الذي يقوم بدور الخلاص من السلطان الأجنبي في مرحلة سابقة وواجبة قبل إفساح المجال رحبًا وواسعًا أمام ممارسة المجتمع لحقه في حرية اختيار المؤسسات التشريعية والتنفيذية.

إلا أن للمكون الثوري في إطار مشروع الإخوان مستويين:

  • الثورة السلمية: وتتمثل في النضال من أجل فرض حق الشعوب والمجتمعات في اختيار مؤسساتها في مواجهة سلطان الاستبداد المحلي، والذي يستمد قوته وطاقته وعنفوانه من السلطان الأجنبي، وبالرغم من أن الاستبداد المحلي يستند على السلطان الأجنبي ويحتمي به إلا أن الخيار الذي يتبناه مشروع الإخوان هو الثورة السلمية على الفساد والاستبداد المحتمي بالآخر لمحاولة خلخلة وجوده وبقائه واستمراره والسعي الدائب والكامل للتخلص منه.
  • المقاومة المشروعة: وتكون هذه المقاومة إذا ظهر السلطان الأجنبي بصورة مباشرة غير مستترة وظهر بصورة جلية من خلال تواجد عسكري مباشر على أرض الوطن، حينها تكون المقاومة المشروعة هي الحل الناجع والمناسب للتعامل معه بدون مواربة، وبهذا يمارس المجتمع حقه الكامل في استقلاله ومنع العدوان عليه والحفاظ على هويته وثقافته.

 المكون الثالث: السياسي

وإذا ما تمكن المجتمع من الخلاص من السلطان الأجنبي من خلال تفعيل كافة أدوات المقاومة المشروعة ثم تخلص من أذنابه وأتباعه بالمقاومة السلمية، فيكون في هذه الحالة مؤهلًا لممارسة حقه في حرية اختيار مؤسساته السياسية التي تتمثل في اختيار مؤسساته التشريعية والتنفيذية، بعيدًا عن العقبات والمعوقات التي يمكن أن تحول بين المجتمع وبين ممارسة حقه الأصيل في الحرية.

وبذلك نجد أن المكون الأول للمشروع المركزي لجماعة الإخوان المسلمين يستهدف تحقيق أدوار دعوية مع الفرد والأسرة والمجتمع؛ لنشر الفكرة الإسلامية الشاملة وتوفير قناعات فكرية بها، وصناعة تيار جامع حولها يعاضدها ويناصرها ويتحمس لها.

أما المكون الثاني للمشروع المركزي للجماعة فيتمثل في تحرير الوطن من السلطان الأجنبي ومن الاستبداد المحلي المدعوم بالسلطان الأجنبي، أما المكون الثالث فهو انطلاق المجتمع نحو تحقيق خياراته السياسية التي تتناسب مع مقومات ثقافته وهويته ومن ثم اختيار المؤسسات التشريعية والتنفيذية التي تتشكل للتعبير عن رؤية أغلبية المجتمع أو التيار الواسع منه، وهو ما يتم وفق آليات ديمقراطية حديثة ثبت من التجربة أنها مناسبة لإفراز حكومات ومؤسسات تشريعية وتنفيذية تعبر عن تيارات المجتمع والرؤى الغالبة داخله.

قراءة في مشروع التغيير عند الإخوان المسلمين (3-4)

مفاهيم تأسيسية في طبيعة المشروع

  • مشروع الإخوان المسلمين يحمل على المستوى الوطني مكونات ثلاثة: دعوية وثورية وسياسية.
  • التكوين الثلاثي للمشروع يحسم الجدل حول الفصل أو الوصل بين السياسي والدعوي.
  • المقصود هنا الحديث عن الفصل التكويني وليس الفصل الإداري الذي يخضع لاعتبارات تنظيمية ورؤية خاصة بكل تجربة على حده.
  • المسار السياسي في مشروع جماعة الإخوان لا يأتي منبت الصلة عن المسار الدعوي.
  • المسار الدعوي في المشروع يتبني إحداث حراك فكري في المجتمع ويساعد على صناعة الرأي العام ويمهد للحراك السياسي في بيئة مواتية. 
  •  الاتجاه الغالب على الأحزاب السياسية ينطلق من تيارات فكرية تحدد طبيعة الحزب واتجاهاته وهويته الثقافية.
  • المجتمع يظهر في المشروع كنقطة ارتكاز وحلقة الوصل بين المكون الدعوي والتربوي من ناحية، وبين المكون السياسي والثوري من ناحية أخرى. 
  • انطلاق المشروع للعمل الفكري والدعوي مع المجتمع قبل الحكم يجعلنا أمام مشروع مدني ديمقراطي تنتفي عنه صفة الفاشية والثيوقراطية.
  • المشروع مدني مجتمعي يسعى لترجمة إرادة المجتمع إلى فعل سياسي وهو حق مشروع لكل مجتمع.
  • يستهدف المشروع بناء مجتمع [مدني] يفهم الإسلام فهمًا شاملًا قريبًا من مشكاة النبوة ويمارس حقه في التعبير عن تصوراته السياسية وفقا لآليات ديمقراطية حديثة.

عادل الأنصاري

هناك مفاهيم تأسيسية للمشروع الإسلامي لجماعة الإخوان المسلمين، ربما ثار حولها الجدل وكثر عنها الحديث ودارت مقارنات بينها وبين كثير من المشاريع والتحركات السياسية والدعوية المتفاعلة على الساحة، فهناك حديث متواتر حول جدلية الوصل والفصل بين الدعوي والسياسي، وهناك حديث متزايد حول الدولة الإسلامية وطبيعتها ومكوناتها ودورها، وهناك نقاش حول طبيعة الخطاب المواكب للمشروع والذي يطرح المشروع تارة في إطار الحديث عن الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة، وبين خطاب سياسي مغاير لكثير من العاملين في حقل السياسة من أبناء المشروع الإسلامي حول الرغبة في الوصول إلى دولة مدنية ديمقراطية حديثة.

ولعل هناك مجالًا في هذا الجزء من الدراسة للحديث حول هذه المفاهيم التأسيسية للمشروع ودلالاتها، والخيوط الرفيعة الفاصلة بين مكوناتها وذلك من خلال العودة لطبيعة المشروع وموارده الأولى.

بين الدعوي والسياسي

ولعل التكوين الذي ذكرناه للمشروع والذي يحمل مكونات دعوية وثورية وسياسية يكون هو المفسر وربما الحاسم للجدل الدائر حول الفصل أو الوصل بين السياسي والدعوي، وما نقصده هنا هو الحديث عن الفصل التكويني وليس الفصل الإداري الذي يخضع لاعتبارات تنظيمية ورؤية خاصة بكل تجربة على حده، إلا أن النقاش حول مزايا الفصل وسوءات الوصل التكويني مرده إلى وجود صعوبات في قراءة المشروع الإسلامي الذي تتبناه جماعة الإخوان المسلمين بهذه التراتبية التي تجمع بين المحدد الدعوي الذي يركز على توفير رأي عام داخل المجتمع يؤمن بالمشروع ويتبناه ويضحي من أجله، وبين المكون السياسي الذي يسعى لممارسة هذا المجتمع لحقه في اختيار مؤسسات التشريع والحكم وفقا لرؤيته باعتباره حقًا أصيلًا للمجتمع عليه أن يمارسه وفقًا لقواعد وآليات الديمقراطية الحديثة.

ومن الواضح أن الحديث الشائع عن ضرورة الفصل بين الدعوي والسياسي مرده إلى عدد من الأسباب منها:

  •  عدم التفرقة بين الحديث عن الكيانات السياسية التي قصرت جهدها وحراكها على المجال السياسي حتى وإن كان إصلاحيًا، وبين الكيانات التي تحمل مشروعًا إحيائيًا شاملًا يسعى للحراك في مساقات متعددة لتحقيق أهداف المشروع.

والواقع أن مشروع جماعة الإخوان المسلمين هو من النوع الذي يتحرك في مسارات ثلاثة، الأول: فكري دعوي، والثاني: ثوري مقاوم، والثالث: سياسي؛ وهي المسارات التي تسير متتابعة أحيانًا، وتسير متزامنة متسقة أحيانا أخرى في إطار مشروع إحيائي شامل، لا في إطار حزبي يفتقد إلى المشروع الشامل.

  • المكان الذي يحتله المسار السياسي في المشروع الإسلامي الذي تطرحه جماعة الإخوان المسلمين لا يأتي منبت الصلة عن المسار الدعوي الموازي، والذي يتبني إحداث حراك فكري وثقافي داخل المجتمع، ويساعد على صناعة الرأي العام المواتي لفكرة المشروع، ويمهد الطريق أمام الحراك السياسي في بيئة مواتية.
  • الاتجاه الغالب على الأحزاب السياسية ينطلق في الغالب من تيارات سياسية وفكرية تحدد طبيعة الحزب واتجاهاته وهويته الثقافية، والدعوة لهذه الفكرة تسير في الأساس جنبًا لجنب مع تسويق الفكرة وكسب الرأي العام لها، إذ يكون التيار السياسي والفكري لهذه الأحزاب بمثابة المشروع الفكري الدعوي الذي ينتمي له الحزب السياسي.
  • هناك أحزاب سياسية تجعل هذا الحراك «الدعوي» لفكرتها جزءًا أصيلًا من مكونات العمل الحزبي، وهو ما تقوم به وحدات التثقيف السياسي والفكري داخل الأحزاب التي تحمل طابعا فكريًا، وسواء كان الحراك الدعوي للحزب ذو الطابع الفكري داخلًا في مكونات الحزب السياسي أو خارجًا عن مكوناته، إلا أنه في المجمل يقوم بأدوار تكاملية مع المسار السياسي في إطار منظومة واحدة.
  • الأحزاب السياسية التي لا تملك مشروعًا فكريًا تجد في الغالب صعوبات كبيرة في الاستمرار والبقاء في عالم السياسة، نتيجة انكشافها من الظهير الفكري وافتقارها للمشروع الذي تتحرك في إطاره.

دلالات تراتبية المشروع

ويبدأ مشروع البنا بالمكون الدعوي والتربوي الذي يستفتح بتربية الفرد، وتكوين الأسرة المسلمة ثم إرشاد المجتمع قبل أن ينطلق إلى توليد قناعات بضرورة تحرير الإرادة الوطنية من السلطان الأجنبي، سواء المباشر من خلال الاحتلال العسكري، أو غير المباشر من خلال المستبد المحلي المحتمي بالسلطان الأجنبي.

ولعل تراتبية المشروع والتي تبدأ مع الفرد والأسرة والمجتمع قبل الولوج إلى مجال السلطة وعالم السياسة يحمل جملة من الدلالات:

  • أننا أمام مشروع مجتمع وليس مشروع مؤسسة أو جماعة أو هيئة، ربما تمارس الهيئات والمؤسسات والجماعات في هذا المشروع دورًا فاعلًا، إلا أن حالة النجاح التي يحققها المشروع مرهونة بالحراك داخل المجتمع وحالة القناعة بالفكرة العامة للمشروع.
  • أننا أمام مشروع يظهر فيه المجتمع كنقطة ارتكاز رئيسة حيث يمثل المجتمع حلقة الوصل بين المكون الدعوي والتربوي من ناحية وبين المكون السياسي والثوري من ناحية أخرى، مما يعني أن المجتمع هو نقطة الانطلاق المركزية للمشروع وليس قوة المؤسسة التي تسعى لصناعة الرأي العام وتشكيله.
  • أن حركة المشروع باتجاه أهدافه مرهونة بالمجتمع وتشبعه بفكرته المركزية وليست مرهونة بالمؤسسة أو الجماعة التي تسعى لصناعة الرأي العام المواتي للفكرة، وبالتالي فإن معيار نجاح المشروع بصورة أساس تكمن في تقبل المجتمع للفكرة وقدرته على حمايتها والحفاظ عليها، فإذا لم تتحقق خروقات ونجاحات في قناعة المجتمع للمشروع وحمايته له، فهو مؤشر على صعوبة الانتقال للمكون الثوري أو المكون السياسي للمشروع.
  • أننا أمام مشروع مدني يرتكز على التعامل والتفاعل مع المجتمع، حيث يأتي الحراك السياسي للمشروع تاليًا على تهيئة الرأي العام داخل المجتمع وبذلك نكون أمام مشروع مدني، يسعى لترجمة إرادة المجتمع إلى فعل سياسي وهو حق مشروع لكل مجتمع، وهذا الترتيب يأتي على النقيض الكامل مع الطروحات الثيوقراطية أو الفاشية العسكرية، والتي ترتكز على فرض إرادة مجموعة أو كيان على الدولة بصورة مباشرة دون المرور بحلقة الشعب أو المجتمع –وفقا لأسس ديمقراطية يسهل قياسها– حيث تملك هذه الحلقة الحق الأصيل في اختيار طريقة الحكم وطبيعة من يحكم ويشرع للمجتمع.

ولعلنا نوضح الفارق بين المشروع الإسلامي والطروحات الفاشية أو الثيوقراطية من خلال التعرف على طبيعة المعادلة التي تصنع كلا من المشروع الإسلامي والطرح الثيوقراطي أو الفاشي، فالأول يطرح نفسه وفقًا لمعادلة:

التعامل الفكري مع مفردات المجتمع > صناعة الرأي العام داخل المجتمع > دخول المجال السياسي وفقا لآليات ديموقراطية  

بينما الطرح الفاشي العسكري يتم وفقًا لمعادلة مختلفة تتمثل في:

صناعة مؤسسات السيطرة >  السيطرة على المجال السياسي >  مصادرة المجال السياسي

  • وبالتالي فإن تدرج المشروع من صناعة أو تجديد الفكرة لدى مكونات المجتمع ثم تكوين رأي عام، لدى المجتمع مناصر للفكرة ثم الولوج إلى المجال السياسي وفقًا لآليات ديمقراطية، بينما تصنع الطروحات العسكرية والفاشية.

مدني ديمقراطي أم إسلامي على منهاج النبوة؟

كثيرًا ما يتم طرح هذا السؤال الذي يراه البعض في إطار التناقضات بين المجال الفكري والنظري للمشروع الإسلامي وبين التصريحات السياسية لكثير من قادة الحركات الإسلامية خاصة ممن يمارسون العمل السياسي، إذ تؤكد الكتابات النظرية للمشروع على استهداف تحقيق دولة إسلامية على منهاج النبوة، في حين تؤكد التصريحات السياسية التي تصدر من أصحاب المشروع نفسه عن دولة مدنية ديمقراطية حديثة.

ويتيح هذا الطرح الظاهر لأسئلة حول ما يمكن أن يكون نوعًا من الازدواجية في الخطاب وضربًا من التعارض بين السياقات النظرية والمسارات العملية الواقعية؟، وما إن كانت مستهدفاتها الوصول إلى دولة إسلامية على منهاج النبوة كما ينتشر في أدبياتها، أم أنها تستهدف الوصول إلى دولة مدنية ديمقراطية حديثة كما يبدو ظاهرًا في خطابها الإعلامي والسياسي؟

وللنظر في هذه التعارض الظاهر لنا أن نعود إلى طبيعة المشروع التي تكلمنا عنها من قبل، والتي تبدأ بالعمل في إطار الفرد والأسرة والمجتمع بهدف تكوين رأي عام لدى مكونات المجتمع بطبيعة المشروع ومنطلقاته الفكرية، ثم ينطلق المشروع إلى المرحلة التالية في تكوين الحكومة المتناغمة مع طبيعة المجتمع وميوله وأفكاره وفقًا لآليات مدنية ديمقراطية حديثة.

وبذلك نجد أن المشروع يستهدف على سبيل الدقة بناء مجتمع [مدني] يفهم الإسلام فهمًا شاملًا قريبًا من مشكاة النبوة، مع الاحتفاظ بحق هذا المجتمع في اختيار مؤسساته التشريعية والتنفيذية، التي تعبر عن أفكاره وتصوراته للحياة وفقًا للآليات الديمقراطية الحديثة، ومن ثَم فإننا لا نجد مجالًا للازدواجية والتعارض بين الخطاب الذي يطالب بمجتمع يقترب من منهاج النبوة، وبين خطاب يسعى لضمان حق هذا المجتمع في اختيار مؤسسات الحكم وفقا لآليات ديمقراطية حديثة.

دولة أم حكومة

يشيع في الخطاب السياسي والإعلامي مصطلح (الدولة الإسلامية) باعتباره أحد المستهدفات الهامة والرئيسة للمشروع الإسلامي، سواء الذي ينطلق من رؤية جماعة الإخوان المسلمين، أو من رؤية بقية الحركات الإسلامية بما فيها تلك الحركات التي انتهجت العنف في تحقيق أهدافها والوصول إلى غاياتها.

والحقيقة أننا بحاجة إلى وقفات مع المصطلح، لنتبين مدى دقته في التعبير عن حقيقة المشروع الإسلامي الذي تطرحه جماعة الإخوان المسلمين ومستهدفاته، ولنا مع هذا المصطلح والتفريق بينه وبين مصطلح الحكومة عدة وقفات:

  • وقفة مع نشأة مصطلح الدولة، والتي من الواضح أنها جاءت مع نشأة الدولة الإسلامية الأولى في عهد النبوة، إذ تؤكد حقائق التاريخ أن الجزيرة العربية لم تشهد مفهوم الدولة بمعناها العلمي، والذي يشمل الأرض والشعب والحكومة، إلا في عهد النبوة ثم في عهد الخلافة الراشدة وما تلاها من دول.

بل إن الدولة بالمفهوم العلمي شهد تطورًا كبيرًا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، والذي أنشا الدواوين، وأسس بيت المال، ونقل من بلاد فارس والروم كثيرًا من الأدوات والآليات في إدارة شؤون الحكم، ثم تزايدت وتيرة التحديث الإداري لنظم الإدارة والحكم في عهد بني أمية وفي عهد بني العباس وما تلاها من عهود.

والخلاصة.. فإن مفهوم الدولة جاء للدلالة على أمر مستجد لم يكن موجودا من قبل العهد النبوي حيث لم تكن هناك لدى العرب دولة، فارتبط مفهوم الدولة عند العرب بظهور الإسلام على غير سابقة أو مثال عندهم، وهو على خلاف الحال في مرحلة الإحياء الجديدة التي يتبناها مشروع جماعة الإخوان المسلمين، حيث يأتي طرح المشروع بعد أن استقر مفهوم الدولة ولم يعد هناك حاجة إلى تأسيسها من جديد، بل تأتي الحاجة بصورة واضحة من خلال طرح الإمام حسن البنا إلى إصلاح الحكومة أو تغييرها وفقًا لرؤية المجتمع وقناعاته والرأي العام السائد فيه.

  • وبالعودة إلى المشروع الذي تطرحه جماعة الإخوان المسلمين، والذي عرضنا له من خلال المكونات السبعة للمشروع الإسلامي، لا نجد حديثًا عن الدولة، بل نجد حديثًا بعد تكوين الفرد والأسرة والمجتمع عن الحكومة التي تعبر عن رؤية هوية المجتمع وقناعاته الفكرية.

ولعل السبب الرئيس وراء غياب الحديث عن الدولة في تراتيبية المشروع هو:

  • أن الدولة قائمة بالفعل في الأوطان الإسلامية التي يستهدفها المشروع الإسلامي لجماعة الإخوان لتكون مجالًا لعمله وحراكه، وليس هناك مجال لإيجادها من عدم، على خلاف الواقع في الجزيرة العربية في عهد النبوة، حيث لم يكن كيان الدولة قائمًا، وإن امتلك المجتمع العربي حينها بعضًا من مقومات الدولة كالأرض والشعب، إلا أنه افتقد في المجمل الحكومة التي تقوم على شؤونه وتسوس حياته، إلى أن أسس النبي صلى الله عليه وسلم الدولة الأولى في المدينة المنورة على غير سابقة عند العرب.
  • عدم الإشارة للدولة في مفردات المشروع وفقًا للعناصر السبعة التي طرحها الإمام البنا، قد يكون الهدف منها التأكيد على الانطلاق من الواقع، ولعل حركة البنا للدعوة في المحيط العربي جاءت وفقًا للواقع وانطلاقًا منه، فكان التعامل- حتى في المجال التنظيمي للجماعة- منطلقًا من مكونات الدول العربية القائمة في وقتها، فكان للدعوة فروعًا في كل من فلسطين وسوريا والعراق ولبنان وغيرها من الأقطار، دون أن يشغل البنا نفسه برفض هذه الكيانات الوطنية القائمة.
  • الدور الذي بذله البنا في تأسيس الجامعة العربية في إطار مكوناتها المتاحة يؤشر على انطلاقه من التكوين الواقعي للخريطة العربية دون انشغال المشروع بتعديله أو رفض الاعتراف به.

قراءة في مشروع التغيير عند الإخوان المسلمين (4-4)

​​​​​​​قراءة في مشروع التغيير عند الإخوان المسلمين

  حراك المشروع داخل المجال الإقليمي والدولي

  • الوحدة تعد مرتكزًا رئيسًا للمشروع الإسلامي الذي تطرحه جماعة الإخوان بداية من تجميع جهود الأفراد والأسر إلى توحد المجتمعات والشعوب
  • الوحدة التي يتوخاها المشروع هي وحدة شعوب قبل أن تكون وحدة حكومات ومؤسسات دولة
  • المجتمعات التي حصلت على حقها في اختيار مؤسساتها التشريعية والتنفيذية أقدر على ترسيخ الوحدة من الحكومات التي تفرض الوحدة على شعوبها دون إرادة منها
  • والوحدة بين الشعوب لا تعني الاندماج الكامل أو اختفاء الفروقات بين الأوطان، بل تظل الاختلافات الفردية بين المجتمعات قائمة والثقافات الفرعية واردة .
  • المشاعر والشعائر والهوية والتكامل الاقتصادي والعسكري تأتي في مقدمة ما تتوحد عليه الشعوب والمجتمعات في ظل المشروع.
  • ينطلق الحراك الدولي للمشروع بثلاث مكونات، الأولى: باتجاه القوى الباغية والمعتدية، والثانية: باتجاه الحكومات المسالمة، والثالثة: باتجاه شعوب العالم.
  • المقاومة ورد الاعتداء من أهم الإجراءات في التعامل مع القوى الباغية.
  • قيم التسامح والعدالة والمساواة والتعاون في المتفق عليه من أبرز ما يطرحه المشروع للتعامل مع الحكومات المسالمة.
  • الرحمة والأخوة الإنسانية وعلاقة الدعوة من أبرز المحددات في التعامل مع شعوب العالم.

عادل الأنصاري

إذا كان المجال الوطني هو المجال الاول لحركة المشروع، فإنه لا يقف عند هذه المرحلة ولكنه يسعى لتأمين بقائه واستمراره من خلال الحراك الإقليمي والدولي، وتكون البداية من المجال الوطني حيث يبدأ تحرك المشروع في مجال الفرد ثم يسعى إلى تأمين بقاء الفكرة لدى الأفراد من خلال توسيع مجال التبني بالاحتماء بالأسرة، ثم يسعى إلى احتماء الأسرة التي يمكن أن تعصف بها العواصف من خلال المجتمع.

وإذا تكون لدى المجتمع رأي عام بفكرة المشروع فلن يتمكن هذا المجتمع من الوصول إلى حقه المشروع في تكوين المؤسسات التشريعية والتنفيذية المتسقة مع رؤيته وهويته في ظل وجود سلطان أجنبي أو استبداد محلي مدعوم من السلطان الأجنبي، وهو ما يحدد الخطوة التالية للمشروع بضرورة التخلص من السلطان الأجنبي والاستبداد المحلي حتى ينطلق المجتمع إلى آفاق التنمية والاستقرار.

ثم يأتي الدور على المجتمع الذي نال حريته وتمكن من الحصول على حريته في اختيار مؤسساته التشريعية والتنفيذية، ليجد نفسه أمام تحديات كبرى على مستوى الفضاء الإقليمي والدولي إذا لم يجد من هذا الفضاء عونًا له على استمرار بقائه والحفاظ على كيانه، بل ربما يجد كثيرًا من المهددات التي يمكن أن تعصف بالمشروع جملة وتفصيلًا إذا لم يجد سبيلًا لتأمين المشروع في المجال الإقليمي والمجال الدولي.

1- الحراك داخل المجال الإقليمي

ويأتي المكون الثاني للمشروع الشامل لجماعة الإخوان المسلمين لينطلق من المجال الوطني إلى المجال الإقليمي والدولي ليكون هذا الحراك بمثابة المحددات الجامعة للسياسة الخارجية للمشروع والتي كان من أبرز ملامحها:

  • تعد فكرة الوحدة في المشروع الإسلامي الذي تطرحه جماعة الإخوان المسلمين مرتكزًا رئيسًا لها، حيث ينطلق المشروع من فكرة الوحدة على مختلف مستوياتها وتبدأ بصورة عملية بانطلاق الفرد إلى الكيان الأوسع وهو الأسرة التي تلتقي على الفكرة وتنطلق منها، ثم تنطلق الأسرة إلى الكيان الأرحب وهو المجتمع، ثم ينطلق المجتمع للتعاون على البر والتقوى مع كافة المجتمعات التي تتماثل معه في الفكرة والرؤية وتحمل ذات المشروع وإن بدرجات متفاوتة.
  • الوحدة التي يتوخاها المشروع هي وحدة شعوب قبل أن تكون وحدة حكومات ومؤسسات دولة، فالأولى تملك مقومات البقاء والاستمرار، بينما الثانية سريعًا ما تفشل في تحقيق أهدافها، ولعل الأمثلة التي شهدها التاريخ المعاصر تؤكد أن وحدة الحكومات إذا كانت منبتة الصلة عن الشعوب فلن تفلح ولن تحقق أي أثر ملموس، على غرار ما حدث في تجارب الوحدة العربية بداية من الجامعة العربية ومرورًا بالكيانات الوحدوية التي تمت من خلال الحكومات بعيدًا عن مقومات الشعوب.
  • وبالتالي فإن الوحدة التي يطرحها المشروع تبدأ من وحدة المجتمعات التي تمكنت من الحصول على حريتها في اختيار المؤسسات التشريعية والشعبية المنتخبة بطرق ديمقراطية، حينها ستكون الوحدة بين هذه الشعوب أكثر استمرارًا، وأقدر على الاستقرار منها عندما تكون بين حكومات غير منتخبة ولا تعبر بشكل حقيقي عن المجتمعات والشعوب التي تنتمي لها.

ولعل تراتبية الوحدة الإقليمية بين المجتمعات المسلمة والتي تأتي في بداية الحراك الإقليمي، وبعد انقضاء مهمة الحراك المحلي أو الوطني تعني أن الأمور مرت في كل مجتمع بذات المراحل التي بدأت بالتكوين الدعوي للفرد والأسرة والمجتمع ثم التكوين الثوري بالاستقلال من المحتل الأجنبي ومن المستبد المحلي المحتمي بالمحتل الخارجي، ثم بالحراك السياسي الذي يضمن وجود حكومة منتخبة انتخابًا ديمقراطيًا صحيحًا معبرة عن ثقافة المجتمع وتوجهاته الحقيقية وقناعاته الفكرية،

فإن توفر للمجتمع هذه المقومات كان الطريق أمامه مفتوحًا لتحقيق وحدة حقيقية مع الشعوب والمجتمعات التي تتماثل أو تتقارب مع ثقافته وأفكاره؛ لتلقي وحدة الفكرة والثقافة مع وحدة المصلحة ووحدة المصير لتكون معبرًا إلى منظومة إقليمية متوازنة وقادرة على صناعة نهضة حقيقية لبلادها.

  • والوحدة بين الشعوب لا تعني الاندماج الكامل أو اختفاء الفروقات بين الأوطان بل تظل الاختلافات الفردية بين المجتمعات قائمة والثقافات الفرعية واردة، فلكل قطر ووطن خصوصيته في التعامل مع المشروع إلا أن الاتجاه العام للمشروع يتماثل في غالب مكوناته ومجمل توجهات.

ونطرح هنا جملة من الخصائص التي تميز هذا الوحدة عن غيرها:

  • وحدة مقاصدية لا صورية، فالوحدة المستهدفة تعنى بالمقاصد قبل أن تعنى بالصور والشكليات، فهي ليست قوالب جامدة تتعسف تجميع الشعوب قسرًا دون مراعاة ما بينها من فوارق، فالمقاصد والغايات عندها تسبق الصور والأشكال، ولعلها تبدأ في تحقيق هذه الوحدة من خلال اتفاقات بين الدول الأعضاء أو من خلال مجالس شعبية منتخبة تقوم بأدوار تنسيقية جادة لها صفة الإلزام أكثر ما تحقق من خلال وحدة جبرية لا تثمر واقعًا على الأرض، ولعل من أبرز المقاصد لهذه الوحدة: 
  • وحدة المشاعر، فكل طرف يشعر بما دونه وكل مكون يتكامل شعوريًا مع بقية مكونات الأمة.
  • وحدة الشعائر، ويقصد به شعائرها الدينية من صلاة وصيام وحج.
  • وحدة مكونات الثقافة الرئيسة، ولا يعني ذلك أن يكون هناك خصوصيات ثقافية لدى كل شعب لا يتعارض مع الثوابت الثقافية والأخلاقية للأمة.
  • تكامل الموارد من خلال تعظيم المشترك –وهو كثير- دون أن تغض الطرف عن الاختلافات الواقعية بين الشعوب دون أن تسعى إلى دمجها.
  • حماية الهوية في أطر تنسيقية بين مكوناتها مع مراعاة أن لكل شعب هويته التي لا تتعارض مع هوية الأمة الأصيلة.
  • حماية الحدود في إطار اتفاقات دفاع مشترك بين مكوناتها. 
  • وحدة رادعة لا معادية.. فهي تردع وتمنع القوى الإقليمية والعالمية عن مهاجمة المجتمعات والشعوب المسلمة أو الطمع في خيراتها، أو السطو على مقدراتها أو السعي إلى تشتيتها أو صرفها عن خططها التنموية أو استهداف هويتها وعقيدتها، ولكنها لا تستهدف الهجوم على الأمم الأخرى ولا تسعى إلى فرض رؤيتها أو عقيدتها أو هويتها على الآخرين في إطار احترام متبادل بين الشعوب على اختلاف عقائدها وأفكارها وانتماءاتها.
  • وحدة تعايشية لا صدامية.. فهي تتعايش مع شعوب العالم على اختلاف ثقافاتهم وعقائدهم ولا تؤمن بإلزام أحد أو قهره على فكر أو رأي أو عقيدة ولكنها تطرح ما عندها من خلال منابرها الثقافية والعلمية والإعلامية، فهي تؤمن بحوار الحضارات لا بصدامها.
  • وحدة متنوعة لا أحادية.. إذ تستوعب هذه الوحدة اختلاف المكونات بين المجتمعات حيث تستوعب في مكوناتها أصحاب الديانات والعقائد المختلفة فتحترم خصوصياتهم، وتضمن حريتهم في أداء عباداتهم وطقوسهم، كما تستوعب في داخلها المكونات القومية والخلافات الثقافية والعلمية دون أن تفرض رأيًا أو فكرًا أو ثقافة على مكون قومي.

2- الحراك في المجال الدولي

ويرتكز الحراك في المجال الدولي على من المحددات تحكم التعامل مع المجتمعات والقوى الدولية إذ يميز المشروع بين ثلاثة مكونات دولية:

الأول: وهو القوى الدولية الباغية والمعتدية وويتعامل المشروع الإسلامي معها وفقًا للمحددات التالية:

  • رد العدوان ومقاومته بكل الطرق المشروعة.
  • اعتبار العدوان على مكون من المجتمع الإسلامي أو وطن من أوطانه هو عدوان على كافة الأوطان ومختلف الشعوب الإسلامية وجب على الجميع التكاتف –وفقًا لمقتضيات الشرع– لتحريره والتعاون لمنع العدوان عليه، وقد بدا هذا المحدد واضحًا بصورة عملية في التعامل مع قضية فلسطين حيث تعامل معها مشروع جماعة الإخوان المسلمين على أنها أرض إسلامية وجب على جميع المسلمين أن يتكاتفوا في تحريرها وبذل الجهد في رد العدوان عنها.
  • التحام الحكومات الإسلامية المنتخبة من الشعوب انتخابًا ديمقراطيًا مع إرادة لشعوب الإسلامية التي ترفض العدوان وتؤكد على وحدة المصير بين الشعوب، وهو على خلاف ما يحدث في ظل أنظمة مستبدة غير منتخبة حيث تتفاعل الشعوب الإسلامية مع قضايا التحرر الوطني لمثيلاتها من الشعوب والمجتمعات الإسلامية، بينما لا تتعاطى الحكومات المستبدة وغير المنتخبة مع أشواق الشعوب وتوجهاتها.
  • تفعيل مواثيق الدفاع المشترك بين الحكومات الإسلامية لرد العدوان على أي جزء أو قطر إسلامي.
  • رفض التبعية لأي من الدول المستبدة والراغبة في التوسع، والتعامل معها بعد رد العدوان معاملة الند للند لا معاملة التابع للمتبوع 

الثاني: هو القوى الدولية المسالمة: وتحكمها عدد من المحددات: 

  • التعاون في المتفق عليه فيما يحقق مصلحة الشعوب وفقا لقاعدة [نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعصنا بعضا فيما اختلفنا فيه].
  • توحيد المواقف في المتفق عليها.
  •  ترسيخ قيم التسامح والعدالة والمساواة.
  • رفع درجة التواصل لحل المشاكل الدولية والإقليمية بصورة ودية.

الثالث: شعوب العالم ويحكمها عدد من المحددات: 

  • علاقة الأخوة الإنسانية: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا}.
  • علاقة الرحمة بالناس عامة: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.
  • علاقة القسط والموضوعية: {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}.
  • علاقة الدعوة والتعريف برسالة الإسلام من خلال القدوة وإزالة أسباب الشقاق والتقارب مع المدعو.

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *