زندقة

كتبه:الاستاذ هشام حماده

صخب يتعالى طبله و زمره . صيحات فرح الأطفال من حول بائعي الحلوى تتقاطع .رقصات الصوفية تطرب لها بغداد و زرافات من العلماء تستهدف قصر الخليفة المقتدر.
– ماهذا يا أحمد ؟
– إنه النيروز يا حلاج.
تسبح عينا الحلاج في الأفق متمتما وكأنه يرى مشهدا هناك:
– وأنا متى أتنورز؟
– وما نيروزك؟
– ………..

***********************

الخليفة المقتدر وسط كوكبة من العلماء و القراء ووزرائه و قواد جنده لا يمل أن يسمع الطرائف و المدائح وجديد الأخبار . تتناثر على مسامعه الأخبار تبدأ من طرائف و غرائب الثياب و المتاع والجواري و الدواب في مدن العراق و الشام و مصر وتمر بأخبار الولاة و القضاة و الثغور وتتوقف عند مقالات الحجاج وكتبه و مواعظه لتعود لأخبار الشراب و الطعام و الثياب .
-القرامطة يتحركون في الجنوب.قال أحدهم .و ما القرامطة ؟ أعاد الثاني الحديث لمساره الأنيق.
– الروم يحتوشون بالحدود في الشمال. خَدشَ آخر نعومة المقال . وأين هم من جندنا؟ يقول ثالث فيعود الهواء الطيب يحيط برأس الخليفة وكأسه.
– الحلاج يكتب كتبا عن الحكم و السلطان؟
يهرش الوزير حامد رأسه ويبتسم الخليفة قائلا: وماذا يريد الحلاج؟حارني أمره. أمتصوف عازف عن لذائذ الدنيا؟ أم عابدٌ منقطع عن أحوالنا؟ أم فقيه يبث الفتوى وهو عليم؟ أم رجل سياسة و حكم ليكتب فيها؟
– إنه ساحر على علاقة بالجن و العفاريت. أتذكر أبا خليل (ينظر لصاحبه) يوم كنا بمكة فاشتهينا الحلوى فخرج لحظات ليعود بحلوى ساخنة لم نعهدها . فلما خرجت إلى السوق ببعضها أنكر باعة الحلوى أن تكون صنعت بمكة وأنها حلوى من قرية زبيدة البعيدة. إنه يقدم لضيفه فاكهة الصيف في الشتاء و فاكهة الشتاء فى الصيف.
يزدرد المقتدر رشفة من قدحه الفضي الكبيرالذي لا يشف عن نبيذه ولا يعلق .
– بل أراه متصوفا منقطعا عن الدنيا أغوته مجاهداته القاسية فأفسدت عقله وظن أنه من الله بمكان.
يزدرد المقتدر قطعة من الحلوى فيتبعه الوزير حامد بمثلها. ويتبارى الناس في إتيان السلطان بالبرهان.
– إنما أراه فقيها متهربا من مناصب الفتوى و القضاء فيدعي الجنون.
– أما أنا فأراه مجنونا حقا قد حبب إليه الخرائب و العزلة و النفور من طبيعة العمران و الناس.
– ماأراه إلا فاسقا يشدو بالخمر .
يضع الخليفة قدحه وتدور عيناه فيمن حوله قارئا وجوههم.
– بل هو إنسان تافهٌ كذاب وصاحب حيل تعلمها من الحواة و الدجالين يتوق للشهرة بغرائب الطرق.
يزم الوزير حامد شفتيه استخفافا بينما يزدرد المقتدر بعض شرابٍ بقى في حلقه.
– تذهبون للعرَض وتتجاهلون أصل المرض . ما الحلاج إلا زنديق يقول انه والله شيء واحد. لقد سمعت منه الكفر بأذني . قالها مقرئ بغداد الأشهر .
نفض الوزير حامد بمروحته ثوب الخليفة من بعض فتات حلوى سقطت عليه.
تباينت الآراء في الحلاج تتقاطع وكؤوس الشراب و قضمات الحلوى و مضغات النقل حتى أخرج أولهم كتابا فقرأ منه:
– فأى عبادة تقبل عند الله من خانعٍ لحكم ظالم؟ …عبادة العابد تحت حكم هوى ليست بشيء – يقلب صفحة – الظلم شرك فى شرع الله والحاكم المجافي لحال الشريعة بهواه كالقائل ماعلمت لكم من إله غيري…وهنا يقول(يقلب صفحة)…إذا كان الرزق في أهل السلطان وحاشيته أيسر من كد الناس فهو الظلم..وإذا كان الفسق أيسر مآخذ الرزق فهو الظلم ..وإذا كان عطاء السلطان بهواه فهو الظلم…وإذا كان الرزق فى القرب من السلطان ووزرائه فهو الظلم …
استشاط الجو و زكم بريح حريق و غبار رماد. أخذتهم الصاعقة و الصمت فلم يوقف القارئ أحد ….
وإذا كثر الفقراء فهو الظلم …وإذا كانت هيبة السلطان في نفوس العلماء و القضاة أكبر من هيبة الله فهو الظلم…ولا يكون العلماء علماء ولا القضاة قضاة فإنما يخشى الله من عباده العلماء .إن هم إلا قشرة زائفة على ثمرة عفنة مغضوب عليهم من الله …كل من رضى بقرب وزرائه و عماله هالك ..وكل من وادهم ملعونٌ بهم.

اسود وجه القاضي وانتفخت أوداج الوزير حامد واحمر وجهه ولم يصبر على مزيد من الصفحات المقلوبة فثار على صمت الخليفة المأخوذ بغرابة الأفكار مشدوها بها و متعجبا كيف لايدرك الحلاج أن الخليفة يد الله و قناة مشيئته.
– الرجل مجنون ٌ إذن . “اختار الخليفة مقالته أخيرا.”
– بل خطير جدا يامولاي. “احتد الوزير حامد.” إنه يحرض الناس عليك . أتدري ماذا لو آمن الناس أن دينهم منقوص بطاعتك؟ إنه يرى طاعتك شركا بالله واتباعا للهوى.والله مابقينا إن بقى.
يلتفت الخليفة لمقرئ بغداد فيستعيده مقالته فى الحلاج.
– قلت بأنه زنديق.
– هو ذلك.
– نعم هو ذلك
– المحاكمة العاجلة.
– سيفسد دين الناس إن بقى.
– ماحكم الزنديق ياقاضي القضاة؟ القتل , أليس كذلك؟
– الشهود؟
– بغداد ملأى بالشهود . بغداد تنتظر الخلاص.
– سيدي قضاتنا حنفية أو شافعية يقبلون توبة الزنديق.
– لابد من قتل هذا الكافر.
– فليكن قاضيا مالكيا فإنهم لايأخذون بتوبة الزنديق.
– والكتب ؟ماذا إن هلك و بقيت الكتب؟
– احرقوها . قال كبير القراء.
-إلا واحدا نحفظ فيها هرطقاته وزندقته فلا يلومنا الناس. “لمعت عينا الوزير بفكرة ذاك العالم.”

رسولٌ يدخل بأخبار القرامطة في الجنوب ,يليه آخر بأخبار الروم في الشمال . قادة الجند يرقبون إشارة الخليفة . رسول آخر ينبئه بعصيان خادمه مؤنس في الشام .الخليفة ينزل على رأي الوزير حامد . محاكمة الحلاج في صباح الغداة . قائد الشرطة يطير خارجا.

*********

– ومانيروزك يا حلاج؟
– يوم أُصلب؟
– تخيفني.
– لا يخيفني. فإنه علامة النيروز وموعدهم عند ساحل البحر.

******
على الصليب في اليوم الأول عاتبوه ألا تتوب؟
– ما أردت ….. قالها وغُص حلقه فقد قطعوا ذراعيه.
في اليوم الثاني قطعوا ساقيه.
– ماسلكتَ إلا باطلا.قالها الجلاد .
قال “إلا… ” وجف حلقه.
في اليوم الثالث قال الجلاد “أردتَ أن تفتننا. أن تضلنا”
قال الحلاج ” أن أحرركم ……” ضرب الجلاد رأسه.

قال الغوغاء حتى على الصليب يجدف و يتزندق . لكن صبي تحت الصليب كان يجمع الكلمات من فمه صرخ: ماأراد إلا أن يحرركم .
الشيخ الشبلي ستر الغلام يكتم فمه , يهمس في أذنه” حرر نفسه “

******************* منقول

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *