النغمة الثالثة التي لن أقبلها

أحمد_خالد_توفيق

°•النغمة الثالثة التي لن أقبلها ولو بعد ألف عام هي نغمة تقديس الشاذ جنسيًا، هذا شخص حساس يُعاني الاضطهاد وسوء فهم المجتمع، وكل شيء قد يجرح مشاعره.. لنكن متحضّرين ونحترم رغبته هذه.. هذه نغمة لم تكن موجودة منذ عشرين عامًا، لكنها اليوم ملحة بشدة، وتعرضها السينما الأمريكية بكثير من الفهم والفرحة وربما الفخر!

في فيلم (أفضل ما تصل له الأمور) يلعب جاك نيكلسون دور شخص عنصري مريض لا يُطاق، يضطر للتعامل مع الزنوج واليهود والأسوأ مع جاره الشاذ.. يكتشف أن جاره إنسان حساس رقيق جدًا وشفاف يوشك على التحليق بجناحين.. تكون نتيجة هذه التجربة أن نيكلسون يغتسل بالكامل من قذراته السابقة ويسمو!

لا أحد يطالب بقطع رأس الشواذ أو سجنهم، ولكن أطالب بعلاجهم أولاً، وبعدم اعتبارهم النموذج الأسمى للجنس البشري كما يحاولون إقناعنا، وهي صورة عجيبة للسوبر مان لابد أن الخواجة نيتشه كان سيُصاب بالفالج لو سمع عنها!
الشذوذ الجنسي مرض نفسي على عيني وراسي.. مرض يحتاج إلى علاج كالدرن بالضبط، لكن الأخوة الغربيين في أمريكا وأوروبا يصرّون على أن الدرن ليس مرضًا، إنه طريقة حياة!.. لا تتضايقوا من هذا البائس عندما يسعل.. اتركوه يبصق دمًا.. اتركوه يتنفس في وجوهكم فأنتم متحضّرون ولستم عنصريين.. هذا حق طبيعي ورفضه من الفظاظة بمكان..

عندما يكتب أحدهم تعليقًا ما في الإنترنت أو يُبدي شيئًا من السخرية، يهبّ الجميع صارخين: على رسلك.. هذا قد يجرح نفسية المثليين!. ويجد صاحب التعليق نفسه في موقع المدافع عن نفسه الذي يؤكد أن نيته كانت صافية والله العظيم.. مَن أنا كي أجسر على إيذاء نفسية هؤلاء القوم مرهفي الحس؟
أحيانًا يثير الغربيون جنوني.. إن دودة (أنكوسيركا فولفويولس) التي سببت عمى الأنهار في قطاعات كاملة من إفريقيا توشك اليوم على الانقراض؛ بسبب سياسة منظمة الصحة العالمية الناجحة والرجل العظيم (إبراهيم مالك سامبا). هنا تفاجأ بمن يطالب بالتعقل والتوقف باعتبار هذه الدودة من الأنواع المهددة بالانقراض Endangered species !.. قرأت مقالاً عن هذا الموضوع كاد يصيبني بالشلل.. ما هذه الرقة؟.. هل تحوّل الجميع إلى نسخ من (غاندي) بينما ظللت أنا وغدًا؟

رهاني هنا هو أن هذا التسامح والتقديس غير المبررين يُنشئان المزيد من الشواذ الجدد.. الطبيعة تقلّد الفنان وهناك كثيرون لم يكونوا ليصيروا كذلك لولا هذا التسامح الإعلامي الأسطوري.. بينما من المفيد للمجتمع فعلاً أن يظل اسم الخطأ هو (الخطأ).. المؤمن العاصي له وضع خاص أفضل بكثير من وضع الكافر، تقول لهم إنه سيأتي يوم يُبيحون فيه السرقة باعتبارها مجرد خلل نفسي، فيقولون لك: السرقة فيها مساس بممتلكات الغير وحريتهم بينما الشذوذ لا يفعل ذلك!
كل واحد من الناس له أركان روحه المظلمة، لكن من الخير لهذه الأركان المظلمة أن تظل حيث هي.. وإذا بليتم فاستتروا.. ليس من الواجب أن تصير الانحرافات شيئًا معتادًا وحقًا مكتسبًا مَن يرفض عنصري ووغد ذو ميول نازية!.. إن المجتمع الغربي هو من سمح للعقدة أن تبلغ أقصى مداها وإلا لعاملها كمرض وعالجها.

والنتيجة هي أن ترى في كل يوم صورة لمظاهرة في ميدان عام بالغرب، يقف فيها حلوف مشعر عاري الصدر يضع مساحيق أنثوية كاملة، ويحتضن حلوفًا مشعرًا آخر في حنان، هذان عاشقان.. لماذا تضايقونهما يا متوحشون.. وتقرأ عن مئات الأسر الغربية التي تتكون من أبوين من نفس الجنس..
كالعادة تلح هذه المفاهيم كقطرة الماء على عقولنا المصرية.. قطرة.. قطرة.. قطرة.. في النهاية تتكون الفجوة، يمكنك أن ترى كيف قُدّم الشذوذ الجنسي على استحياء في فيلمي (حمام الملاطيلي) و(الصعود إلى الهاوية) برغم صراحة الفيلمين الصادمة عامة، واليوم صار الشاذ جنسيًا موجودًا في معظم الأعمال الفنية، وعما قريب سوف يصير وجوده عاديًا وربما مطلوبًا……. ورهاني الذي لا أملك دليلاً علميًا يؤيده هو أن هذا الاتجاه الإعلامي يضيف للوجود المزيد من الشواذ .

تخيّل أن (جيمي) يهوى العبث في أنفه.. هذه عادة قذرة، وهو يحاول إخفاءها والتخلي عنها.. ثم يجد أن الإعلام كله يؤكد أن العبث في الأنف شيء طبيعي وحق للبشر، ومن يعترض عليه عنصري، ويكتشف أن هناك جمعيات كاملة ومظاهرات تدعو لحرية العبث في الأنف.. هل يتخلّى (جيمي) عن عادته؟.. بالطبع لا.. سيدس إصبعه في أنفه في كل مكان والويل لك لو اعترضت.. بينما كان من الممكن أن ينجح بمعونة بسيطة في التخلي عن هذه العادة.
شاهدت حلقة عن مفهوم الأسرة في برنامج (هراء) -الترجمة المهذبة للعنوان- الذي يقدِّمه شيطانان ظريفان سليطا اللسان هما (بن) و(تلر). البرنامج قائم على هدم معظم الخرافات التي صارت عادة لدينا، ومنها الطب البديل ومخاطر البيئة.. إلخ.. في تلك الحلقة يُضيف البرنامج لقائمة الخرافات خرافة جديدة هي الأسرة!!

البرنامج يلتقي بعالمة نفسية مخبولة تؤكد له أن مفهوم الأسرة يتطور مع الزمن.. لم يعد مفهوم الأب والأم والأطفال الذين يعيشون في بيت واحد هو المعنى الصحيح للأسرة.. نكتشف الأرقام التالية:
طفل من كل 25 طفلاً أمريكيًا ليس له أبوان معروفان على الإطلاق!
طفل من كل 3 أطفال يعيش مع أبوين غير متزوجين!
طفل من كل طفلين يعيش في بيت مع والد واحد فقط.
عشرة ملايين طفل يعيشون في بيت مكوّن من أبوين شاذين (يعني الطفل يعيش مع أب وأب أو أم وأم!).

يلتقي البرنامج مع مفكر متحفّظ يدعو للأسرة التقليدية التي خلقها الله: أب يسعى للرزق وأم تعنى بالأطفال والبيت.. يوسعه البرنامج سخرية، باعتبار هذه الأسرة هي بالضبط ما كان يفعله رجل الكهف. ثم يقول إن المدافع الرئيس عن فكرة الأسرة هم السياسيون الجائعون إلى أصوات الناخبين، ويظهر صورة لجورج بوش.. هكذا صارت الأسرة التقليدية تعني جورج بوش بأذنيه الكبيرتين وعينيه الغبيتين.. قضية خاسرة تمامًا.. ربط أية قضية ببوش معناه أنها خسرت..
ويرينا بيتًا من عشرة ملايين بيت تعيش فيه أمّان تربيان طفلين.. لا يوجد أب.. أما عن كيفية رزقهما بالطفلين؛ فقصة معقدة تقوم على الحصول على الأمشاج من شقيق واحدة منهما!.. كيف يكون الطفل ابنهما إذن؟.. ما تفعلانه في الواقع هو أن واحدة تربي ابن أخيها!.. إنها عمته يا مخابيل وليست أمه..
لكن البرنامج يحاول إقناعنا أنها أسرة مستقرة، تطهو للأولاد وتعلّمهم الرسم وتقرأ لهم القصص. ويلتقي بالعالمة النفسية التي تؤكد أن ما يمكن أن يؤدي لخلل نفسية الطفل ليس نوع الأبوين، بل الفقر والبطالة.. يعني الاقتصاد هو المقياس الوحيد لتربية الأطفال..
هناك أمثلة أخرى يشيب لها شعر رأسك، لهذا لن أقدِّمها؛ لأنني صدمتك بما يكفي اليوم.
النتيجة؟.. فعلاً لا أفهم لماذا لا تنهار تلك المجتمعات حتى هذه اللحظة؟.. ربما كانت عملية النخر تحتاج إلى وقت أطول مما تصورت، أو إن انهيار المجتمعات يعتمد على عوامل اقتصادية أكثر منها أخلاقية.. أو لأن المجتمع الغربي يملك قدرة فائقة على تصحيح المسار بسبب حيويته الديمقراطية..
هم أحرار فيما يعتقدون، لكني بالفعل أخشى تسرّب هذه الثقافة إلينا.. المشكلة أن خرطوم الثقافة الذي يتدفق من عالمهم لعالمنا فيه مرشحات ضيقة تسمح بمرور هذه السخافات، بينما تمنع مرور الأشياء المهمة فعلاً مثل ميكانيكا الكم وقيم العمل والدقة العلمية.. إلخ..
هذه الثقافة تتسرب لنا.. لا تزعم أن هذا ليس صحيحًا لو سمحت، ويكفي أن تبحث في بعض المنتديات والصفحات السرية على النت، لتجد أن هناك من يرفع صوته خافتًا معتبرًا نفسه أقلية مظلومة في بلد متوحش متعصب .. ولسوف تتساقط قطرات أكثر في الأعوام القادمة، ولسوف ترسم خطًا على الصخر بلا شك. ومن جديد أكرر: أنا لا أطالب بقطع الرءوس والسجن .. أطالب بالطبيب النفسي لا أكثر ولا أقل.
#أحمد_خالد_توفيق
#الغث_من_القول 2010

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً