أخبار عاجلة

النوبة المصرية.. مائة عام من العزلة (ملف)

النوبة المصرية.. مائة عام من العزلة (ملف)
أعد الملف/ شيماء رزق وآية عز ومعاذ محمد إشراف / إيمان يحيى الأربعاء, 30 نوفمبر 2016

“خور قندى” يفجر القضية.. فض الاعتصام مقابل عدم الملاحقة الأمنية..
والنوبيون: الدستور هو الحل
شيوخ “النوبة” يروون لـ”المصريون” قصص التهجير المأساوية ويطالبون “السيسى” بالعودة
عضو “تنسيقية” الاعتصام: الأمن صنع الأزمة وقطع الماء والكهرباء عن قرية بأكملها كانت تمدنا بالطعام والماء
منسق “حق العودة للنوبيين”: المؤسسة العسكرية تدير القضية بمفهوم أمنى عسكرى وليس إنسانيًّا
أستاذ قانون دولي: من حق “النوبيين” تدويل قضيتهم إذا فشلت الدولة في حل الأزمة..
ولا بد من تفعيل المادة 236.

شباب النوبة: نرفض الحديث عن “التدويل” ولا نسعى لإقامة دولة منفصلة لأن هذه أرضنا وهذا بلدنا .

تهميش وظلم كبير عاشه أهالي النوبة لأكثر من مائة عام، تم خلالها عزلهم تمامًا عن الوطن بممارسات سياسية غير رشيدة من أنظمة متعاقبة حرمتهم من سبل الحياة الآدمية التي كانوا يتمتعون بها في بلادهم المطلة على النيل والهانئة بخيراته، هذه الممارسات التي أدت إلى جهل كثير من المصريين بأن النوبة “مصرية” وأن أهلها وإن اختلف لونهم ولغتهم هم مصريون لهم مثل الذي لهم وعليهم ما عليهم، وأنهم ليسوا “جالية” تمن عليها الدولة بالحماية والرعاية كما وصفها الرئيس الأسبق محمد مرسي ذات يوم في زلة لسان لم تغفر له حتى الآن. خرج شباب النوبة اليوم ليعلنوا أن الكيل “طفح” والصبر “نفد” وأنهم لن يسمحوا بتجاهلهم وتهميشهم ، بل وتحقيرهم مجددًا بحسب وصفهم، ومن ورائهم كبار وشيوخ يشجعونهم وينظرون إليهم بأمل في أن يحققوا ما فشلوا هم به فيستمع إليهم الجميع ولا سيما النظام الحاكم الذي قرر بكل بساطة سلبهم حقهم في العودة إلى مدنهم ومنازلهم التي لا يزالون يحملون مفاتيحها وأثاثها العتيق حتى اليوم، ورغم تعليق الاعتصام الذي بدأه الشباب بشكل كامل بعد لقاءات مع وفود سياسية وشعبية حاولت التهدئة.. إلا أن الأنظار ما زالت متجهة صوب الجنوب لمتابعة تطورات الموقف ومعرفة الكثير عن الأزمة وانعكاساتها الداخلية والخارجية وسط مخاوف من طرح البعض لاحتمال بتدويل القضية من قبلهم. تفجرت القضية النوبية فجأة وبدون أي مقدمات؛ حيث لم يكن متوقعًا أو في الحسبان أن تتطور الأمور بهذا الشكل السريع ودخول القضية منعطفًا جديدًا في ظل قيام النوبيين بالدخول في اعتصام مفتوح استمر لنحو 4 أيام متواصلة. بدأ الاعتصام بعد تعنت أجهزة الأمن المعنية تجاه قافلة العودة النوبية والتي خرجت، السبت الماضي، من القرى النوبية باتجاه منطقة توشكى جنوب الوادي للاحتجاج الرسمي من قبل النوبيين المشاركين في القافلة على طرح المنطقة للاستثمار وأيضًا طرح منطقة خور قوندى النوبية للاستثمار ووضعها ضمن كراسات الشروط الخاصة بمشروع المليون ونصف فدان. واعتبر النوبيون هذه المناطق ضمن الأراضي النوبية التاريخية التي نصت عليها المادة 236 في الدستور والخاصة بعودة النوبيين الكاملة للأراضي التي هجروا منها. القضية النوبية تأزمت مؤخرًا مع تنظيم النوبيين حملة موسعة لطرق الأبواب لجمع توقيعات الأهالي لرفض عمليات بيع أراضي منطقة توشكى وخور قندى جنوب الوادي، في ظل تمسك النوبيين بالمنطقة باعتبارها إحدى مناطق النوبة المقررة ضمن حق العودة، أعقبها خروج النوبيين من عدد من القرى النوبية بنصر النوبة ومدن أسوان في قافلة ضمت عددًا كبيرًا من الشباب النوبي تحت مسمى قافلة العودة النوبية والتي تم توقيفها بمنطقة الأعقاب شمال أسوان قبل وصولها إلى منطقة توشكى. وتصاعدت الأزمة مع قيام الأجهزة الأمنية بسحب بطاقات ورخص قائدي السيارات المشاركة فى القافلة، الأمر الذي استتبعه قطع المشاركين طريق مصر- أسوان الزراعي وسط حالة من الغليان أجبرت المشاركين في العودة إلى قراهم بالنوبة تمهيدًا للتحضير للقافلة الثانية والتي خرجت يوم السبت الماضي وضمت 19 سيارة ميكروباص قاصدة منطقة توشكى بهدف الاحتجاج الرسمى والشعبى من أهالي النوبة على طرحها للاستثمار. وقد تم اعتراض القافلة من قبل الأجهزة الأمنية للمرة الثانية على طريق أسوان – أبوسمبل عند الكيلو 40، الأمر الذي ألقى بظلاله على تأزم الموقف في الشارع الأسواني، ما دعا النوبيين خلاله إلى الدخول في اعتصام مفتوح في نفس المنطقة التي تم منعهم من العبور فيها، إلى جانب قطع طريق أسوان – أبوسمبل. فيما تم قطع الطرق والسكة الحديد بأسوان ومناطق كلابشة وبلانة النوبية ردًا على موقف أجهزة الأمن من قافلة العودة النوبية الثانية ليدخل بعدها الاعتصام النوبي مرحلة جديدة، لم تكن متوقعة للجميع، قام خلالها سياسيون وقيادات شعبية بجولات مكوكية بين الحكومة والنوبيين المعتصمين في محاولة لرأب الصدع وإنهاء تأزم الموقف خاصة بعد إصرار النوبيين على قطع الطريق حتى إعلان الدولة الاستجابة لمطالبهم التي قاموا برفعها.

مطالب مشروعة

وكانت أهم مطالب النوبيين في أولوية أبناء النوبة ومحافظة أسوان في مشروع توشكى ضمن مشروع المليون ونصف فدان. كما طالبوا الدولة باستبعاد كراسات الشروط الخاصة بطرح أراضي خور قندى من مشروع المليون ونصف فدان باعتبارها منطقة توطين لأهالي النوبة لبناء قرى كاملة الخدمات، بالإضافة إلى تفعيل المادة 236 من الدستور المصري للبلاد، وذلك بإصدار قانون بإنشاء الهيئة العليا لإعادة التوطين وتعمير وتنمية بلاد النوبة الأصلية مع تعديل القرار الجمهوري 444 وفقًا للدستور والقانون والحقوق التاريخية للنوبة. ورفضوا طرح أي مشروعات استثمارية للمزاد أو البيع على المستثمرين ورجال الأعمال لحين تفعيل الدستور وإصدار القانون. من جانبها، تسببت أزمة النوبة الأخيرة في حرج بالغ للقيادة السياسية، الأمر الذي دفعها إلى إرسال عدد من الوسطاء سواء بشكل معلن أو غير معلن لتقديم مبادرات حكومية لإنهاء الأزمة حيث ذكر أن من بين الوسطاء المشير حسين طنطاوي، وزير الدفاع الأسبق والذي تم نفى هذا الأمر بحضوره إلى أسوان، بالإضافة إلى يحيى راشد، وزير السياحة الذي فشل في مهمته بشكل كامل وأخيرًا لجنة برلمانية ترأسها النائب مصطفى بكري والتي نجحت بشكل كبير في احتواء الموقف والإعلان عن تفاصيل الاتفاق الذي تم بين أعضاء مجلس النواب الموفدين والقيادات النوبية وشباب المعتصمين. وساطة بكري مع أعضاء مجلس النواب تضمنت الإعلان عن فتح طريق أسوان – أبوسمبل المغلق وتعليق اعتصام النوبيين بشكل كامل لحين إحالة مجلس الوزراء مشروع قانون إنشاء الهيئة العليا لتنمية وإعمار النوبة إلى مجلس النواب لإقراره مع تعديل القرار الجمهوري رقم 444 الخاص بتحديد المناطق الحدودية، مع تأجيل طرح كراسات الشروط الخاصة بمزايدات أراضي منطقة خور قوندى النوبية لحين صدور قرار إنشاء هيئة إعمار النوبة تطبيقًا لما نصت علية المادة 236 من الدستور، بالإضافة إلى التعهد بعدم الملاحقة الأمنية للمعتصمين النوبيين.

مأساة التهجير

“تنازلنا عن أرضنا وتاريخنا الذي تركه أجدادنا لنا من أجل الوطن فهمشونا وسلبوا حقنا”، بهذه الكلمات عبر أهالي النوبة المهجرون عن مشاعرهم تجاه قصة شقاء وتضحية بلغت الـ56عامًا، منذ أن تم تهجيرهم من أراضيهم الأصلية على ضفاف نهر النيل، إلى صحراء أسوان. التقت “المصريون” بعدد من كبار أهالي النوبة من النساء والرجال الذين عاصروا التهجير، ليسردوا لنا قصة هجرتهم والمعاناة التي عاشوها، ومطالبهم بعد التهجير، على هذا النحو.. يقول “سمير بحر”، طاهٍ محترف، من مواليد قرية “عنيبة” بالنوبة القديمة، ويبلغ من العمر 56 عاماً، ومن ضمن الذين عاصروا التهجير، إن قرية عنيبة كانت تمثل النوبة القديمة وكانت تطل على ضفاف النيل؛ حيث الزراعة والخير والرخاء الذي ليس له مثيل. ويستكمل “بحر”: “أتذكر جيًدا التهجير الذي تم على مرحلتين بعد بناء خزان أسوان والذي بدأ منذ عام 1960 حتى 1963″ ، تركنا أرضنا الأصلية وتاريخنا الذي تركه أجدادنا لنا من أجل الوطن ومن أجل جمال عبدالناصر الرئيس الراحل الذي أكد لنا أنه سيعوضنا بعد تركنا منازلنا ولم يعوضنا، وتفرقنا على الرغم أن كل النوبيين كانوا واحد”. ويضيف: “تم ترحيلنا إلى قرية المضيق قرب كوم أمبو، وكان للتهجير أثر سلبي كبير علينا، حيث تم نقلنا من أراضٍ زراعية خضراء تطل على النيل إلى صحراء أسوان في منطقة تسمى نصر النوبة، وتلك المنطقة خالية تمامًا من أي حياة ولا تصلح للمعيشة”. ويتابع سرد قصته مع التهجير قائلًا: “عندما ذهبنا إلى نصر النوبة وجدنا بيوتًا فارغة لا يوجد بها مياه ولا كهرباء وكنا نعيش على لمبات الجاز فقط في الوقت الذي كانت تتمتع فيه محافظة أسوان بالمياه والكهرباء، والكهرباء دخلت المدينة بعد التهجير بعشرين عامًا.. كان ذلك في أواخر الثمانينيات، على الرغم أن منازلنا القديمة كان يتوفر بها كل شيء وكانت من أجمل أيام حياتي التي عشتها، فهناك كانت الزراعة والخضرة والخير وكل النوبيين كانوا واحد ومكنش فيه حد فقير كنا أغنياء جدًا بسبب الخير الكثير”. ويستكمل حديثه وهو مستنكر ما يحدث قائلًا: “تركونا في الصحراء ومر أكثر من خمسين عامًا دون تعويض وكل وعودهم كانت كاذبة لم نر منها شيئًا”. ويؤكد “بحر”، أن منظمة الغذاء العالمية “اليونيسيف” أرسلت مبالغ طائلة في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، كتعويض للنوبيين بأثر رجعي، لكنهم لم يحصلوا على أي أموال منها ولم يعرفوا أين ذهبت تلك الأموال.

موت وفقر بعد حياة ورغد
ومن جانبه، يقول محمد الملاح، موظف نوبي أحيل على المعاش، ومن مواليد قرية “عنيبة” النوبية بأسوان وولد عام 1936″: كانت بلاد النوبة قديمًا تتمتع بالعديد من الامتيازات بسبب موقعها الجغرافي المتميز الذي يطل على النيل مباشرة، وكانت النوبة بمثابة العاصمة وبها المستشفيات العامة، وبها ميناء، وهيئة بريد ومحكمة قضائية، وغيرها من المؤسسات الحكومية، ورغم كل هذا الرخاء إلا أن المشكلة الوحيدة التي كنا نواجهها هي الفيضان، حيث تتوقف حركة السير والمراكب لمدة أربعة أشهر، وتنقطع عنا المواد الغذائية لأكثر من شهر”. ويضيف “الملاح”: “عند بناء السد العالي في أسوان استدعت الحكومة عددًا من رجال كبار القبائل والمشايخ في النوبة، وقالوا لهم يجب ترك أماكنهم ومنازلهم حتى يتم بناء السد العالي، وخذوا جميع خيراتكم للأرض الجديدة، وأنها ستكون بنفس المستوى الذي تعيشون فيه الآن، جاءت تلك الهجرة في ظروف صعبة جدًا فحينها كنت طالبًا في الثانوية العامة وكانت امتحانات آخر العام أوشكت على البدء، وكانت حينها تهجر ما بين ثلاث وأربع أسر يوميًا من أصل 12 نجعًا وقرية، من خلال “صندل” أي مركب نيلي صغير، يحملنا ويحمل أشياءنا وحيواناتنا إلى المكان الجديد لنا”. ويوضح “الملاح”: “في أول يوم ذهبنا فيه إلى منازلنا الجديدة قرب كوم أمبو اكتشفنا أن ما يقرب من 70% من المنازل لم تكن مكتملة، وهذا الأمر اضطرنا إلى تسكين 3 أسر في منزل واحد.. وكذلك فوجئنا أن المنطقة والمنازل لا يوجد بها مياه ولا كهرباء ولا صرف صحي، سوى “صنبور” مياه واحد فقط لجميع أهالي القرية”. ويعبر الشيخ النوبي عن حزنه قائلاً: “هناك عدد كبير من الأطفال وكبار السن بدأوا يموتون بسبب تغير الحياة والظروف، وحينها أتذكر أننا كنا ندفن أربعة وخمسة أطفال يوميًا.. الأمر استمر على هذا الوضع حتى بدأ النوبيون يطورن من المكان ومن تكاليفهم الخاصة حتى تم بناء عدد من المدارس والمرافق العامة”. ويتابع: “خلال مرحلة التهجير جاء الرئيس الراحل جمال عبدالناصر للنوبيين وكان معه الرئيس الروسي، وحينها قال لنا كلامًا معسولاً ووعدنا أنه سيعوضنا لكنه لم يصدق في كلامه، وجميع المساعدات التي وصلت لنا كانت من الاتحاد الأوروبي ومنظمة اليونيسيف، وعدد من السيدات الأجانب اللاتي حضرن للنوبة وتحدثن مع نساء المدينة وأعطين لهن مساعدات”. وفيما يخص التعويض يؤكد: “التعويضات التي وصلت للنوبيين من الخارج لم تكف الجميع؛ حيث كان يعوض كل نوبي بعدد من الأفدنة للزراعة وتكون مملوكة للدولة، وحتى هذه اللحظة هناك عدد كبير من السيدات والرجال يحملون مفاتيح بيوتهم القديمة ويحتفظون بعفش منازلهم التي لا تعوض، ولكن المشكلة متفاقمة حتى الآن مع كل الرؤساء، حتى مع الرئيس عبدالفتاح السيسي، والحل الوحيد هو عودتنا لأراضينا القديمة”.

حياة غير آدمية

أما بشير محمد، صاحب محل بقاله في النوبة، ومن مواليد 1952، فيقول: “وقت التهجير كان عندي 11 سنة وحينها تم ترحيلنا إلى “السيالة” وعشنا أسوأ أيام حياتنا، فالحياة كانت منعدمة هناك، فـ”السيالة” كانت صحراء جرداء وكانت المنازل التي استلمناها غير آدمية؛ حيث كانت بدون سقف وبها غرفتان فقط، بعكس المنازل التي كنا نعيش فيها وحياة الرخاء التي عاصرناها”. ويطالب بشير، الحكومة، بسرعة تنفيذ مطالب النوبيين وإعادتهم إلى أراضيهم الأصلية”. ومن السيدات التقينا الحاجة فاطمة، وهي ربة منزل نوبية، من مواليد 1925، وتقول: “بلادنا النوبة القديمة كانت أجمل من الخيال وكانت النوبة من أكثر مناطق المحافظة عمرانًا؛ حيث كان بها أكثر من مؤسسة حكومية ومستشفيات ومكاتب بريد ومحال تجارية، فكانت كاملة متكاملة، وكانت الحياة مستقرة جدًا”. وتستكمل ” فاطمة” معاناتها مع التهجير: “وقت التهجير كنت متزوجة ولدي طفلان، وعندما جاء التهجير تعرضنا لكثير من المخاطر؛ بسبب صغر سن أبنائي، وتم تهجيرنا إلى قرية “بلانة” النوبية، ولم نجد أي سبيل للحياة هناك وكان الأطفال يموتون كل يوم أمام أعيننا، فاضطرنا الأمر إلى ترك أسوان والذهاب إلى القاهرة للعمل، فعمل زوجي بالقاهرة لسنوات ثم سافر إلى الكويت للعمل”. وتسرد “فاطمة” بقية قصتها: “عندما سافر زوجي إلى الكويت بدأت الحياة تتحسن نوعًا ما فرجعت إلى أسوان وبدأت أبني سقف المنزل شيئًا فشيء”. وتطالب “الحاجة فاطمة” الرئيس عبدالفتاح السيسي بأن يعيد أهالي النوبة إلى أرضهم القديمة؛ بسبب الظلم والتهميش والمعاناة التي عانوها طوال الأعوام السابقة.
“تنسيقية” الاعتصام
من جانبه، يوضح ياسر رمضان، عضو لجنة التنسيقية لاعتصام النوبة لـ”المصريون” أسباب الأزمة التي بدأت منذ طرح الدولة لمشروع المليون ونصف فدان، فيقول: بحث عدد من شباب أهل النوبة عن المنطقة التي تم تحديدها لهذا المشروع ووجدوها كلها داخل الأراضي النوبية، الأمر الذى أثار غضبهم خاصة منذ إقرار القانون 444 والذي يتناقض تمامًا مع المادة 236 بالدستور بشأن حق أهل النوبة في العودة، لافتًا إلى أن الشباب لجأوا لمخاطبة المسئولين الذين تجاهلوهم تمامًا، مما دفعهم للتحرك والحشد بخمس ميكروباصات يوم 5 نوفمبر، وتنظيم مسيرة ولكن قوات الأمن استوقفتهم بدافع الحفاظ على الأمن المصري وحرصًا على الوضع الأمني قبل دعوات 11 نوفمبر، وبالفعل عادوا خوفًا على مصر وأمنها واعتصموا داخل الاتحاد النوبي لحين رؤية رد فعل من المسئولين ولكن استمر التجاهل، بحسب قوله. ويتابع “رمضان”: خرجت القافلة يوم 9 نوفمبر تضم 32 ميكروباص، ولم يعترضنا الأمن كما وعدنا يوم 5 من الشهر الجاري ومشينا، ولكن فوجئنا بلجنة موجودة خصيصًا لنا تضم قيادات أمنية ومخابراتية أبلغتنا أننا ممنوعون منعًا باتًا من استكمال طريقنا، وعرضنا عليهم أن نترك سياراتنا ونمشى على الأقدام فأبلغونا أن أي شخص يحاول عمل ذلك سيضرب بالنار في مكانه، فالأمن صنع أزمة من لا شيء”. ويؤكد عضو لجنة التنسيقية للاعتصام: قوات الأمن تعاملت معنا بمنتهى الاستفزاز وتم منع الطعام عنا لمدة يومين، إلى أن وصل الأمر بأن “سيدات النوبة” كانت تكسر الكمين وتمدنا بالطعام، وكان لأهل قرية “وادي كركر” على بعد 15 كيلو عن مكان الاعتصام دور فى إمدادنا ودعمنا، الأمر الذي قابله الأمن بقطع الماء والكهرباء عن القرية بأكملها وأغلقوا فرن العيش الموجود بها، ولكن صمدنا في اعتصامنا وفخورون بالأربعة أيام الصعبة التي مرت على اعتصامنا بحلوهم ومرهم”. ويضيف “رمضان”، أن اعتصامهم حصل على مكاسب وأهداف معينة يريدونها، وأنهم استطاعوا إيصال صوتهم للمسئولين، وأن يقنعوا المعتصمين بفض الاعتصام سلميًا من أجل مصلحة الوطن والفضل يعود لعمرو أبو اليزيد أحد الشخصيات النوبية المعروفة. ويعود ياسر ليؤكد أنه حال عدم وجود حل سياسي حكيم من القيادة السياسية، فالشباب النوبى أصبح أكثر وعيًا ودراية بقضيته ولو الدولة تجاهلت الشباب في المرة القادمة فلن يستطيع أحد إيقافهم، مستنكرًا موقف محافظ أسوان الذي سب الشباب النوبيين وزايد وغالط عليهم – على حد قوله، بينما يشدد على أن النوبيين بعيدون تمامًا عن تدويل قضيتهم لأنهم وطنيون ويحبون بلدهم، على مر العصور وضحوا من أجلها.

حق العودة

في السياق ذاته، يقول هاني يوسف، منسق حملة حق العودة للنوبيين، إن الأمن هو مَن افتعل الأزمة القائمة حاليًا، وذلك بعد قيامه بمنع أبناء المكان من دخول مدينتهم، الأمر الذي يعتبره نوعًا من أنواع التمييز، مشيرًا إلى أن أبناء النوبة لم يكونوا سببًا في الأزمة المشتعلة حاليًا وأن الأمر كان سيمر بشكل عادى وطبيعي لولا التعنت الذي تسبب في اشتعالها وأدى إلى اللجوء للاعتصام كنوع من أنواع التعبير عن الغضب ضد ما تمت ممارسته ضدهم. ويطالب “يوسف”، في تصريحات خاصة لـ”المصريون”، بتفعيل المادة 236 من الدستور والتى تقر بحق أبناء النوبة فى العودة، وكذلك تعديل القرار 444، الخاص بجعل جزء من أرض النوبة منطقة عسكرية، مما يلغى حق أهل النوبة في مواقعهم الأصلية بالمنطقة الشرقية لضفاف البحيرة. ويشدد منسق الحملة، على أن هناك تعنتًا واضحًا تجاه حل قضية “النوبة” وأنه يوجد حائط سد لحلها يتمثل في المؤسسة العسكرية؛ لأنها تدير هذه القضية بمفهوم أمني عسكري وليس بمفهوم إنساني، مؤكدًا أن قرار قضية النوبة ليس بيد المحافظ ولا أي جهة داخل أسوان وإنما تحتاج إلى قرار سيادي. ويؤكد أن جميع جلسات أهل النوبة مع كل المسئولين ولجنة مجلس النواب التي تواجدت بالمحافظة منذ 7 شهور لم تخرج بأي نتائج ملموسة على أرض الواقع وإنما هي مجرد كلام لا يخرج بأي حلول للقضية.

“تدويل” مرفوض

ومن جانبه، قال نوح عثمان، أحد أبناء النوبة والذي يعمل بالكويت، إن القضية تم تهمشيها، ووصلت إلى حد الثمالة، مؤكدًا أن النائب مختار جمعة فى عهد مبارك يعمل جاهدًا لحل الأزمة ولكن كانت دون جدوى؛ لأن المعارضة وقتها كانت “كرتونية”. وبسؤاله عن إمكانية تدويل الملف النوبى، رفض “عثمان”، هذا الطرح قائلاً: “عمري ما أقبل على نفسي أني أستقوي بالغرب، والنوبة لو كانوا يريدون تدويل قضيتهم كانت دولت بالأخص أن لنا روابط عديدة في عواصم دول مختلفة حول العالم، ولأن كل ما يمس الدولة من ضرر أيضًا يمسنا نحن ولكن القضية قضية معنوية قبل ما تكون مادية وإرث حضاريًا قبل أن تكون قضية أرض”. ويتابع: “نحن لا ندعو للتفرقة وإقامة دولة كما زعم البعض ونشرها الإعلام أو إذا كان هناك ريب في نفوس بعض من الناس من غير النوبيين؛ لأن مصر دولتنا ونحن أصحابها كما يعرف الكثير والتاريخ يحكي عنا”.

ويتساءل: “كيف من منظوركم؟ هل يعقل أن يقوم أصحاب دولة بتدويل قضيتهم ضد نفسهم؟ فاطرحوا تلك الفكرة من نفوسكم قبل عقولكم ودعونا نجلس حول مائدة مفاوضات، لكي تسعوا لحل تلك القضية التي غطت دفاترها وعلاها الغبار”. فيما ينتقد أحمد أبو بكر، أحد شباب النوبة، تعامل قوات الأمن مع المعتصمين في الكيلو 40 بطريق أبو سمبل، واصفًا إياه بالفج وغير المنطقي؛ حيث تم منع الطعام عن المعتصمين دون التفكير والنظر لمطالبهم بأي وعى وكياسة. ويذكر “أبو بكر”، في تصريحاته لـ”المصريون” المطالب التي اتفق عليها أهل النوبة، والتي تتمثل في (تمليك بيوت النوبيين في جزر وقرى شمال السد دون شروط (قرى الشلال)، عودة مهجري السد والخزان لقراهم ونجوعهم الأصلية طبقًا لخرائط النجوع التفصيلية 1/2500 قبل الخزان وتعلياته وطبقا لمستندات المساحة, وتوفير البنية الأساسية وكل الخدمات، توشكى وكل المدن الجديدة حق لسكان المنطقة الأصليين فقط، وعلى الحكومة وقف كل أشكال وصور البيع والمزادات وحق الانتفاع ونقل كل الوافدين الذين تم توطينهم في أراضي النوبيين في إطار خطة وبرنامج التغيير الديموجرافي، الأولوية للنوبيين في التوظيف والإسكان القومي (في مدينة أسوان ومركز ناصر ومنطقة جنوب السد)– في كل أقاليم مصر تعطي الأولوية لأبناء المنطقة الأصليين إلا أسوان، رد رخص الصيد للنوبيين كل أمام أرضه الزراعية على النيل، الترخيص لأبناء المنطقة فقط في التنقيب على الذهب وأعمال المناجم والتعدين والرخام الجرانيت وخلافه بدلاً من إسنادها للوافدين و المستثمرين. وتسخير عائدها وعائد المعابد وغيره في تعمير المنطقة، وقف كل أشكال التهميش والتطهير الثقافي والتغيير الديموجرافي الذي تقوم به الدولة ضد النوبيين ووقف كل عمليات الاستيلاء المدنية والعسكرية على أراضي النوبيين والاعتراف بالنوبيين أنهم شعب أصيل لهم حقوق وأن يكون لهم كوتة في التمثيل النيابي في مجلس الشعب بالانتخاب بعدد لا يقل عن عشرة والمحافظ يكون نوبيًا منتخبًا).

الدولة تفقد حيادها

ويرى محمد عباس، المحامي والحقوقي المهتم بملف “النوبة”، أن السبب في الأزمة النوبية أن الحكومة كانت تقف في موقف محايد ولكن ما أشعل الموقف أن الدولة حددت موقفها، وقالت إن الأرض تخص المستثمرين وليس النوبيين رغم وجود قرارات ملكية تقول إن الأرض مهجر منها نوبيون ولهم حق التعويضات، الأمر الذي يعد إقرارًا من الدولة بأن لنا الحق كنوبيين في هذه الأرض، وبالتالي لم يكن هناك عائق أمني من وجود شخصيات اعتبارية على هذه الأرض، وبالتالي فالأولى بهذه الأرض هم أهل النوبة وأهل مكة أدرى بديارها”، بحسب تعبيره. ويؤكد “عباس”، في تصريحاته لـ”المصريون”، أن النوبيين الأكثر تخوفًا على أمن مصر وعلى البلد خاصة في ظل التوترات المحيطة من قبل دول الجوار، ولو كان هناك نية في التدويل، فالنوبيون لهم منظمات واتحادات بفرنسا وأمريكا فكان الاعتصام أو التحرك بدأ من الخارج وليس من هنا من داخل مصر، لافتًا إلى أن الاتهام بالتدويل هدفه تفريغ مضمون الاعتصام وحل المشكلة واختصاره في أننا خائنون ويغيرون نظرة العالم للنوبيين. ويضيف الحقوقى والمعنى بالملف النوبى، أن هناك حالة يأس من تدخل الرئاسة والمسئولين في ظل الوضع والمشاكل المتراكمة، الأمر الذي سيساعد على تفجير الوضع أكثر من ذلك، مشددًا على أن هناك تجاهلاً شديدًا من المسئولين تجاه ما يحدث وأنه لا يوجد توقع لما سيحدث على الأرض من ردود فعل غاضبة نتيجة التقاعس عن الحل.

المادة “236”

على جانب آخر، يقول الدكتور إبراهيم أحمد، رئيس قسم القانون الدولي بجامعة عين شمس، إن مشكلة أهالي النوبة والعودة إلى أراضيهم الأصلية أمر داخلي يجب على الدولة حله في أسرع وقت. ويؤكد “أحمد” في تصريحات خاصة لـ”المصريون”، أنه في حالة عدم حل الدولة مشكلتها مع النوبيين، سيكون من حقهم تدويل القضية للخارج ولمجلس الأمن الأمريكي، وكي يتم هذا الأمر لابد أن تقوم دولة كاملة بتبني قضية النوبة وأراضيهم. ويوضح أستاذ القانون الدولي، أنه إذا تم تدويل القضية وتولت إحدى الدول الأمر، ستقع مصر في مشكلة كبيرة، لأنه في ذلك الحين مشكلة النوبة سوف تكون قضية عالمية. وينوّه أستاذ القانون الدولي، إلى أن المادة “236” من الدستور تنص على تنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية والعمرانية الشاملة في المناطق الحدودية، منها الصعيد وسيناء ومطروح ومناطق النوبة، وذلك بمشاركة أهلها في مشروعات التنمية وذلك مع مراعاة الأنماط الثقافية للمجتمع، ولذلك يجب على الدولة تنفيذ هذه الشروط، وفقًا للقانون والدستور الحالي، حتى لا تقع في مشكلة أخرى.

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً