التمويل الأوروبي المشروط.. أيدٍ إسرائيلية خفية بغطاءٍ دولي

المركز الفلسطيني للإعلام *تقرير خاص*
الشروط الأوروبية الجديدة لتمويل الجمعيات الفلسطينية أثارت موجة غضب واستنكار؛ وأعلنت 134 مؤسسة وجمعية فلسطينيّة في الضفة والقطاع والقدس، رفضها التوقيع على الورقة الأوروبية.. *فما هذه الشروط؟ وما الهدف منها؟ وما سبل مواجهتها؟*

من جديد تتعرض المؤسسات الأهلية العاملة في الأراضي المحتلة لضغوطات من الممولين الأوروبيين عن طريق شروط التمويل الجديدة للجمعيات، أهمها رفض تمويل كل جمعية تقيم علاقات مع منظمات يعدّها الاتحاد الأوروبي “إرهابية”.

وأثارت الشروط الأوروبية الجديدة لتمويل الجمعيات الفلسطينية موجة غضب واستنكار؛ حيث أعلنت 134 مؤسسة وجمعية فلسطينيّة في الضفة والقطاع والقدس، رفضها التوقيع على الورقة الأوروبية.

رفض واسع

وجددت مؤسسات العمل الأهلي، في مدينة القدس المحتلة رفضها الشروط التي يريد الاتحاد الأوروبي فرضها على المؤسسات مقابل تلقي التمويل.

وقالت المؤسسات، في بيان لها: “مع استمرار الهجمة على المؤسسات الفلسطينية، في القدس، واقتراب تنفيذ صفقة القرن وخطة الضم، والمطالبة بإغلاق الحسابات البنكية لعائلات الشهداء والأسرى، يفرض الاتحاد الأوروبي علينا تعاقدات متضمنة لشروط الامتثال للائحة الإرهاب الأوروبية”.

وأضافت: “هذه اللائحة التي تصنف الأحزاب السياسية الفلسطينية بالإرهابية وتجرّمها، ورغم التوضيحات التي صدرت من الاتحاد الأوروبي وتفسيره للبنود، إلا أنه يؤكد برسالته الأخير في 30 من شهر مارس/آذار الماضي، أن هذه البنود يجب الامتثال لها، وجزء من أي عقد يوقع”.

وأشارت إلى أنها “ترى أن هذه البنود إصرار على سياسة تجريد مؤسسات العمل الأهلي من هويتها الوطنية، وفصلها عن أبناء شعبها من المناضلين والمناضلات”.

ولا يعرف حجم التمويل الأوروبي المقدم للمؤسسات الأهلية الفلسطينية، بسبب تباين ما يقدم بين عام وآخر، لكنه يصل لمعدل 30 مليون يورو سنويا، بحسب تقديرات غير رسمية.

ووفق خبراء ومختصين؛ فقد استطاعت المؤسسات الفلسطينية أن تحقق إنجازاتٍ كبيرةً في هذا الملف، وبنت فريقًا دوليًّا حقوقيًّا متضامنًا مع الحقوق الفلسطينية، ومن ثم بدأت الدائرة تتسع لتشمل حملات المقاطعة على ضوء ما حققته من نتائج.

شروط سياسية قاسية
بدوره قال الباحث والناشط في العمل الأهلي محسن أبو رمضان: إن الشروط التي يفرضها الاتحاد الأوروبي بحق المؤسسات الفلسطينية الأهلية أو مؤسسات المجتمع المدني هي شروط سياسية قاسية تتنافى مع القانون الأساسي الفلسطيني وخاصة المادة الـ 32.

وأوضح أبو رمضان في حديث خاص لـ”المركز الفلسطيني للإعلام” أن شروط الاتحاد الأوروبي تدرج بعض فصائل المقاومة الفلسطينية على “قائمة الإرهاب”، وتشترط عند التوقيع على أي اتفاقية تعاقدية مع أي منظمة تحصل على تمويل أوروبي الموافقة على هذه الشروط.

ومن الفصائل التي شملتها قائمة المنع الأوروبية عام 2001م، حركة حماس وذراعها العسكري كتائب القسام، وكتائب شهداء الأقصى، وحركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والقيادة العامة، وفق أبو رمضان.

وأشار إلى ضرورة رفض هذه الشروط؛ لكون كفاح الشعب الفلسطيني مشروعًا، ولا يمكن السماح بإدراجه في دائرة “الإرهاب”، ويجب رفض قبول تمويل يعمل على تجريم كفاح الشعب الفلسطيني.

رفض التمويل المشروط

ولفت  أبو رمضان إلى أن منظمات العمل الأهلي وحقوق الإنسان في فلسطين استطاعت أن تصل إلى حل وسط مع الاتحاد الأوروبي من خلال التوقيع على وثيقة خارجية بأن النضال الفلسطيني هو نضال مشروع، لكنه لم يغير من جوهر العقد نفسه.

وأوضح أن الفلسطينيين يمرون في الوقت الحالي بأوقات حساسة خاصة في سياق الحديث عن ضم الضفة الغربية والأغوار، وموقف الاتحاد الأوروبي بدأ يتصاعد إيجابياً للضغط على الاحتلال لوقف “عملية الضم”.

وذكر أن موقف الاتحاد الأوروبي الحالي بخصوص قرار الضم يحتاج استكمال الحوار مع الأوروبيين لإلغاء الشروط بدلاً من التشهير في موقفه، مع التأكيد على رفض التمويل المشروط من خلال خلق قنوات من الحوار لإقناعهم بالعدول عن هذه الشروط، وكسب موقفهم للضغط على الاحتلال.

ولفت إلى أن دولة الاحتلال ضغطت على الاتحاد الأوروبي من خلال اللوبيات الصهيونية في أوروبا ومن خلال وزارة الشؤون الإستراتيجية، وأقنعتها بهذه الشروط.

وأوضح أن التوقيت الحالي لفرض الشروط يأتي في إطار حملة نظمتها وزارة الخارجية الإسرائيلية والشؤون الإستراتيجية لمحاولة تكبيل كفاح الشعب الفلسطيني وتجريم نضالاته في الساحة الأوروبية، خاصة مع تصاعد المواقف الأوروبية من أعضاء البرلمان والحركات الاجتماعية والنقابات والأكاديميين التي أصبحت تؤيد حركة المقاطعة للاحتلال وفرض عقوبات عليه.

وطالب السفارات الفلسطينية في أوروبا بالضغط لإلغاء هذه الشروط، مشيراً أن الوقت أصبح مواتياً لنا -الفلسطينيين- لإقناع أوروبا بتغيير هذه الشروط.

اليد الإسرائيلية حاضرة
من جهته أكد منسق شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة تيسير محسين، أن الشروط الأوروبية ليست وليدة اللحظة؛ وإنما هناك محاولات حثيثة منذ سنوات في الفضاء الدولي بخصوص مؤسسات المجتمع المدني التي تعمل في فلسطين.

وقال محسين في تصريح خاص لـ”المركز الفلسطيني للإعلام”: إن هذا الحراك الأوروبي لا ينفي أن يكون ابن المجتمع الدولي، ولكن اليد الإسرائيلية حاضرة في تحريك هذا الملف على المستوى الدولي.

وأوضح أن الاحتلال يهدف للتحكم في كل قرش يدخل الى الأراضي المحتلة للمؤسسات العاملة في فلسطين، لافتاً إلى أن الاحتلال نجح في إنتاج موقف ترجم بهذه الوثيقة التي صدرت للتعامل مع عملية تمويل المؤسسات الأجنبية العاملة في الأراضي المحتلة.

وأشار إلى أن هناك جهات ترسل تقارير تشوّه عمل المؤسسات الفلسطينية الممولة أوروبياً، وحاولت إرسال مؤشرات أن جزءًا من هذا التمويل المقدم لهذه المؤسسات يذهب إلى أطراف ليست بريئة في نظر الأوروبيين ولأطراف تتبنى منهج المقاومة.

وأوضح محيسن أن مؤسسات المجتمع المدني أصدرت موقفاً حيال هذا التوجه الدولي؛ لكونه يتناقض مع حقيقة عمل هذه المؤسسات ومسار هذا التمويل المقدم للمؤسسات العاملة في الأراضي المحتلة، مشيرة إلى أن هذا الموقف يتعارض مع حقيقة العلاقة القائمة بين هذه المؤسسات المحلية والدولية التي تقوم على الشفافية والوضوح وعدم تعارضها مع القانون الدولي والإنساني.

جزء من صفقة القرن

وحول وجود علاقة بين هذه الشروط الأوروبية وما يتم فرضه من صفقة القرن، لم يستبعد محيسن وجود هذه العلاقة في سياق ما أنتجته العقلية الإسرائيلية والأمريكية بالتعامل مع الحالة الفلسطينية، الأمر الذي ألقى بظلاله على توجهات هذه المؤسسات الأممية الداعمة للمؤسسات المحلية في البعد الاقتصادي والإنساني بالأراضي المحتلة.

وأكد أن المؤسسات القانونية والإنسانية العاملة في الأراضي المحتلة كان لها دور في تغيير حالة الوعي الأوروبي والأجنبي، حيث استغلت علاقاتها وارتباطاتها بالدول والمؤسسات الأممية لتقديم الرسالة والمعرفة حول الواقع الفلسطيني في أبعاده المختلفة.

وأشار إلى أن المؤسسات الفلسطينية حققت نجاحات كبيرة في الآونة الأخيرة خاصة في تقديم الدعاوى القضائية في المؤسسات الأممية، وقدمت ملفات وازنة لدول يسمح قضاؤها بالاستخدام الفردي لهذه التجاوزات.

إقرأ المزيد

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً