الرئيسية / الرئيسية / الجانب المرعب للإنسانية في ثورة الهندسة الوراثية

الجانب المرعب للإنسانية في ثورة الهندسة الوراثية

منذ 17 عاما كنت طرفا في حوارات طويلة مع المغفور له الدكتور أحمد مستجير الذي كان لا يُخفي جزعه من التسارع الزمني الذي قد يحدث به التطور الوراثي العاصف، مما قد يؤدي إلى ظهور إنسان فائق يتعامل مع البشر الموجودين باستعلاء شديد!!

وقد عبّر عن هذا المعني في تقديمه لترجمته لكتاب “نهاية الإنسان”، مشيرا إلى أن الهندسة الوراثية قد تستطيع أن تختصر زمن التحور الوراثي، فيظهر إنسان فائق كان من المفترض أن يظهر بعد مئات أو آلاف السنين من التحور الطبيعي البطيء، وهو إنسان آخر نحيا معه بضعة أجيال ثم ننتهي نحن.

ونتيجة لذلك سينتهي الإنسان كما نعرفه مثلما انقرض إنسان أقدم منذ ثلاثين ألف عام -دون حرب على ما يبدو- أمام البشر، أو إذا أخذنا مثالا أخف وطأة فإننا نحيا معه ليعاملنا بمثل ما يعاملنا به الآن ساسة الغرب، إذ يظنون أنهم أسمى منا.

ذلك أن فكرة تحسين الإنسان كانت موجودة في عقول المفكرين منذ زمان بعيد، فقد عالجوها من أفلاطون إلى نيتشه، وهي في جوهرها تعني ببساطة أن هناك بشرا أفضل من بشر وراثيا، ومن الممكن أن نصل إلى السوبرمان (الإنسان الأكمل)، والكمال لله وحده.

وكان الدكتور مستجير كثيراً ما يتطرق إلى تلخيص فكرة “اليوجينية” أو “تحسين النسل” التي سادت في أوائل القرن العشرين، متخوفاً من أن تعود هذه الفكرة إلى طرح نفسها عبر نجاحات الهندسة الوراثية. ففي أوائل القرن العشرين؛ نشر هذه الفكرة فرانسيس غالتون 1822-1911، وذاعت حتى “اعتنقها” عدد لا يصدَّق من كبار المفكرين والعلماء والأدباء والساسة.

“كان الدكتور أحمد مستجير كثيراً ما يتطرق إلى تلخيص فكرة “اليوجينية” أو “تحسين النسل” التي سادت في أوائل القرن العشرين، متخوفاً من أن تعود هذه الفكرة إلى طرح نفسها عبر نجاحات الهندسة الوراثية. ففي أوائل القرن العشرين؛ نشر هذه الفكرة فرانسيس غالتون 1822-1911، وذاعت حتى “اعتنقها” عدد لا يصدَّق من كبار المفكرين والعلماء والأدباء والساسة”


وتقبلها هؤلاء بدعوى تحسين حياة البشر بالقضاء على الفقروالمرض، ثم انتهت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ولو استمرت لكانت آذنت مبكرا بنهاية الإنسان.

كان الدكتور مستجير يعبّر عن عدائه لفكرة الثورة اليوجينية، مشيرا إلى أنها ثورة اختلط فيها الجهل بالتعصب بالحماقة ثم بالوحشية، فلم يكن العلماء يعرفون أنهم يجهلون، وظنوا أنهم إنما يعملون لخير البشرية.

وكان هذا هو جوهر ما يتوقعه من مصير مشابه للفكرة اليوجينية الجديدة، ذلك أن الهدف المعلن لعلماء الثورة البيوتكنولوجية المعاصرة هو أيضا القضاء على الفقر والمرض، لكننا نعرف من التجارب المريرة الماضية أن الكثيرين من العلماء يتميزون بانعدام التبصر.

وهكذا ستطرق الثورة الجديدة الباب الخلفي لليوجينية، لتكون أشبه بممارسة منزلية يقوم بها رب البيت وفق ما يراه، ولن تتدخل الدولة مثلما حدث في ألمانيا النازية. ستقول التكنولوجيا الجديدة للمرأة إن الجنين الذي تحمله سيصاب بهذا المرض الوراثي أو ذاك، ثم تترك لها ولزوجها الحرية اليوجينية للتخلص إذا شاءت من الجنين.

وفي أكثر من موضع؛ كان الدكتور مستجير يتبنى وجهة نظر الذين أصيبوا بالهلع عندما تم استنساخ النعجة “دوللي” في فبراير/شباط 1997، بل إنه سجل اعترافه بأنه هو نفسه كان من هؤلاء الذين أصيبوا بالهلع، وأن هذا كان استجابة تلقائية دون إعمال فكر أو تحليل.

وقد أرجع السبب في خوفه إلى أنه حزن لإلغاء دور المصادفة بكل ما ترمز له من رومانسية، فلم يعد ثمة حيوان منوي شارد يلتقي بالمصادفة ببويضة وحيدة تنتظر! وإنما سيصبح هناك -في تصورهم- كائن حي راقٍ ولد وقد حدد تركيبه الوراثي سلفا وسلم إليه جاهزا، مثله كمثل نبات يتكاثر بالعقل، قدر وراثي لكائن قد انتقل كما هو إلى كائن آخر.

هناك شيء في طبيعتنا البشرية يكره أن يهمش دور المصادفة في وجودنا: إننا نخشى ألا تغدو المصادفة أساسا تقوم عليه حياتنا، لكننا في الوقت نفسه نقبل أن يتم ذلك في كل العالم المادي من حولنا، نحتاجه ونسعى إليه ونطلب من العلم تأكيده لتسهيل حياتنا.

“إن الذكاء الذي يمكّن من التعامل مع البيئة الجديدة التي صنعها ويصنعها التقدم العلمي المعلوماتي والبيوتكنولوجي. الذكاء صفة غاية في التعقيد، يصعب حتى تعريفها، وهي صفة ترتبط بالمخ، ذلك الجهاز المعقد الذي تعمل به نصف جينات الإنسان على الأقل، وهي بالضرورة صفة متعددة الجينات، تؤثر فيها آلاف الجينات”


ويتمثل جوهر الفرق بين قوانين المادة الحية وقوانين المادة غير الحية في أن للمادة غير الحية قوانينها التي تحكم بقاءها، ونحن بطبيعتنا لا نحب أن تنطبق هذه القوانين على جوهر حياتنا. فنحن البشر أكبر من المادة التي صنعنا منها، إن لنا جوهرا يحب ويخاف ويأمل، ويسعى عامدا -وحده من بين خلق الله- وراء المعرفة.

كان الدكتور مستجير يحرص على أن يوجه إلى ضرورة الربط بين فكرتيْ “اليوجينية الجديدة” و”اليوجينية القديمة”؛ فالهندسة الوراثية البشرية تعدنا بأكثر من اليوجينية البسيطة لنزيد من نسل الأفضل ونقلل من نسل الأسوأ، ولو حتى بقتله!

إن الهندسة الوراثية البشرية تنفذ إلى داخل المادة الوراثية للفرد، تغير فيها وتبدل لتكون نتائجها فورية.. إنها قضية “اليوجينية” بعد أن سُلّحت بعلم حديث متقدم.

يمثّل عنصر الذكاء البشري جوهر سعي الهندسة الوراثية البشرية في تغييرها للإنسان، فهو الصفة التي سنحاول تغييرها لنصل إلى هذا الإنسان الجديد الذي كان فرانسيس فوكوياما (مؤلف كتاب “نهاية الإنسان”) يخشى منه أن يقضي علينا؟

نعم.. الذكاء الذي يمكّن من التعامل مع البيئة الجديدة التي صنعها ويصنعها التقدم العلمي المعلوماتي والبيوتكنولوجي. الذكاء صفة غاية في التعقيد، يصعب حتى تعريفها، وهي صفة ترتبط بالمخ، ذلك الجهاز المعقد الذي تعمل به نصف جينات الإنسان على الأقل، وهي بالضرورة صفة متعددة الجينات، تؤثر فيها آلاف الجينات.

يعالج علماء الوراثة قضية وراثة صفة كهذه بمقياس إحصائي يسمى “العامل الوراثي”، وهو -على ما يبدو- مفهوم مراوغ لدى غير المتخصصين: هو ببساطة نسبة التباين المظهري للصفة الكمية التي ترجع إلى التباين في القيم الوراثية بين أفراد العشيرة. أي أنه مقياس يختص بعشيرة بذاتها في بيئة معينة في زمن محدد.

ويدعونا هذا إلى انتقاد الفكرة التي لا تزال سائدة في بحوثنا العلمية ودراساتنا الإحصائية، وهي فكرة توزيع معدلات الذكاء بطريقة منحنى الجرس، وهي الفكرة الخاطئة التي لا تزال تحكم نظرتنا إلى توزيع الذكاء بين البشر، فقد أساء كثير من غير الوراثيين تفهم هذا المقياس، وربما كان موراي وهيرنشتين هما أسوأ مَنْ تفهموه في كتابهما الشهير “منحنى الجرس” (عام 1994).

حيث أخذا متوسط تقديرات مختلفة للعمق الوراثي للذكاء، قيست بطرق مختلفة وبعشائر مختلفة في أماكن مختلفة، وقالا إنها 60% ليؤكدا فكرتهما المسبقة بأن الفروق في الذكاء بين البيض والسود فروق وراثية، ومن ثم فهي ثابتة.

وقد أقاما كتابهما الضخم على هذه الفكرة الخاطئة، ونسيا أن ارتفاع قيمة العمق الوراثي إلى هذا الحد إنما تعني أن الصفة لا بد أن تكون هامشية، فكلما ازدادت أهمية الصفة لبقاء الكائن الحي انخفض إسهام العوامل الوراثية في التباين بين الأفراد، فهي في صفات الخصب مثلا ما بين 1% و2%. فإذا كان الذكاء صفة مهمة لبقاء الفرد -كما يدعيان لتعزيز نظرتهما العنصرية– فكيف تكون له هذه القيمة المرتفعة 60%؟

“لا بد من انتقاد الفكرة التي لا تزال سائدة في بحوثنا العلمية ودراساتنا الإحصائية، وهي فكرة توزيع معدلات الذكاء بطريقة منحنى الجرس، وهي الفكرة الخاطئة التي لا تزال تحكم نظرتنا إلى توزيع الذكاء بين البشر، فقد أساء كثير من غير الوراثيين تفهم هذا المقياس، وربما كان موراي وهيرنشتين هما أسوأ مَنْ تفهموه في كتابهما الشهير “منحنى الجرس” (عام 1994)”


ومن هذا الفهم الذكي والدقيق لخطورة تعامل العلماء مع الذكاء البشري بهذا المنطق يمكن لنا نقد ونقض فكرة فوكوياما القائلة بإمكانية رفع معدلات الذكاء من خلال الغذاء والتعليم والبيئة والاقتصاد.

فمن الواضح أن فوكوياما لم يستوعب -هو الآخر- هذا المفهوم، فبعد أن افترض أن العمق الوراثي لمعامل الذكاء هو 50% فإنه يقول إن الغذاء الأفضل والتعليم الأفضل والبيئة المأمونة والموارد الاقتصادية، كلها يمكن أن تسهم في رفع الخمسين بالمائة من معامل ذكاء الطفل المرجع سببها إلى البيئة.

وقد شرح الدكتور مستجير وجه الخطأ في فكرة فرانسيس فوكوياما والمشايعين له، فقال إن هذه الجملة لا تعني إلا شيئا واحدا، وهو أنه لا يعرف معنى ما يقوله! فكيف للعلماء إذن أن يعثروا على كل هذا العدد الهائل من الجينات الذي يؤثر في معامل الذكاء، وأن يحددوا هويتها ومواقعها؟ وأن يجروا الجراحة الوراثية لنقلها إلى جينوم هذا الإنسان السوبر؟

إن هذا ضرب من ضروب الخيال لن يتحقق يوما، أبدا لن يستطيع العلم أن يحوّر مادة الإنسان الوراثية بحيث يحوله إلى هذا الذكي الفائق الذي يخشى فوكوياما أن تكون على يديه نهاية الإنسان!

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *