تهيئة نفسية لاعتقال أحد أفراد الأسرة

قلم: عبدالرحمن فهمي

مسيرة الثورة التي انطلقت – ولا تزال تواصل مسيرها رغم ما يبدو للناظر من تعثرها بعض الشيء – لا بد لها من تضحيات، والدعاة إلى الله تعالى الذين نذروا أنفسهم إلى الله – عز جل – لا بد أن يكونوا على استعداد دائم لتلقي قدر الله بالبلاء حيث وقع على الرغم من أن المؤمن لا يستسلم للبلاء ولا يتمناه، لكن إن جرى قدر الله عليه فليعتصم بربه صابرا ثابتا بتثبيت الله، ومن هذا البلاء السجن الذي تعرض له الدعاة قديما وحديثا وعلى رأيهم أنبياء الله كيوسف وموسى؛ حيث هدده فرعون بالسجن، وقديمًا خاطب الفرعون الظالم – رأس السلطة الطاغية في مصر آنذاك – سيدنا موسى عليه السلام: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (الشعراء: 29)، وكذلك في عصور الظلم والاستبداد التي تسجن وتهدد بالسجن كل من لا يسير في ركابها، في كل عصر ومصر.

والاستعداد للسجن والاعتقال يحتاج إلى أمور عدة، يأتي على رأسها حسن الصلة بالله – عز وجل – والاستعانة به، وحسن ترتيب البيت الداخلي (الزوجة والأولاد)، وتهيئتهم لهذا الاحتمال؛ وذلك حتى نقود المعركة بصبر وصمود وثبات واستمرار، دون حدوث صدمات أو توقفات.

الأب أو الزوج بالنسبة للأسرة عصب الحياة، ودينامو الحركة، وحامي طريق النجاح، ومفجر طاقات الإبداع، ومصدر الرعاية والحماية، وقائد المسيرة تربويًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وغيابه بلا شك يخلِّف فراغًا في كل هذه الميادين؛ لذا وجب أن نبحث كيف نهيِّئ الأسرةَ للتحسُّب لغيابه، ومحاولة التحصين والتعويض بشتى الوسائل والطرق التي يمكننا القيام بها.

* لماذا اعتُقل أبي أو عمي فلان (الرجل الصالح)..؟!

غياب الأب أو الأشخاص الصالحين الذين يعرفهم الطفل بسبب الاعتقال يثير تساؤلاتٍ متباينةً لدى الأبناء، كلٌّ حسب الجهد المبذول في تهيئته، وخصوصًا حينما يرى الابن قوات الشرطة تحاصر البيت وتقتحم الحجرات وتقلب البيت رأسًا على عقب؛ لذا وجب أن نوضح الصورة ونبين للابن أسباب هذا الاعتقال:

1- اعتُقل أبوك يا حبيبي من أجل شيءٍ مشرِّف وعظيم، وهو خدمة دعوة الإسلام، والعمل في جماعة عالمية علنية مشرِّفة.

2- اعتُقل أبوك لأنه ينادي بإصلاح بلده والسعي للرقي بوطنه؛ حتى يكون في عِداد الدول المتقدمة، والسعي لأستاذية العالم؛ حتى نكون بحق خير أمة أخرجت للناس.

3- اعتُقل أبوك يا حبيبي لأنه يقاوم الظلم والظالمين الذين يفسدون البلاد ويجرون بها للتخلف ويسرقون خيراتها وينشرون فيها الفواحش والضلال والانحراف.

* توضيح الصورة الحقيقية للأب

ذهب أحد أبناء المعتقلين إلى المدرسة صباح اليوم التالي لاعتقال أبيه، فقال لزملائه: ألم تعلموا أن أبي طلع حرامي (أي سارق)..؟! قالوا له كيف ذلك ونحن لا نعلم عن أبيك إلا كل خير؟! فقال داهمت الشرطة منزلَنا الليلة الماضية وقبضَت على أبي، وهل الشرطة تقبض إلا على الحرامي السارق؟!

لذا وجب أن نؤكد الصورة الحقيقية للأب في نظر الابن فنخاطبه بالآتي:

– ارفع رأسك يا حبيبي وافتخِر بأبيك فهو رمز عظيم للوطن، اعتُقل أبوك وسُجن وهذا شرفٌ عظيمٌ، فالجميع يعلم أن أباك رجلٌ صالحٌ محترَمٌ، لا غبارَ عليه طوال حياته، مستقيم في طريق الحق، لم يرتكب عملاً شائنًا أو غيرَ مشرِّف أو ضارًّا ببلده، بل على العكس فأبوك من أكثر الناس حبًّا لوطنه وحرصًا على تقدمه والعمل لرفعته وجعْله في أحسن مكانة.  

* عظماء كثيرون سُجنوا قبل أبيك

سُجِن أبوك يا ولدي أو سُجن عمك فلان ليلتحق بقافلة العظماء الذين سُجنوا في سبيل الله بغير ذنب اقترفوه، إلا أنهم يرفعون راية الدعوة إلى الله، ويرجون الإصلاح، ويرفضون الظلم، وعلى رأس هؤلاء يا حبيبي:

(1) سيدنا يوسف عليه السلام: وهو نبي من أنبياء الله، لبث في السجن بضع سنين، ثم خرج معزَّزًا مكرمًا، وزعيمًا في قومه، فالسجن للصالحين يجعلهم زعماءَ وقادةً ورموزًا وطنيةً عظيمةً، تأخذ بيد المجتمع إلى التغيير والإصلاح ومقاومة الفساد.

(2) رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو وصحابته الكرام في مكة المكرمة: وهو ما يُعرف في السيرة النبوية بـ(حصار شعب أبي طالب)، واستمر هذا الحصار ثلاث سنوات بمثابة سجنٍ قاسٍ لأكرمِ خلق الله تعالى مع صحابته الكرام، حتى كانوا لا يجدون طعامًا بل يأكلون جلود الميتة وأوراق الشجر؛ ولا يخرجون منه ولا يبيعون لأحد ولا يبتاع منهم أحد ولا يتزوجون ولا يزوجهم أحد..!! وبصبرهم وجهادهم واستمرارهم في طريق الله تعالى جعلهم الله تعالى قادةً للعالم وأساتذةً للدنيا بأسرها وكانوا الزعماء الفاتحين.

(3) شخصيات عظيمة مشهورة في التاريخ تعرضت للسجن: فقد سُجن الإمام ابن تيمية (شيخ الإسلام) وسُجن الإمام أحمد بن حنبل، وسُجن الإمام الشهيد حسن البنا- رحمهم الله جميعًا- وغيرهم الكثيرون من عظماء الإسلام الذين سُجنوا في سبيل الله.

(4) شخصيات معاصرة محبَّبة لنفس الطفل تعرضت للسجن: مثل الشيخ الشهيد العظيم أحمد ياسين، والدكتور الشهيد العظيم عبد العزيز الرنتيسي.

(5) أشخاص في البيئة المحلية يعرفها الطفل ويحبها ويتعامل معها: سُجن عمك (أحمد) جارنا أو عمك (فلان) الذي تحبه، وهو من رموز الإخوان، ومن خِيرة الناس، وخرج شجاعًا يعمل للإسلام ليل نهار، ولم يتوقف لأنه مخلص لدعوته، حريصٌ على وطنه.

* أطفال عظماء في غياب الأب

لا تقلق يا حبيبي فالأب نعمة من الله تعالى، ولكنَّ غيابه ليس معناه ضياع المستقبل أو نهاية الحياة، فالراعي الحقيقي هو الله- سبحانه وتعالى- والتاريخ يشهد بوجود أطفال عظماء كثيرين، غاب عنهم الأب ولكن لم يغِب عنهم كنف الله تعالى وحمايته ورعايته، أمثال:

1- سيدنا إسماعيل عليه السلام: (غاب عنه أبوه 15 سنة)، وكلنا يعلم أنَّ سيدنا إبراهيم ظل يتوق للولد ويدعو ربه ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ (الصافات: 100)، ولم يُرزَق الولد إلا عندما بلغ من العمر 86 عامًا، وعندها أتاه أمر الله تعالى أن يذهب بزوجته أمنا هاجر) وابنه (سيدنا إسماعيل) ليس إلى السجن بل إلى مكانٍ أفظع منه، فالسجن به وسائل إعاشة أمر أن يذهب بهم إلى صحراء جرداء لا بشر فيها ولا زرع ولا ماء ولا مصدر من مصادر الحياة، واجتهد سيدنا إبراهيم أن يأخذ بالأسباب فأخذ لهم سقاء به ماء ووعاء به تمر، وبعد فترة نفد ذلك الزاد، وعطشت الأم، وجف لبنها، وتشحَّط الطفل الرضيع حديث الولادة، وأشرف على الموت، وذهبت الأم تبحث في الصحراء وتجري بين جبلي الصفا والمروة سبعة أشواطٍ ترمز إلى رعاية الطفولة فلم تجد شيئًا ثم عادت لتجد الخيرَ يتفجر من تحت قدمي الرضيع ليس خيرًا يكفيها وابنها فقط بل خيرًا يغمر البشرية كلها إلى يوم القيامة، وظلت تربيه وحدها حتى بلغ عمره 15 عامًا.

حينما عاد سيدنا إبراهيم من رحلة الدعوة إلى الله- عز وجل- ليؤمر بذبحه فيمتثل سيدنا إسماعيل وتمتثل الأم العظيمة التي ربَّت ابنها وحدها وتعبت عليه طوال السنين، ويأتي بعد ذلك الفداء بذبحٍ عظيم ليبين لنا قيمة الأسرة العظيمة التي هي عنوان للرضا والتسليم بأمر الله تعالى.

2- سيدنا يوسف عليه السلام: (غاب عنه أبوه 40 سنة) ألقى به إخوته في البئر ثم خرج ليتربَّى في قصرٍ من خير قصور الدنيا ثم دخل السجن ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ (يوسف: من الآية 42)، ثم خرج بعده قائدًا لمصر والمنطقة كلها ثم يلقى أباه بعد 40 سنةً من الغياب معززًا مكرمًا بفضل رعاية الله تعالى لأبناء الصالحين، وهو يذكر نعمة الله تعالى ونعمة الإفراج عليه من السجن: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (يوسف: 100) .

3- سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم: (عاش طوال حياته دون الأب) الذي مات وهو جنين في بطن أمه فكان أعظم العظماء وأكرم خلق الله وقائد البشرية كلها نحو الخير والهدى والصلاح حتى تقوم الساعة، وذلك بفضل رعاية الله تعالى عنايته رغم أنه لم ينعم برعاية الأب قط.

4- أبناء فلسطين: (من الآباء الأسرى من هو محكوم عليه بالسجن مدى الحياة ليس فقط بل مضافًا إليها فترات إضافية بلغت الـ100عام وهذا من قمة فجور اليهود في أحكامهم).. لا تنس يا حبيبي أنَّ أبناء فلسطين كثيرون منهم من يعيشون بغير آبائهم الذين غاب كثير منهم إما بالسجن أو الأسر في سجون الاحتلال أو بالقتل ونيل شرف الشهادة في سبيل الله فلم يضيعهم الله تعالى بل حفظهم ورعاهم وساروا في طريق الجهاد عظماء يقدمون لنا صورًا رائعة من الفداء والتضحية في سبيل الله عز وجل.

5- أبناء الإخوان الذين دخلوا السجون قديمًا وحديثا: (غاب الآباء فترات متفاوتة بلغت العشرين عامًا)، وكان الأبناء في كنف الله تعالى ورعايته ولم يضيعهم الله تعالى بل إنَّ من بين بنات الإخوان من حقق المركز الأول في المرحلة الثانوية على مستوى الجمهورية والأب في السجن طوال العام.

* الله تعالى لا يضيع أبناء الصالحين

﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف: 82).

* اذهب فلن يضيعنا الله

هيا يا حبيبي نستعصم بالله تعالى ونرفع شعارًا نقوله للأب: “اذهب فلن يضيعنا الله” تلك العبارة الجميلة الرائعة التي قالتها أمنا هاجر عليها السلام لأبينا إبراهيم عندما تركها هي وابنها الرضيع في وسط الصحراء التي تحمل خطر الوحوش ولا يوجد بها أدنى مظاهر الحياة، ولكن هذا حال الأم العظيمة المتعلقة بالله تعالى مالك الملك مدبر الأمر؛ اذهب يا أبي في سبيل الله ونحن نبقى في رعاية الله الذي لا يضيع الصالحين، اذهب يا أبي فنحن نمتثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (الأعراف: 196).

* دروس مهمة لأبنائنا في زمن الاعتقالات

فرصة عظيمة أن نعلم أبناءنا دروسًا كثيرةً لن يستشعرها إلا في هذه الظروف ومنها:-

1- تعميق الإحساس بالعزة والفخر في عصور الفساد والاستبداد التي نعيشها هذه الأيام وتدريبهم على الإيجابية ورفض الظلم والإعداد التربوي والفكري.

2- الابتلاء سنة من سنن الله تعالى لعباده الصالحين “إذا أحب الله عبدًا ابتلاه”، وأنَّ الأب المسجون هو في مقام محبة الله تعالى﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾ (العنكبوت).

3- الرضا والتسليم بأمر الله تعالى والرضا بقدر الله تعالى وقدره خيره وشره حلوه ومره.

4- الصبر والاحتساب ابتغاء وجه الله تعالى والتضحية في سبيل الله من أجل السعي نحو الإصلاح.

5- التضرع إلى الله تعالى برفع الظلم وتطهير البلاد من الظالمين.

6- جزاء الظلم وعاقبة الظالمين:

لا تقلق يا عزيزي فإنَّ الله تعالى سيعاقب هؤلاء الظالمين؛ لأنَّ الله تعالى يقول: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب”، ويقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: “دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض”، ويقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ (إبراهيم: 42)، ويقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: “إن الله تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته”، ويقول الله تعالى في الحديث القدسي: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظَّالموا….”، ودولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، والظلم ظلمات يوم القيامة، وقديمًا ظلم فرعون وتجبر فأهلكه الله تعالى هو وجنوده وعلى مدار الزمان ظلمة كثيرون أهلكهم الله تعالى ونكَّل بهم.

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً