أخبار عاجلة

السيسي والتحولات الضخمة في بنية المجتمع.. قراءة في التأثيرات السلبية للانقلاب

مقدمة

استقرّت المفاهيم السياسية لنشأة الدول على أربعة أضلاع:

 أولا،مجتمع أو شعب.

ثانيا،أرض أو إقليم يمثل الوعاء الحدودي لهذه الجماعة.

 ثالثا، المعتقدات والتصورات السائدة في المجتمع.

وأخيرا، سلطة تنظّم العمل داخل هذه الجماعة، تخدم الشعب وتحمي الأرض وتصون المعتقدات.

وما تشكلت السلطة أي سلطة إلا من أجل تحقيق أهداف البشر والمجتمع نحو النمو والاستقرار والأمان؛ لأن  الإنسان هو أصل الاجتماع، وغاية التنظيم، وأي انحراف عن هذه الأولويات إنما يمثل تعزيزا لوضع السلطة على حساب المجتمع.

 ولذلك فإن وجه الخطورة ليس في مجرد الاجتماع أو التنظيم، بل في استبداد أصحاب السلطة على مر العصور، وأخطر منه تحولها إلى وراثة داخل الأسرة الواحدة كما في النظم الملكية والإمارات الصغيرة أو داخل الطائفة أو الفئة والطبقة الاجتماعية كوراثة الحكم داخل النظم العسكرية الشمولية.

وبمقدار صلابة المجتمعات  وتماسكها ووعيها بخطورة حكم الفرد واستبداده بالحكم والقرار على حساب المجتمع تتحدد ملامح نظام الحكم، فإذا كانت الأولوية لضلع المجتمع وتقديس حريته واحترام قراراته عبر آليات منظمة يتم التوافق عليها يكون مجتمعا راقيا ونظام حكم يمضي على المسار الصحيح. وإذا طغى ضلع السلطة كان نظام الحكم استبداديا شموليا  وكان في حد ذاته تهديدا لأمن واستقرار المجتمع كله والعصف بكل مكاسبه وطموحاته وأهدافه، وإذا طعى ضلع “المعتقدات” وتوظيف “الدين” بما يمنح مزايا لطبقة رجال الدين والكهنوت على حساب المجتمع،  يكون نظام الحكم “ثيوقراطيا” وهي صورة من نظم الحكم اختصت بها أوروبا في العصور الوسطي عندما كانت الكنيسة تتحكم في كل شيء وتفرض تصوراتها على الجميع باسم الدين.

لهذه الأسباب؛ فإن المستبدين والطغاة دائما ما يعملون على تفكيك مظاهر القوة داخل المجتمع وإضعافه من أجل تكريس حكمهم؛ ولتحقيق هذه الغاية المدمرة، فإنهم غالبا ما يتسترون وراء عبارات منمقة مثل حماية الدولة والمجتمع من الفوضى وعدم الاستقرار ؛ رغم أنهم في حقيقة الأمر  أبرز عوامل زعزعة الأمن والاستقرار داخل المجتمعات.

إزاء هذه المفاهيم يمكن تفسير ما جرى في 30 يونيو 2013م، وما أعقبه من انقلاب على المسار الديمقراطي الذي كان يمثل حالة نادرة من التوافق داخل المجتمع المصري في أعقاب نجاح ثورة 25 يناير في الإطاحة بالمستبد محمد حسني مبارك  من سدة الحكم، والإصرار على إقامة نظام تعددي يسمح بالحرية والتداول السلمي للسلطة عبر الاحتكام إلى صناديق الاقتراع النزيهة التي لا تعبث بها يد الشيطان؛ وتعزيز قدرات المجتمع وحماية منظمات المجتمع المدني كالأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية بتنوعاتها المختلفة،  وتعزيز قيم الحريات والانتصار للعدالة ومصالح المجتمع على حساب شبكات المافيا والفساد وأركان الدولة العميقة.

 ومع نجاح الجيش في إجهاض المسار الديمقراطي والانقلاب على الحكومة المنتخبة قبل عام واحد فقط،  كان لذلك تأثيرات شديدة الخطورة  على مستقبل البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؛ حيث تحولت مافيا الدولة العميقة وشبكات المصالح من حكم البلاد من وراء ستار إلى الانفراد بالسلطة مباشرة وبشكل سافر.

وفي هذه الدراسة نستعرض بالرصد والتحليل  جزءا من التأثيرات  الاجتماعية شديدة الخطورة على مستقبل مصر والتي تفاقمت بشدة في مرحلة ما بعد الانقلاب، وباتت  مهددة للمجتمع  وتكريسا لحالة التشظي والانقسام الحاد في اعقاب حملات الكراهية التي  شنتها سلطات انقلاب 30 يونيو لإضعاف قوى المجتمع و تدمير قدراته المناعية.

تحولات كبرى في بنية المجتمع

فمرحلة ما بعد انقلاب 30 يونيو تتسم بقدر هائل من السلوكيات السلبية التي تفاقمت داخل المجتمع المصري  حتى تحول بعضها  إلى ظاهرة تستوجب المواجهة قبل خروجها عن السيطرة؛ حيث يشهد المجتمع المصري تفشيا للإلحاد والعنف والجريمة والمخدرات والانتحار والطلاق، وسط مؤشرات تؤكد كثافة نشاط عبدة الشيطان والشواذ، وباتت الجريمة المنظمة أكثر اختراقا داخل المجتمع من خلال مافيا بيع الأعضاء وخطف الأطفال وتهريب الآثار، بينما تؤكد أرقام وبيانات وزارة الداخلية تزايدا مضطردا في معدلات الجرائم، وأهمها السرقة بالإكراه في ظل تفاقم الوضع الاقتصادي وارتفاع معدلات الغلاء وتآكل قيمة الأجور والمرتبات بعد قرارات التعويم الكارثية في نوفمبر 2016م، والتي أفضت إلى هبوط عشرات الملايين من المصريين تحت  خط الفقر دفعة واحدة، بعد أن انخفضت قيمة الجنيه أمام الدولار والعملات الأجنبية الأخرى بنسبة تصل إلى أكثر من 100%، وفاقم من تفشي هذه الظواهر عدة أسباب أخرى على  رأسها توجهات النظام نحو رفع  أسعار جميع  السلع والخدمات بشكل يفوق دخول المصريين ومرتباتهم، إضافة إلى الاستبداد السياسي وقمع المعارضين واحتكار المؤسستين العسكرية والأمنية الفضاء السياسي والإعلامي والاقتصادي، وسط توجهات وسياسات تستهدف الحد من قدرة المجتمع المدني على المشاركة في مواجهة هذه الظواهر والحد من مخاطرها.

أولا التلاعب في الهوية المصرية

الأكثر خطورة هو التلاعب بالهوية المصرية حيث يجري في هدوء أوسع انقلاب على تلك الهوية المصبوغة بالعروبة والإسلام؛ من أجل تشكيل أجيال جديدة لا تستمد قيمها من الإسلام ولا تجري في دمائها أصول العروبة وشموخها، مع الإخلال بهذه التركيبة من أجل دمج الكيان الصهيوني لتتحول العلاقة مع الاحتلال من عدو إلى صديق في إطار تشكيل ما يسمى بالشرق الاوسط الكبير؛ وذلك بعد أن تمكن جنرالات العسكر من تغيير العقيدة القتالية للجيش ليكون العدو هو من يرفض دمج “إسرائيل” في التركيبة الإقليمية برعاية أمريكية خالصة.

وكان «مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي»[1]قد أصدر في 28 يناير 2019م، دراسة أعدها الباحثان عوفر فنتور وأساف شيلوح، بعنوان «هوية مصر في عهد السيسي: السمات المميزة للإنسان المصري الجديد»، تناولت فيها مظاهر ومآلات الحملة الواسعة التي يشنها نظام زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي من أجل إعادة صياغة الهوية الوطنية لمصر؛ من خلال السعي أولا  لتقليص مركّبها الإسلامي والعربي، وثانيا احتواء سماتها الثورية، وثالثا العمل على بناء جيل مصري جديد يكون أكثر استعداداً للاصطفاف حول الأجندة التي يفرضها النظام، إلى جانب أنها ترمي رابعا إلى تحسين صورة النظام في الخارج.

وتقول الدراسة، إن الخطاب الحاكم لجدل الهوية الذي فجره نظام السيسي، يقوم على مبدأين أساسيين:

 أولاً؛ الإنسان المصري يمثل النقيض للإسلامي.

 ثانياً؛ الهوية المصرية تمثل فسيفساء من 8 مركّبات: الفرعونية، اليونانية، الرومانية، القبطية، الشرق أوسطية، والأفريقية، إلى جانب المركّبين الإسلامي والعربي.

وتلفت الدراسة إلى حقيقة أن النظم الشمولية هي التي عادة ما تنشغل في شنّ حملات، تهدف إلى التأثير على مركّبات الهوية الوطنية أو تسعى إلى بناء توازنات جديدة فيها؛ من أجل إيجاد متطلبات تضمن بقاء نظامه وضمان استمراره واستقراره، من خلال إثارة جدل الهوية أملا في أن يسهم ذلك في صياغة بيئة داخلية وبناء نخبة شبابية، تكون أكثر استعداداً لاستخدام كل الأدوات والوسائل التي تخدم النظام وتعمل على تحقيق أهدافه.

وفي يوليو 2018 كلف زعيم الانقلاب القوات المسلحة بتنبي ما أسماه بمشروع “الهوية المصرية”[2]وذلك لأن عقيدة الجيش المصري تغيرت بالفعل وفقا لتصورات السيسي وأركان نظامه، فبات الإسلاميون والثوار هم “الآخر العدو” وأضحت “إسرائيل” هي الصديق الذي يتعين دمجه والتقرب منه والعمل على ضمان أمنه واستقراره بتوثيق العلاقات والتحالفات العسكرية والاقتصادية والسياسية!

ثانيا الانقسام الحاد

وبالتزامن مع السعي للحد من الهوية الإسلامية والعربية في بناء الهوية المصرية التي يرغب السيسي في بنائها، أوضحت الدراسة أنه «في حين تمثل “الآخر” الذي سعى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لبناء الهوية المصرية لمواجهته في “الغرب والكولونيالية والصهيونية”، فإن “الآخر” الذي تهدف الهوية الجديدة التي يحاول السيسي فرضها، تمثله جماعة الإخوان المسلمين، مشيرة إلى أن النظام يعمل على تصميم المشهد الإعلامي المصري بهدف تحقيق هذا الهدف».   فالتغيير الأكبر هو اعتماد الإخوان كعدو بديلا للكيان الصهيوني.

تفسير ذلك أن كلا من الديكتاتور عبدالناصر والطاغية السيسي يعتمد نظرية صناعة العدو، من أجل إكراه المجتمع على الخضوع لاستبداده وسلطويته، ولتكون مبررا لقمع معارضيه وتكريس حكمه الشمولي، فبينما بالغ عبدالناصر في العداء للصهاينة كتوظيف سياسي لتكريس حكمه وانتهى به المطاف والمغامرات الفاشلة إلى هزائم متتابعة مكنت الصهيونية من كل فلسطين وكل سيناء والجولان والمقدسات الإسلامية. لكن اعتبار العدو الصهيوني عدوا هو في حد ذاته اتساق مع الهوية المصرية والإسلامية، لكن الطاغية عبدالفتاح السيسي، يصر على إحداث انقلاب شامل على هذه الهوية؛ وذلك بتوظيف مؤسسات الدولة الإعلامية والتعليمية والثقافية من أجل تكريس مفاهيم مغلوطة حول صداقة إسرائيل واعتبار الإسلاميين ــ وهم جزء واسع من الشعب المصري يمثل الثلث وفقا لأقل تقديرات استطلاع الرأي ــ  هو العدو الذي يريد من باقي الشعب الالتفاف حوله من أجل استئصاله والقضاء عليه بدعوى الحرب على الإرهاب المزعوم.

وفي سبيل تبرير هذ الحرب القذرة فإنه يضع تنظيم “داعش” جنبا إلى جنب مع “الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية المعتدلة، رغم الفوارق الضخمة في الفكر والسلوك وحتى الحاضنة الشعبية، في تدليس فاجر للربط بين القوى الإسلامية التي آمنت بمسار الانتخابات والتداول السلمي للسلطة، ولا ترى تناقضا بين قيم الإسلام والديمقراطية وبين تنظيم داعش الذي يكفر بكل ذلك، ويعتمد سياسة الإكراه تماما كما يفعل النظام العسكري الذي يقوده السيسي.

هذا الانقسام الحاد الذي تعمد قيادات الجيش تكريسه حذرت من خطورته على مستقبل مصر الباحثة داليا مجاهد في ورقة بحثية لمركز كارنيجي للسلام صدرت في 25 يوليو 2013 أي في أعقاب الانقلاب بأسابيع قليلة، وقالت إن هذا الاستقطاب الذي طبع المجتمع المصري قد يتحول إلى المعيار السائد في مصر خلال السنوات المقبلة، وهو ما جرى بالفعل.[3] وتمثل أغنية “احنا شعب وانتو شعب” للمغني علي الحجار والتي صدرت بعد شهور قليلة من انقلاب 30 يونيو 2013م تجسيدا صارخا لهذا الانقسام الحاد، بعد أن تسببت مذابح رابعة والنهضة والحرس الجمهوري والمنصة وغيرها في إحداث انقسام حاد، ستمتد آثاره الكارثية لعشرات السنين المقبلة بما يغلف مستقبل البلاد بغيوم كثيفة سوداء؛ لأن الشرخ أصاب كل بيت وأسرة وعائلة وشارع؛ وبات التصنيف على أساس المواقف السياسية والانتماء الفكري هو المعيار الحاكم لدى النظام ولدى قطاعات واسعة من المجتمع؛  ولا يزال النظام يعمق هذا الانقسام بمزيد من القتل والاعتقال والتعذيب الذي طال الجميع حتى أولئك الذين دعموا المؤسسة العسكرية في انقلابها على المسار الديمقراطي؛  وبذلك تحول التقسيم إلى سيساوي وغير سيساوي، الأول له كل الحقوق والامتيازات، والثاني ليس له إلا القتل والبطش والاعتقال والفصل من العمل.

ثالثا الإلحاد.. تزايد بطيء وغياب للأرقام الدقيقة

تحتل مصر صدارة الدول العربية في انتشار الإلحاد  كما تحتل المرتبة رقم 13 من بين أكثر الدول التي ينتشر بها العنف والإرهاب على مستوى العالم، بحسب مصادر موالية لسلطات الانقلاب تقول إنها تعتمد على تقارير لمعاهد بحثية دولية متخصصة.[4]،  لكن غياب الشفافية ولغة الأرقام يجعل من الوصول إلى نسبة قريبة من الواقع بشأن عدد  الملحدين أمرا صعب المنال؛  وبين المبالغة والتقزيم يتم تداول الأرقام غير الدقيقة بناء على توجهات الناشرين والمتداولين؛ فمرصد الفتاوى التكفيرية التابع لدار الإفتاء المصرية،  أصدر تقريرًا  في مطلع ديسمبر 2014م، رصد فيه تزايد  الإلحاد بين الشباب في الدول الإسلامية، ونقل المرصد عن مركز “ريد سي” التابع لمعهد “جلوبال”، أن مصر هي الأعلى عربيا في نسب الإلحاد،  بلغ  866 ملحدا.[5]لافتا إلى انتشار عشرات المواقع الإلكترونية التي تدعو إلى الإلحاد وتدافع عن الملحدين، وفي مقدمتهم “الملحدين المصريين” و”ملحدون بلا حدود” و”جماعة الإخوان الملحدون” و”مجموعة اللا دينيين” و”ملحدون ضد الأديان”، و”ملحد وأفتخر” و”ملحد مصري”، و”أنا ملحد”، كما عزا أسباب ذلك إلى تطرف الحركات الإسلامية وتشويه صورة الدين.

بين المبالغة والتقزيم تناولت صحيفة الجارديان البريطانية هذا الموضوع بشكل أكثر مهنية وحيادية، مشيرة إلى أنه لا يعلم أحد إحصائية دقيقة عن عدد الملحدين في مصر،  الصحيفة البريطانية ذكرت أن مصر ودول العالم العربي بوجه عام تتمتع بنسبة تدين عالية، يعزز هذه الفرضية  أن إحصائية لمحكمة الأسرة المصرية نشرت في مارس 2017 أظهرت أن عدد  دعاوى الطلاق خلال 2015م بسبب إلحاد أحد الزوجين أو تغيير عقيدته بلغت أكثر من 6500 قضية، وأكد محامون أن النسبة شهدت ارتفاعا بنسبة 30% أواخر 2016م[6]؛ وهو أوثق ما يمكن الاعتماد عليه؛ ما يكشف أن عدد الملحدين يقدر بعشرات الآلاف في أقصى الحالات وليس بالملايين كما تزعم دراسات مفبركة منسوبة لجهات غير معروفة وليس بالمئات كما يزعم مرصد الفتاوى التكفيرية الموالي لسلطات الانقلاب.

وكان زعيم الثورة المضادة عبد الفتاح السيسي خلال الاحتفال بليلة القدر في منتصف يوليو 2015م، أدلى بتصريح مثير عن تفشي الإلحاد في عصره إذا قال:” كتير من الشباب ألحدوا مسلمين ومسيحيين قالوا مفيش ربنا بقى طب ليه مقدروش يستحملوا حجم الفتنة وحجم الإساءة وحجم الظلم اللي موجود على الأرض مستحملوش كل ده وألحدوا وأنا مش قلقان مش لأني مش غيور على الله لكن لأني عارف إن هذا الأمر سينتهي بإذن الله”.[7]ولم تشهد مصر فتنة كتلك التي صنعها السيسي بانقلابه، كما لم تشهد ظلما كما شهدت في عهده  من مذابح بالجملة أسفرت عن مقتل الآلاف واعتقال عشرات الآلاف كلهم من أنصار ثورة 25 يناير والرئيس المنتخب الشهيد محمد مرسي، وحقن المجتمع بجرعات زائدة من العنصرية والظلم والكراهية أفضت إلى انقسام حاد دفع شبابا إلى الإلحاد أمام هذه الفتنة العاصفة.

رابعا تزايد معدلات الانتحار

وحول معدلات الانتحار في 2015، أكدت منظمة الصحة العالمية[8] وقوع مصر بالمرتبة 96 عالميا، ورصدت المنظمة، والمركز القومي للسموم، أن عدد المنتحرين سنويا تجاوز 4250 منتحرا أغلبهم بين الثلاثين والأربعين.وفي نيسان/أبريل 2016، أكدت صحيفة “نيويورك تايمز”، أن معدلات الانتحار بمصر بلغت 4200 حالة سنويا، في ظل انتشار الفقر والبطالة ووجود نحو 45 بالمئة من المصريين تحت خط الفقر.

ورغم أن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء رصد زيادة كبيرة بأعداد المنتحرين وأنها قفزت من 1160 حالة في 2005، إلى نحو 5000 في 2015، أكدت وزارة الداخلية أن معدلات الانتحار الموثقة رسميا لم تتجاوز حاجز 310 حالات سنويا، وسط انتقادات حقوقية بعدم شفافية الأرقام والتعتيم وغياب الشفافية وضعف حرية تداول المعلومات بمصر.

وذكر تقرير نسبه موقع “فرانس 24” لمنظمة الصحة العالمية أن مصر  تفوقت على الدول العربية التي تشهد نزاعات مسلحة وحروبا أهلية حيث شهدت 3799 حالة انتحار في عام 2016م.[9]

وأمام الخوف من تسييس معدلات الانتحار تتهم فضائيات وصحف العسكر مرض الاكتئاب بالتسبب في تفاقم الظاهرة، لكن ذلك يمثل أيضا اتهاما للنظام وليس تبرئته؛ كما أن ذلك لا يقدم تفسيرا لأسباب الاكتئاب، خصوصا إذا علمنا أن هناك أكثر من مليون مصري مصابون بالاكتئاب بحسب منظمة الصحة العالمية.[10] ويكون الأمر أكثر خطورة إذا علمنا أيضا أن 16 مليون مصري مصابون بأمراض نفسية وفق أرقام صحيفة اليوم السابع الموالية للنظام.[11]وتتنوع الوسائل التى يستخدمها المصريون فى الانتحار، ما بين الانتحار شنقا أو بالقفز من مكان عال سواء من شرفة المنزل أو مبنى عال كبرج القاهرة أو بتناول قرص سام لحفظ الغلال أو مبيد حشري، أو إطلاق النار، أوالغرق في مياه النيل أو فروعه أو بإشعال النار أو بقيام المنتحر بالطعن بالسكين أو كتم النفس ببلاستر، أو إلقاء نفسه أمام قطارات السكة الحديد والمترو، والبعض يوثق لحظة الانتحار عبر حسابه الشخصى على موقع التواصل الاجتماعي.

خامسا، “5.6” ملايين  مطلقة!

«كان مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء بحكومة الانقلاب، أصدر إحصاء حول نسب الانفصال الزوجي “الطلاق” في مصر، يؤكد أنها الأعلى عالميا. ووفقا للإحصاءات والبيانات الرسمية، والتي تم حصرها في مستهل2018م، فإن حالة طلاق واحدة، تحدث كل 4 دقائق، وإن مجمل حالات الطلاق على مستوى اليوم الواحد تتجاوز 250 حالة، فيما وصلت حالات “الخلع” عبر المحاكم أو الطلاق خلال العام الماضي 2015 إلى أكثر من ربع مليون حالة انفصال؛ مسجلةً زيادة تقدر بـ 89 ألف حالة عن العام الذي سبقه 2014.  أما الأمم المتحدة فقد رصدت في إحصاءات، أكدت فيها أن نسب الطلاق ارتفعت في مصر من 7 في المئة إلى 40 في المئة خلال نصف القرن الماضي، ليصل إجمالي المطلقات في مصر إلى 4 ملايين مطلقة. ذلك في الوقت الذي تؤكد فيه الإحصاءات الرسمية أن المحاكم المصرية، شهدت تداول نحو 14 مليون قضية طلاق في العام 2015، يمثل أطرافها 28 مليون شخص، أي نحو ربع تعداد سكان المجتمع المصري»[12].

وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في تقريره عن سنة 2017م، فإن هناك 23 حالة طلاق كل ساعة،  وأن 198.269 ألف أسرة تفككت و500 ألف طفل معرضون للتشرد بعد الحرمان من حنان الأباء والأمهات ودفء الأسرة.[13] ووفقا للجهاز فإن هذا الأمر يوجد أطفالًا غير أسوياء يهددون استقرار المجتمع؛ لغياب الجانب التربوي وكذلك البعد الديني والسلوكي.وعن الأرقام الصادرة عن مركز معلومات مجلس الوزراء أيضا عن عام 2018م، فإن هناك 7 ملايين طفل مشرد بسبب الطلاق وتفكك الأسرة المصرية فقد بلغت عدد شهادات الطلاق الموثقة 211 ألفاً و554 شهادة عن عام 2018 بزيادة 6.7% عن عام 2017.[14]

وتكشف آخر الإحصائيات الصادرة عن المركزي للتعبئة العامة والإحصاء[15] عن حالات الطلاق في البلاد، إذ وصل عددها عام 2018 إلى 220 ألفاً و96 حالة، من بينها 8542 حكماً نهائياً بالطلاق من القضاء، و211.554 حالة طلاق لدى المأذونين.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى وقوع حالة طلاق في مصر كلّ أربع دقائق، وأخرى تشير إلى حالة طلاق كلّ دقيقتين، وهو ما يؤكد أنّ حالات الطلاق تتعدى في اليوم الواحد 2500 حالة، لتتصدر مصر المركز الأول عالمياً، ويقدر عدد المطلقات بأكثر من 5.6 ملايين على يد مأذون، ونتج عن ذلك تشريد ما يقرب من 7 ملايين طفل. وبحسب إحصاءات واردة من محاكم الأحوال الشخصية، فقد تخطت حالات الخلع 250 ألف حالة عام 2018 أي بزيادة 89 ألف حالة بالمقارنة مع 2017.

سادسا، تزايد  معدلات الزنا

الأكثر خطورة على الجانب الآخر أن أعداد العازبين من الجنسيين تخطت الــ 15 مليون شابا وفتاة؛ بسبب عدم القدرة على الزواج أو التخوف منه بسبب العوامل الاقتصادية وتفشي الفقر، أو بسبب المخاوف النفسية وعدم القدرة على تحمل المسئولية في ظل الظروف الراهنة؛ وهو ما يفتح الباب واسعا أمام تفشي ظواهر التحرش والزنا والشذوذ وغير ذلك من الأوبئة والأمراض الاجتماعية الفتاكة. ولم تشهد مصر تزايدا في معدلات زنا المحارم والعلاقات الآثمة والشذوذ كما يحدث في مرحلة ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013م.

وكان الدكتور أحمد المجذوب، الخبير الاجتماعي في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ، قد ألف كتابا هو الأول من نوعه في العالم العربي تحت عنوان: “زنا المحارم.. الشيطان في بيتنا” الصادر سنة 2003. وفي تصريحات حديثة للمجذوب يؤكد أن “إن نسبة زنا المحارم (بين ما يقارب مائتي حالة قام بدراستها) وصلت إلى 25% بين الأخ وأخته، و12% بين الأب وابنته، و9% بين زوج الأم وابنة الزوجة، و6% بين الابن وزوجة الأب، و6% بين زوج الأخت وأخت الزوجة، و5% بين الابن وخالته أو عمته، و5% بين الأم والابن، و4% لكل من ابن الأخ والعمة والخال وابنة الأخت والأب وزوجة الابن، و3% بين العم وابنة الأخ”.

وأضاف المجذوب في تصريحاته أنه “كلما ابتعدت القرابة انخفضت نسبة جرائم زنا المحارم، فيما عدا زنا الأم والابن، والتي بطبيعتها قليلة ليست في مصر فقط، بل في كل الدول عدا اليابان، ونسبة اللاتي لم يسبق لهن الزواج من ضحايا زنا المحارم نسبتهن 47.5 % تليهن المتزوجات ونسبتهن 26%، فالمطلقات ونسبتهن 18%، وأخيرا الأرامل وبلغت نسبتهن 8.5%”.[16]

ويرى الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي، أن السبب الرئيسي هو الإعلام وما يبثه من إثارة في مجتمع يعاني من الحرمان على مستويات متعددة، موضحًا أن الإدمان وتعاطي الكحوليات من أبرز العوامل المؤدية إلى “زنا المحارم”، حيث تؤدي هذه المواد إلى اضطراب في الوعي، ما يجعل الفرد يتجه إلى ممارسة الرذيلة، ما يسبب خللًا كبيرًا في الميزان القيمي والأخلاقي.

سابعا، «1.5» مليون طفل متسول

ومع الغلاء الفاحش، وتزايد معدلات الفقر، تفشت ظاهرة التسول  بشكل مخيف، وتقدر دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث الجنائية عدد المتسولين بحوالي 41 ألفا  بينما يصل عدد الأطفال الذين يتم استخدامهم في عمليات التسول حوالي “1.5” مليون طفل بحسب إحصائية كشفها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بحسب موقع “دوت مصر” التابع لجهاز المخابرات العامة.[17] وهي الإحصائية التي تفترض أن أطفال الشوارع عملهم الرئيس هو التسول أو السرقة.

لكن بوابة الأهرام نشرت دراسة حديثة، أجراها قسم بحوث الجريمة، بالمركز القومي للبحوث الجنائية، عن أطفال التسول في شوارع مصر، ينزل بالرقم إلى 21 ألفاً و650 طفلاً متسولاً، وبذلك يحتل الأطفال النسبة الأكبر، من أصل 41 ألف متسول داخل مصر. وتوصلت الدراسة لأرقام خطيرة، تفيد قيام بعض الأسر بتأجير أطفالهم، مقابل الحصول علي رواتب يومية من معتاد التسول، تصل لـ 50 جنيها يوميًا، مقابل إيجار طفل صغير عمره ما بين 5 إلي 10 سنوات، في حين يصل إيجار الطفل المكفوف أو المعاق لـ 75 جنيها، ويتراوح إيجار الطفل الأصم أو المعاق ما بين 100 و200 جنيه يوميا.[18] وابتعدت الدراسة الأخيرة عن التسول للمركز القومي للبحوث عن لغة الأرقام وتناولت  تفشي 8 صور من صور التسول الحديث.[19]

ثامنا، خطف الأطفال

وتفشت في مصر خلال سنوات ما بعد الانقلاب خصوصا بعد البدء في تطبيق ما يسمى بالبرنامج الاقتصادي في نوفمبر 2016م،  ظاهرة خطف الأطفال؛ ويصف أمنيون اختفاء الأطفال أنّه جريمة تحتاج إلى وقفة، مؤكدين عدم توفر إحصائيات دقيقة حول معدل اختفاء الأطفال في مصر. لكن، وبحسب معلومات أمنية  قدَّرت حالات اختفاء الأطفال  في النصف الأول من  2017 بنحو  «1700» سجلتهم بلاغات رسمية. وعلى الصعيد الشعبي، باتت القضية من أهم القضايا التي تؤرق المواطنين في مصر، بعدما تحوّلت إلى ما يشبه الكابوس للآباء والأمهات، بل أدت إلى رفض أسر كثيرة نزول أبنائها الصغار إلى الشارع أو النادي بمفردهم.[20]

وتشير أحدث الإحصاءات حول ظاهرة أطفال الشوارع في مصر، والتي يصادق عليها “المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية” (حكومي) إلى أنّ هناك أكثر من مليوني طفل متشرد في شوارع العاصمة القاهرة وحدها. لا يجد هؤلاء مأوى لهم إلا جدران المباني القديمة، ما يضاعف من مأساتهم في فصل الشتاء وبرده. ويؤكد المركز، من جهته، أنّ مصر هي الأولى عربياً في عدد أطفال الشوارع.

تاسعا، ظاهرة البلطجة وانتشار الجرائم

وعلى مستوى انتشار الجرائم، احتلت مصر المركز الرابع على مستوى الدول العربية في معدلات الجريمة، واحتلت المرتبة الـ26 عالميًا، والثامنة أفريقيًا والثالثة عربيًا، وفق مؤشر الجريمة العالمي (نامبيو) خلال عام 2018؛ بسبب تفشي ارتكاب الجرائم. وقال المؤشر إن أنواع الجريمة وطرق تنفيذها تطورت، فالقتل العمد زاد بنسبة 130%، والسرقة بالإكراه 350%، إضافة إلى وجود 92 ألف بلطجي في مصر، والمسجلون خطر ارتفعوا بنسبة 55%، حسب إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية في 2017.[21]

كما أكد التقرير الصادر عن قطاع الأمن العام في الحصاد السنوي للجهود الأمنية في 2019، ارتفاع مستوى الجرائم بنسبة 5% في 2015، بنسبة 7% في 2016، و10% مطلع 2017، بالإضافة إلى زيادة ملحوظة في عام ٢٠١٨، حيث زادت ٥٪ عن العام الماضي مع القبض على مرتكبي الجرائم والبحث عن آخرين هاربين.[22]

ويكشف مؤشر الجريمة العالمي 2018 (نامبيو) أيضا رصد 1360 حالة قتل بزيادة بنسبة “130%”، و925 حالة سرقة بالإكراه بزيادة 350%،بخلاف حالات السرقة العادية بزيادة نسبتها 400%، بينما ارتفعت سرقة السيارات بنسبة 500%،  و66 حالة اغتصاب و467 هتك عرض  كما أن هناك 500 ألف بلطجي ما يمثل جيشا جرارا من البلطجية وأرباب السوابق.[23]

ووفقا لتقرير صدر مؤخرا عن وزارة الداخلية يكشف معدلات الجريمة في مصر خلال 2018، تطرق التقرير أيضًا إلى ارتفاع معدلات الجريمة خلال الـ3 سنوات الماضية، حيث احتلت مصر المركز الثالث عربيا في عام 2016، والمرتبة الخامسة وفقا لموقع موسوعة قاعدة البيانات «نامبيو»، في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال 2017.

وطبقا لـ 3 مصادر أمنية مسؤولة في مصلحة الأمن العام ومؤسسة رئاسة الانقلاب، فإن تقريرا أمنيا أعدته مصلحة الأمن العام تم رفعه إلى رئاسة الجمهورية فى نوفمبر/تشرين الثاني 2016م للتحذير من مخاطر رفع الأسعار بعد تعويم الجنيه وزيادة سعر البنزين، وأضافت المصادر الثلاثة أنه تم إرسال تقرير آخر فى نهاية يناير 2017 حذر من ارتفاع معدل جرائم السرقة بشكل ملحوظ بسبب ارتفاع الأسعار، وهو ما يعد حقيقة تعرفها كل الجهات المعنية فى البلد، وفق ما قاله اللواء فاروق المقرحي مساعد وزير الداخلية للأموال العامة، مؤكدا أن رئاسة الجمهورية كلفت وزارة الداخلية بتكثيف التواجد الأمني بعد زيادة سعرالبنزين وتحرير سعر صرف العملة “لأنهم يدركون أن رد فعل المواطنين إما سيكون بالخروج إلى الشارع للتظاهر أو ارتفاع معدل حوادث السرقة”. لكن اللواء رفعت عبد الحميد الخبير الأمني يرى أن ارتفاع نسبة السرقة بشكل فردي أمر غير مقلق إلى حد ما، ولكن الأهم ألا تتحول تلك الحوادث إلى عمليات منظمة يصفها البعض بما يسمى بـ”ثورة الجياع “، وهو ما يوافقه فيه محمد محيي الدين عضو مجلس الشعب السابق وأستاذ العلوم السياسية بجامعة عين شمس، قائلا “عندما لا يجد المواطن قوت يومه أو ما يسد احتياجات أسرته سيضطر  إما إلى أن يتظاهر في الشارع وهذا لن يحدث بسبب التشديدات الأمنية، أو يجور على ما لا يملك، وهذا ما حدث”. [24]

عاشرا، “10” ملايين مدمن مخدرات!

تزايدت معدلات الإدمان وتعاطي المخدرات في مصر خلال السنوات القليلة الماضية، يقول عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي: «بلغت نسبة تعاطي المخدرات بين المصريين أكثر من 10 في المائة، وهي نسبة تمثل ضعف المعدلات العالمية».  وإذا علمنا أن تعداد مصر الآخير بلغ “104” ملايين نسمة فمعنى ذلك أن عدد المدمنين ومتعاطي المخدرات يزيد عن “10” ملايين مصري![25]

ويضيف عثمان: «من واقع بيانات المسح القومي الشامل لصندوق مكافحة وعلاج الإدمان، وجدنا أن نسبة التعاطي بين الذكور 72 في المائة، بينما بين الإناث بلغت 27 في المائة، واتضح أن أكثر أنواع المخدرات انتشارا بين المدمنين هي أقراص الترامادول بنسبة (51.8 في المائة)، ويأتي في المرتبة الثانية الهيروين بأكثر من 25 في المائة، ويليه الحشيش بنسبة نحو 23 في المائة». وتزداد نسب الإدمان بين الشباب المصري رغم الحملات المكثفة منذ عقود بسبب عدد من المفاهيم الخاطئة”.

وهو ما يتفق مع تصريحات وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي، التي أكدت أن نسبة تعاطي المخدرات في مصر بين الفئة العمرية من 15 إلى 65 سنة وصلت إلى 10%، وهي ضعف المعدل العالمي البالغ 5%، وذلك وفقا لآخر مسح قومي تم إعداده عام 2014، كما وصلت نسبة التعاطي بين بعض الفئات مثل السائقين إلى 24% والحرفيين 19% وطلبة المدارس الثانوية 7,7%.[26] وتحذر تقارير من تفشي واسع لمخدر “الإستروكس”  المصنوع محليا والذي قد يفضي إلى الموت، كما زادت نسبة متعاطي الإستروكس في مصر إلى 40% من إجمالي مدمني المخدرات بعد أن كانت 9% من الإجمالي في أوائل العام الجاري.[27]

ويؤكد المجلس القومي لمكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، في إحدى دراساته، أن تناول المخدرات يتسبّب في وقوع 79% من الجرائم في مصر. وبيّنت الدراسة الارتباط بين تعاطي الحشيش والجرائم، مثل الاغتصاب وهتك العرض والقتل العمد والسرقة بالإكراه. وأشارت إلى أن نسبة المدمنين الذين يتناولون المخدرات بصورة مستمرة وضارّة يصل عددهم إلى أكثر من ستة ملايين بخلاف ملايين المتعاطفين الذين لم يصلوا إلى مرحلة الإدمان بعد. كما أن نسب الإدمان في مصر في تزايد مستمر، والوضع يزداد سوءاً. وبحسب الدراسة نفسها، فقد ساهمت الدراما المصرية في انتشار الإدمان. إذ أنها قدمت مؤخراً نحو 9500 مشهد يظهر التعاطي بصورة خاطئة أقنعت الجمهور أن المخدرات تساعد في تحسين المزاج. كما أن عدم وجود مراكز لعلاج الإدمان، خصوصاً للفقراء ومحدودي الدخل، زاد من عدد المدمنين.[28]

أسباب  انتشار الجرائم والظواهر السلبية

يمكن أن نعزو انتشار الجرائم وتفشي الظواهر السلبية في المجتمع إلى عدد من الأسباب:

أولا، تدهور الأوضاع الاقتصادية وتآكل الأجور والمرتبات مع انخفاض قيمة الجنيه لأكثر من 100% في أعقاب البدء في تنفيذ ما يسمى بالبرنامج الاقتصادي وتحرير العملة المحلية أمام باقي العملات وما تلى ذلك من موجات ملاحقة من الغلاء الفاحش والتي أدت إلى سقوط عشرات الملايين تحت خط الفقر؛ وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإن معدلات الفقر ارتفعت إلى “32.5%” ما يعني أن حوالي 30 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر. لكن هناك من يشككون في صحة هذه الأرقام والنسب وأن سلطات الانقلاب دأبت على تزييف الأرقام بما يخفف من وطأة الحقيقة المؤلمة بينما تذهب تقديرات البنك الدولي في بعض تقارير إلى أن نسبة الفقر في مصر تقترب من 60%.[29]ما يعني أن هناك 60 مليون مصري لا يجدون ما يكفي لتوفير احتياجات الأصلية من طعام وشراب ومسكن وتعليم ودواء.

ثانيا، أسهم في  تزايد معدلات الجريمة؛ الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي، باعتباره سلوكا غير مشروع يكرس ثقافة العنف ويدفع الآلاف إلى تحقيق أغراضهمم بأدوات غير شرعية ولا أخلاقية. أضف إلى ذلك أن الاستبداد السياسي والعنف المفرط من جانب السلطات بحق الشباب المتطلع للحرية المدافع عن مكتسبات ثورة يناير التي أجهضها العسكر، أفضى إلى انقسام مجتمعي حاد، استخدمت فيه السلطة أبشع صور الإرهاب والقتل والتعذيب وتكريس خطاب العنف والكراهية والتكفير السياسي والديني، ومع انسداد المسار السياسي وإجهاض الديمقراطية، وانعدام الأمل في التداول السلمي للسلطة، كلها عوامل بثت الروح في أفكار التنظيمات الراديكالية التي تؤمن بالعنف طريقا للتغيير ويعتبر السيسي هو الأب الروحي لهذه التنظيمات، فانقلابه بث في أفكارها الحياة من جديد بعد أن كانت أوشكت على الفناء في أعقاب ثورة يناير وفتح المجال أمام الجميع للمشاركة في الحياة العامة على حد سواء.

ثالثا، تعتبر “العولمة” سببا رئيسا في انتشار الإلحاد والجريمة، فالعولمة جعلت من العالم قرية صغيرة بفعل ثورة الاتصالات والإنترنت والانتشار الواسع  لمنصات التواصل الاجتماعي وسهولة التواصل مع الأفكار والثقافات المختلفة على مستوى العالم، أدى ذلك إلى تعرف الشباب الغض لموجات كثيفة من التغريب والأفكار الدخيلة والغريبة على المجتمع، وأمام الانتشار الواسع للسينما الأمريكية عبر شبكة قنوات “أم بي سي” التي تديرها السعودية إضافة إلى الدراما التي تعتمد على الأكشن والجريمة، كل  ذلك كان صدى لتأثيرات العولمة السلبية، ساهم من زيادة تأثيرها غياب المناعة المجتمعية في ظل حكم استبدادي سلطوي ليس معنيا بحماية المجتمع وتحصينه بقدر اهتمامه  بحماية النظام وتوفير عوامل بقائه واستمراره.

رابعا، ومن أسباب تفشي العنف والجريمة والمخدرات كذلك، الدور السلبي للدراما التي باتت أحد أهم أدوات تكريس ثقافة العنف في المجتمع حتى يحقق رموز وكوادر النظام أرباحا بالملايين على حساب قيم وأخلاقيات المجتمع في ظل تشجيع من النظام الذي يريد أن يغرق الشعب بالأفلام والدراما لإلهائهم عن السياسة وللتغطية على فشل النظام في كافة المجالات والأصعدة.

خامسا، ساهم في زيادة معدلات الإلحاد والانحلال الأخلاقي كذلك، عمليات القمع المفرط الذي مارسه نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي والحرب  المسعورة على المتدينين من شباب التيار الإسلامي، إضافة إلى حصار النشاط الدعوي للإخوان والدعاة المخلصين في التيار السلفي، والترصد للدعاة الربانيين داخل المؤسسة الدينية الرسمية، كل ذلك يعزز بالمقابل السلوكيات المناقضة للالتزام فأفضى ذلك إلى تزايد معدلات الإلحاد وتفشي الانحلال الأخلاقي.

سادسا، تفشي الفساد في أجهزة الدولة، فالشرطة التي يفترض أن تقوم بالتصدي للمخدرات ومكافحة التهريب يمارس كبار قادتها عمليات تهريب واسعة عبر مافيا واسعة مع قيادات كبرى في الجيش والمخابرات وكبار رجال الدولة، ويتحصلون من وراء ذلك على المليارات من هذه التجارة الحرام. تماما كما يحدث في تهريب  الآثار وغيرها من كنوز مصر.

سابعا، قصور التشريعات عن مواجهات كثير من الظواهر مثل الزنا والمخدرات، وهو ما يسهم في عدم وجود رادع للمهربين والمدمنين، وبذلك يجد الكثيرون في هذه التجارة الحرام  وسيلة للثراء السريع على حساب تدمير المجتمع، كما يجد الزناة أن القانون يحمي هذه الرذيلة إذا تمت بالتراضي، وهي رسالة تشريعية تؤكد توفير الدولة حماية للزناة وتقنينا للزنا.

خاتمة

أسهم انقلاب العسكر في يوليو 2013، في تزايد مخيف في معدلات الجريمة بأشكالها المختلفة ومع هبوط عشرات الملايين تحت خط الفقر بسبب السياسات الاقتصادية التي أفقرت الشعب، لا يجد هؤلاء الملايين أمامهم سوى طريقين:

 الأول هو الثورة على الظلم والنظام الذي أفقرهم وهو ما يواجه من جانب السلطة بقمع مفرط ووحشية غير مسبوقة. والثاني هو التوجه نحو النهب والسرقة والاعتداء على أموال الآخرين وهو ما يحدث حاليا ويمثل تفسيرا علميا لأسباب تفشي الجريمة في المجتمع. كما أن الفقر أفضى كذلك إلى ملايين المشاكل الزوجية حتى أصحبت مصر الأولى عالميا في نسبة الطلاق.

ومع الحرب المسعورة على الإسلاميين والدعاة الربانيين خلت الساحة، وبات يتصدر الإعلام والمنابر شيوخ السلطة الذين يبررون جرائمها؛ ففقد الشباب الأمل في ظل القمع الوحشي والظلم المرير؛ فأدى ذلك إلى تزايد معدلات الانتحار والإلحاد والانحلال الأخلاقي والانزواء وإدمان المخدرات.

وأمام اهتمام النظام بتأمين بقائه على حساب المجتمع، وغياب أي روية تسهم في تقوية مناعة المجتمع في مواجهة عواصف العولمة والتغريب بل مساهمة النظام في تدبير انقلاب آخر على هوية المجتمع، وجعل الآخر هو الإسلاميين بدلا من الكيان الصهيوني وفق نظرية صناعة العدو؛ يجعل بقاء هذا النظام الدموي كارثة كبرى تهدد مستقبل مصر ويعصف بأمنها القومي.

ولا حل إلا بتعزيز  الانتماء عبر  العودة إلى المسار الديمقراطي الذي جاء ثمرة لثورة 25 يناير، والإقرار بأهمية الديمقراطية والتعايش المشترك وإسهام الجميع في بناء الوطن على أساس توافر الحريات والعدالة والمساواة أمام القانون دون إقصاء أو تهميش أو عنصرية.

تم في الخميس 5 ديسمبر 2019م

[1]صالح النعامي/ دراسة إسرائيلية: السيسي يعيد صياغة الهوية المصرية لتمكين نظامه/ العربي الجديد 28 يناير 2019

[2]محمد البنهاوي/ مؤتمر الشباب 2018| السيسي يكلف القوات المسلحة بتبني «الهوية المصرية»/ بوابة أخبار اليوم السبت 28 يوليه 2018

[3]داليا مجاهد/ الانقسام العميق في مصرمركز كارنيجي للسلام 25 يوليو 2013

[4]دندراوي الهواري/مصر الأولى فى الإلحاد ورقم 13 عالميا فى الإرهاب.. «إزاى مش عارف»؟!/ “اليوم السابع” الإثنين، 08 يناير 2018

[5]ياسمين مبروك/ بالأرقام.. مصر الأولى عربيًا في انتشار الإلحاد.. و”الإخوان” السبب/ الفجر الأربعاء 12/سبتمبر/2018

[6]تامر علي/كشفت عنها تزايد قضايا الطلاق بسبب إلحاد أحد الزوجين..تصاعد معدلات الإلحاد بمصر منذ الانقلاب.. لماذا؟/ “عربي 21” الأربعاء، 15 مارس 2017

[7]جهاد الأنصاري/ فيديو..السيسي: أنا مش قلقان من الإلحاد/ “مصر العربية” 14 يوليو 2015

[8]حالات الانتحار في تزايد مستمر بمصر.. وهذه أبرز دوافعها/ عربي 21  الإثنين، 04 يونيو 2018

[9]مها فريد/منظمة الصحة العالمية: حالة انتحار كل 40 ثانية حول العالم ومصر الأولى عربيا/ فرانس 24 تم النشر في 10 سبتمبر 2019

[10]محمد أبوزهرة /منظّمة الصحة العالمية: مليون مصري يعانون الاكتئاب/ النهار اللبنانية 3 ديسمبر 2019

[11]إسلام إبراهيم – هبة مصطفى /إيه السبب؟!.. 16 مليون مصرى مصابون بأمراض نفسية.. 15% منهم فقط بيتعالجوا.. وخرافات الجنون والعلاج بالكهرباء وراء رفض العلاج.. و7 أسباب وراء انتشارها أبرزها الزحام والسلبية وتأخر سن الزواج/ اليوم السابعالأربعاء، 14 أكتوبر 2015

[12]منى إمام/ حقيقة صادمة.. حالة طلاق كل 4 دقائق/ بوابة أخبار اليوم الإثنين، 29 أكتوبر 2018

[13]تحقيق: حسني كمال ود.إسلام عوض/ 23 حالة كل ساعة.. الطلاق يدمر الأسرة ويعرض أطفالنا للخطر.. وغياب إعلام الطفل التربوي يزيد المشكلة / بوابة الأهرام 14 نوفمبر 2019

[14]دينا حلمي/ قانون الخلع: المتهم والضحية في تفكيك الأسرة المصريةإضاءات 27 نوفمبر 2019

[15]زيادة الطلاق في مصر تشرّد سبعة ملايين طفلالعربي الجديد28 أغسطس 2019

[16]بسام ناصر/”زنا المحارم”.. ما هي حدود انتشار الظاهرة وأسبابها؟/ ” عربي 21″ الاثنين 25 يناير 2016م

[17]بالأرقام| 1.5 مليون «لله يا محسنين».. تسول الأطفال مسؤولية مين؟موقع دوت مصر الاثنين 16 أكتوبر 2017

[18]إسراء أحمد عبدالفتاح/بالفيديو.. “بوابة الأهرام” تكشف بيزنس التسول بالأطفال.. إيجار “الأصم” 200 جنيه و 20 ألف قنبلة موقوتة بالشوارعبوابة الأهرام 27 يوليو 2017

[19]عبير العبد/دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث تكشف عن 8 أنواع للتسول.. المصري لحقوق الإنسان: ارتفاع معدلات الفقر وضعف الوازع الديني أبرز الأسباب.. وخبير يحذر: يزيد معدلات الجريمة المنظمة والردع هو الحل/ البوابة نيوز  الخميس 29 أغسطس 2019

[20]الخطف شبح أطفال مصر/ العربي الجديد 25 يوليو 2017

[21]هايدي حمدي/ احتلت المرتبة الثالثة عربيًا.. سر ارتفاع معدلات الجريمة في مصر/ الدستور السبت 0/يوليه 2019  (تابعة للمخابرات)//بسنت الشرقاوي / جرائم الأسباب «التافهة».. ما الدوافع النفسية وراء ذلك؟! / بوابة الشروق  الخميس 31 أكتوبر 2019

[22]روان الأغا/ خبراء: الفقر والإدمان وراء ارتفاع معدل الجريمة في مصربوابة المصري اليوم  الأحد 1 سبتمبر 2019

[23] الجريمة في مصر… أرقام مقلقة (إنفوغراف)/ “عربي “21” الخميس، 30 أغسطس 2018

[24]أحمد حسن/ الجريمة في مصر…تزايد السرقة والسطو المسلح مع غلاء المعيشة/ العربي الجديد 4 يوليو 2017

[25]داليا عاصم/صندوق مكافحة الإدمان في مصر: المتعاطون 10 % والترامادول الأكثر انتشاراً/صحيفة الشرق الأوسط 28 يوليو 2017

[26]الحكومة اعترفت بتفاقم الظاهرة.. لماذا أصبح إدمان المخدرات بمصر ضعف المعدلات العالمية؟/”عربي 21″ الإثنين 30يوليو 2018

[27]الإستروكس.. مخدر جديد يظهر في مصر/ الجزيرة نت الإثنين 26 نوفمبر 2018م

[28]أحياء للمخدرات في مصر/ العربي الجديد 11 أكتوبر 2018

[29]البنك الدولي: 60% من سكان مصر إما فقراء أو أكثر احتياجًامصراويالأربعاء 01 مايو 2019

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *