أخبار عاجلة

حتى لا تنحرف التجربة التونسية عن مسارها الديمقراطي

بحري العرفاوي:

دوائر الانتماء

الشعوب عادة توحدها التهديدات الخارجية أو الكوارث الطبيعية أو الاستبداد والمظالم، فتحتاج إلى استجماع جهودها وعواطفها لمواجهة تلكم المخاطر وتحاول أن تقاوم بمقادير متفاوتة.

غير أن تلك الشعوب سرعان ما تبرد عواطفها وتضعف روابط وحدتها بمجرد ارتخاء قبضة الاستبداد وظهور بوادر انفراج الأزمات وزوال الكوارث، وخاصة حين يحل موسم “البركات” وجني ثمار النضال والصبر، فتضعف الأنفس وتحضر الحسابات الضيقة والمصالح الخاصة والحزبية.

حين تستشري بين المواطنين النوازع الفردية والعصبيات الحزبية والأيديولوجية، يدخلون متاهات الخصومة والصراع وتتوالد الأحقاد والضغائن، ويدخلون مرحلة “النكاية” و”الكيد” وحتى “الخيانات”؛ حين يستقوي بعضٌ على بعضٍ بأطراف خارجية، وهو ما يهدد السيادة الوطنية والسلم الأهلي.

حين يصبح مفهوم “الانتماء” أضيق من الوطن ومن الإنسانية، نكون قد دخلنا مسارات الفوضى والقلق والاحتراب. متى يعي الساسة وأصحاب الأيديولوجيات بأن “الانتماء” له أكثر من دائرة يفتح أدناها على أعلاها وأضيقها على أوسعها؟

متى يعي الساسة وأصحاب الأيديولوجيات بأن “الانتماء” له أكثر من دائرة يفتح أدناها على أعلاها وأضيقها على أوسعها؟


1- الانتماء الحزبي/ الأيديولوجي


بمعنى الاصطفاف الحزبي أو الأيديولوجي أو حتى الجهوي، ضمن مجموعة يرى “المنتمي” إليها أنها تعبر عن ذاته بما هو فكرة ومشاعر وبما هو أحلام ومطالب وأشواق.

وهنا قد يتحول “الانتماء” إلى “هوية” يتطبع بها الفرد ضمن جماعته ويُعرَف ويُعرَّفُ بها، كأن يقال “إسلامي” “يساري” “عروبي” “تجمعي” “ندائي” وغيرها من العناوين الجامعة لمجموعة من الناس.

من حق أي فرد أن يكون له “انتماؤه” يختاره لنفسه ويحترمه الآخرون لا يتدخلون فيه ولا يذمونه، سوى من حيث آثار الأفعال حين تكون مضرة بالآخرين، كما على كل ذي “انتماء” أن يحترم انتماءات غيره، فلا يكابر أمامهم بانتمائه ولا يتعالى عليهم، ولا يَصمهم بما يسيء إليهم، ولا يدعي لنفسه “الحق” و”الحقيقة” ولا يتهم الآخرين بـ”الضلال”.

2- الانتماء الوطني المشترك

وقد يكون “الانتماء” بمستوى أوسع من الأول حين يكون “انتماء” للوطن فتكون نظرتنا لكل شركائنا في الوطن كونهم شركاء في المواطنة وكونهم يستوون معنا في الحق والواجب، هذه النظرة تحررنا من ضيق الحزب وسجن الأيديولوجيا، وتحررنا من الحقد والكراهية وتعافينا من الصراعات الطاحنة، فلا ننظر لشركاء الوطن من ذوي الانتماءات المختلفة إلا بما هم تعبير عن ثراء الوطن وخصوبته، فنبحث عند غيرنا عن بعض الحقيقة المبثوثة فينا جميعا، ونطلب عندهم نُصرةً للحق الذي نعشقه بدرجات.

ما الذي يجعل رئيس الحكومة المكلف يعجز لحد الآن عن تشكيل حكومته، بعد كل هذه اللقاءات مع قادة الأحزاب والجماعات ومع عدد من الإعلاميين والمثقفين والنقابيين والشخصيات الوطنية؟


النظرة “المواطنية” منتجة لكيمياء المحبة والتسامح ومولدة لوقود التدافع والتجدد والتكامل من خلال حركة النقد والنصح والزجر والمعاقبة بروح العدالة التي لا تملك عاطفة ولا انتماء، ولا تنتصر إلا لذاتها بما هي عدالة وبما هي حق وبما هي حقيقة.

ما الذي يجعل رئيس الحكومة المكلف يعجز لحد الآن عن تشكيل حكومته، بعد كل هذه اللقاءات مع قادة الأحزاب والجماعات ومع عدد من الإعلاميين والمثقفين والنقابيين والشخصيات الوطنية؟ لماذا كلما ظن أن قد توفق في إيجاد ائتلاف برز خلاف ورفض سياسيون العمل مع سياسيين آخرين؟ إلى أي حد يمكن أن ينتظر التونسيون وهم يتحملون أعباء البطالة وغلاء الأسعار وهبوط قيمة الدينار وتطاول الخارجين عن القانون على الدولة ومؤسساتها؟

3- الانتماء إلى الهوية الإنسانية

وقد يتسع الانتماء ليتجاوز الحزبي والوطني نحو “الإنسان”؛ بما هو إنسان أودع الله فيه أعظم أسراره ونفخ فيه من روحه وشرفه بأمانة “الخلافة”، أمانة الخلافة منوطة بـ”الإنسان” من آدم إلى آخر دفعة من الجنس البشري قبل أن يُنفخ في الصور.

“الخلافة” تشمل المجهود العقلي والبدني والروحي الذي تبذله البشرية بمختلف أجناسها ودياناتها ولغاتها ومواقعها الجغرافية.

إن الإيمان بالله يَفتحُ على عوالم رحبة أرحب من الجغرافيا ومن الأحزاب والأوطان والأديان، حين نستحضر أن الله هو “ربّ الناس” وأن رحمته “وسعت كل شيء”، وأن قوانينه المبثوثة في الطبيعة وماضية على كل مخلوقاته؛ لا يختلفون فيها ومعها وإن اختلفوا حول تشريعاته.

في عالم “الناس” لا تقوم السلم والحرب على أساس ديني أو سياسي أو عرقي، وإنما على أساس الصلاح والفساد، العدل والظلم، السعادة والشقاء.

كم أشعر بالألم والشفقة معا وأنا أرى مواطنين من عموم الناس أو من نخبتهم يخوضون ضد بعضهم معارك شرسة؛ دفاعا عن حزب أو أيديولوجيا؟


هذا الوعي بوحدة الهوية الإنسانية يخفف من العداوات العرقية والدينية والحزبية، ويفتح على مبدأ “التعارف” بما هو استفادة الجميع من الجميع، وبما هو تكامل تجارب ومهارات من أجل مصالح الناس في معاشهم وأمنهم ومستقبل بناتهم وأبنائهم.

كم أشعر بالألم والشفقة معا وأنا أرى مواطنين من عموم الناس أو من نخبتهم يخوضون ضد بعضهم معارك شرسة؛ دفاعا عن حزب أو أيديولوجيا أو عن “حصة” في مغنم حكم أو نفع عابر؟

لا يمكن أن ينهض مجتمع ما لم ينطلق ساسته ونخبه وعموم مواطنية من نظرة أشمل لـ”الانتماء”؛ تتجاوز الحزب نحو الوطن ، وتتمثل “الإنسان” الذي نكدح جميعا من أجل أن نكونه، هذا “الإنسان” المتجه نحو الله “يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه”.

اللاهثون” نحو السلطة والمال والوجاهة هم سالكون طريقا آخر غير طريق “كدح” “الإنسان”، وأنهم بلا “خير” ولا “صلاح”.

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً