دروس مستفادة من ملحمة غزة

بقلم: د. يحيى عثمان

من المؤكد أن نصر الله للفئة المؤمنة القليلة، التي لا يمكن مقارنة مواردها وإمكاناتها المادية بآلة البطش الصهيونية، هو توفيق لمنظومة شاملة ومتكاملة من الأسباب، بعد الإيمان والتوكل على الله تعالى، هذه المنظومة من إدارة حكيمة للصراع واعية بكيفية التوظيف الأمثل للموارد المحدودة، وأهمها الإنسان.

سنركز هنا فقط على البيئة التربوية التي بنت هذا المجاهد الذي لم تستطع هذه العصابة التي تحمل الحقد المتراكم لدحر قبائل قريظة وقينقاع وبني النضير ويهود خيبر، وتدعمها كل القوى التي تخشى الصحوة الإسلامية سواء من أعداء الأمة أو من الداخل.

محور الأسرة:

أسرة مجاهدة تعلم أنها في رباط، وعليه فقد تحررت من زخرف الدنيا:

1- تيسر متطلبات الزواج، نحتاج في معركة الوجود إلى تكثير عدد المرابطين.

2- وضوح الغاية من الزواج: بعد الإعفاف، التفرغ لبناء الجيل الذي سيحرر الأقصى، ومن ثم التعالي عن التفاهات التي قد تؤدي في مجتمعات الترف إلى ضياع الطاقات في مشاحنات عائلية، وتعوق تربية الأولاد.

3- اقتصاد الضرورة: البعد عن الترف، فقط متطلبات الحياة الأساسية، وتوجيه كل وجُل الجهود للمعركة.

4- الألفة المجتمعية: تعيش غزة ألفة مجتمعية قلما توجد في أي مجتمع، إن التعاضد والتآخي بين الأسر في غزة تطبيقاً حياً للآية الكريمة: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10) نتيجة التوافق نحو غاية واحدة؛ تتمثل في الجهاد من أجل تحرير كل شبر في فلسطين.

محور التربية:

تعددت مجالات التربية عند المجاهدين الفلسطينيين؛ حتى خرَّجت هؤلاء الأبطال، ومن ملامح التربية لديهم:

التربية الروحية: ربط الأولاد بالله، تابعت حفلاً لـ1500 فتى وفتاة أتموا حفظ القرآن، حضره الشيخ المجاهد إسماعيل هنية، رئيس مجلس الوزراء حينها، ولنا أن نتصور الأثر النفسي على الفتية لحضور رئيس الوزراء لهذا الحفل، والأهم المشاركة والتنافس بين أجيال ليس في حفظ القرآن، فقط بل تدبره ومعايشته.

التربية الجهادية: كل شرائح المجتمع تحرص على التربية الجهادية، لا فرق بين رجل وامرأة، شيخ وطفل، قادر ومصاب، الجميع يعيشون حياة جهادية، انظر إلى بعض الصور التي أبهرت العالم من طفلة لم تتعدَّ الثامنة وهي تصرخ في وجه جندي مؤجج بالسلاح ترعبه بنظراتها، أو طفل يكاد يمشي يتابع جنود الاحتلال بحجر، هذا ليس انفعالاً آنياً، بل هو محصلة تراكمية لتربية جيل، لا يعلم غير أبطال الإسلام وشرف دفاعهم عن القدس.

شرف الشهادة: فهو ليس فقط أُمنية الشباب، ولكن حتى الآباء والأمهات يطلبونه لأبنائهم، انظر إلى عيون أم تودع ابنها الشهيد، وتفتخر وتقول: “لمثل هذا أنجبته”.

شمولية مفهوم الجهاد: وهو ما يتمثل بالجدية في الدراسة، أياً كان فرع التخصص الدراسي، فهو في النهاية يجب أن يكون قيمة تراكمية لقوة المقاومة.

النموذج الأمثل: إن إعطاء كوادر المقاومة الإسلامية نموذجاً للحياة الجهادية سواء في حياتهم أو شهادتهم، يثير مشاعر من الضياء للأجيال التي تقتدي بهم، ولعل حياة أحد الأبطال الشهداء في المعركة الأخيرة وهو د. جمال الزبدة -الذي يُطلق عليه أنه “محرك صواريخ حماس”- فرغم الإغراءات والضغوط التي تعرض لها، فإنه وظَّف قيمته العلمية للجهاد، وعاش على كفاف الحياة، ودكت صواريخه -بفضل الله- عاصمة الصهاينة، لقد كان (رحمه الله، نحتسبه شهيداً) نموذجاً للجهاد العلمي يحتذى به.

Total Page Visits: 43 - Today Page Visits: 1

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً