الستار الحديدي Iron Curtain !

كتبه : عاطف معتمد

الرئيس الأوكراني في حالة لا يحسد عليها، ينادي زعماء الغرب لإنقاذ بلاده ويدعوهم لممارسات فعلية على الأرض تتجاوز العقوبات الاقتصادية على روسيا. يقول الرئيس “زيلينسكي” إن روسيا تستهدفه هو في المقام الأول بعد أن أصبح “المطلوب رقم 1 في الحرب الحالية”.لا يجب أن نفهم من كلمات زيلينسكي بالضرورة أنه يقصد التخلص الجسدي في إحدى الغارات الحربية، بل الأرجح أن وضع الحرب البائس وتذمر الشعب الأوكراني من وطأة كوارثها، فضلا عن حالة الاضطراب السياسي التي قد تنشأ من تداعياتها قد تثير مظاهرات واعتراضات تطالب برحيل زيلينسكي وتمهيد الطريق لظهور رئيس جديد ترضى عنه موسكو ويكون حلقة وصل في المستقبل بما يحفظ ماء وجه الجميع، ويجنبهم دخول حرب عالمية شاملة، بحيث:- يتفاهم رئيس جديد مع الغرب نحو تسوية أقل خطرا على روسيا- يتفاهم الرئيس الجديد مع روسيا نحو التوقف عند الخسائر التي منيت بها أوكرانيا منذ عام 2014: في شبه جزيرة القرم وحاليا في الأقاليم الشرقية. وحتى لا يلقى زيلينسكي هذا المصير المشؤوم يحاول جاهدا الاستنجاد بمصطلحات مر عليها أكثر من ثلاثة عقود ومن بينها تصريحه الذي خاطب به العالم ليلة أمس من أن روسيا تسدل من جديد “ستارا حديديا على أوروبا”.الخريطة المرفقة مع هذا المقال تضم خطا سميكا أسود اللون من المحيط القطبي إلى البحر الأسود ويعبر عن الستار الحديدي الذي كان يفصل بين كتلتين شرقية وغربية:- الكتلة الشرقية كان يمثلها الاتحاد السوفيتي (روسيا + 14 جمهورية أخرى من بينها طبعا أوكرانيا) علاوة على الدولة المتأثرة بالمد الشيوعي في أوروبا الشرقية والوسطى ومن أهمها في الخريطة المرفقة رومانيا، والمجر، وبلغاريا، تشيكوسلوفاكيا، وشطر ألمانيا الشرقي الذي كان يقسم البلد إلى “ألمانيا الشرقية” و”ألمانيا الغربية” – أما الكتلة الغربية الواقعة غرب الستار الحديدي فتمثلها بقية دول أوروبا ومعها أعضاء في حلف الناتو مثل تركيا. كانت الكتلة الشرقية تعيش في كنف حلف عسكري مسلح بقيادة عليا وخطط مشتركة ويحمل هذا الحلف اسم “وارسو”، وقد اختيرت مدينة “وارسو” العاصمة البولندية وليس موسكو عاصمة الاتحاد السوفيتي لتكون اسما للحلف في دلالة رمزية واستراتيجية لتوجيه رأس حربة ضد الكتلة الغربية في أقرب موقع جغرافي. مع تفكك الاتحاد السوفيتي سقط حلف وارسو بل إن الناتو التهم بولندا وضمها إليه حتى يمحي تماما ذكرى “وارسو” الذي تحمله عاصمة بولندا وأصبح مستشارو الناتو والخبراء العسكريون الغربيون يمرحون في “وارسو” في استعراض جغرافي سياسي انقلابي.في الخريطة تبدو يوجسلافيا بلون أخضر فاتح في فئة تسمى فئة “عدم الانحياز” ولعلنا نتذكر في مصر أن عبد الناصر كان يحاول مع الزعيم اليوغسلافي الكبير “تيتو” تشكيل جبهة عدم الانحياز.حين كنا طلابا في المدارس الثانوية في منتصف الثمانينيات كانت بعض الحملات الانتخابية لمرشحي التيار الإسلامي تجوب شوارعنا في القاهرة العتيفة وتهتف “لا شرقية ولا غربية …إسلامية إسلامية” والمقصود هنا بالشرقية والغربية تلك الكتلتين المرسومتين على الخريطة بفاصل من الستار الحديدي.من بين كل هذه المصطلحات استعاد الرئبس الأوكراني تعبير عودة “الستار الحديدي”.يدهشني منذ الصغر مسمى هذا الحاجز ولماذا يسمى “ستارا” وليس جدارا أو سورا؟ يبدو أن هناك أسبابا عديدة من وجهة نظر غربية وإن كان أهم ما في المصطلح هو “إسدال الستار على المسرح بعد انتهاء العرض” أو إسدال الستار السميك على الجمهور فلا يعرف ما الذي يدور خلف الستار” وهذا ما كانت الكتلة الشيوعية تفعله حين كانت تُغيب عمدا وتغمي عمدا وتحبس عمدا كل من يعيش في مسرح الكلتة الشيوعية. ولعل هذا دفع ببعض علماء الجغرافيا السياسية إلى تسمية الشعوب الواقعة داخل هذا الستار باسم “شعوب في الأسر” أو في كلمتين “شعوب أسيرة”. ما يقوله زيلينسكي به قدر من الصواب وقدر من المبالغة.الصواب في قوله إن روسيا فعلا تشكل بذلك ضما وجمعا لشعوب تحت هيمنتها من حديد داخل الستار بوسائل الحرب والخوف، المبالغة أن حجم الستار صغير جدا بالمقارنة بما كانت عليه روسيا قبل أكثر من 30 سنة.ومع ذلك، كلمات زيلنسكي تطلق صفارة إنذار للمستقبل، فالرئيس بوتين أشار قبل نحو 15 سنة إلى أن تفكك الاتحاد السوفيتي كان “أكبر خسارة جيوسياسية لروسيا في كامل تاريخها”.

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً