الرئيسية / أخبار عاجلة / الاستراتيجية والمشاريع المتدافعة.. أحداث كاشفة

الاستراتيجية والمشاريع المتدافعة.. أحداث كاشفة

قليلة هي المرات التي أتطرق فيها لموضوعات تتعلق بالعلاقات الدولية والإطار الإقليمي، ولكن هذه المرة فإن الكيان الصهيوني أراد بضربته الأخيرة بطائرات من دون طيار في عدة مناطق عربية في الإقليم، وفي ضربة واحدة مخططة، أن يعطي كبرى رسائله للمنطقة بأسرها: “المشروع الصهيوني هو في أحسن حالاته وفي أفضل أوقاته للإعلان عن هيمنته على المنطقة”، وهو كذلك يوجه رسالة إلى كل هؤلاء: “إذا لم تخضعوا لشروط السلام الإسرائيلي طواعية وتطبيعا: فإنكم ستخضعون في أشكال إذعان تحت الضربات الإسرائيلية.. ليس هناك في المنطقة أقوى من الكيان الصهيوني، وليس هناك من مشروع يستطيع أن يدفع هذا المشروع الصهيوني عن مساحات هيمنته في المنطقة بأسرها”.

فها هو المشروع الخليجي (إن صح أن للخليج مشروعا) يتفكك، وتعبر دولة مثل الإمارات أو السعودية، من خلال إعلانات تطبيعية مع العدو الصهيوني، عن “أنه لا مشكلة لها مع إسرائيل، وأن مشكلتهما الكبرى إنما تعد في المشروع الإيراني”. بل وحرصت هاتان الدولتان وغيرهما على أن تقوم بكل ما من شأنه محاصرة أي عملية تغيير أو ثورات تهدف للتغيير في المنطقة عربيا وشرق أوسطيا، فتجهضها كلها بشكل مبكر ووقائي. وباتت هذه الدول تعتمد هذه المسالك باعتبارها الأفضل بين كل الخيارات في نيلها الاعتماد الأمريكي والصهيوني لاستمرار عروشها، بل إنها لم تتوان في ذلك عن إعلان حصار دولة صغرى من أهلها، وترتبط معها بعلاقات جغرافية وتاريخية ومنظماتية، ألا وهي قطر، باعتبار أنها تقوم بالتحريض على التغيير أو مساندة بعض الثورات العربية. فالبلاد الخليجية (إلا فيما ندر) صارت تتعامل مع إسرائيل ككيان مقبول، في إطار مقولات متصهينة تصادر أصل القضية الفلسطينية وتسهم في تصفيتها.

باتت هذه الدول تعتمد هذه المسالك باعتبارها الأفضل بين كل الخيارات في نيلها الاعتماد الأمريكي والصهيوني لاستمرار عروشها


نعود مرة أخرى للضربة الإسرائيلية. فقد وجهها الكيان الصهيوني إلى المشروع الإيراني في إطار ما يعتبره ضربا للمصالح الإيرانية الأساسية وتلك المواقع الموجودة في بلاد عربية (العراق وسوريا ولبنان)، في محاولة من الكيان الصهيوني لإبلاغ إيران برسالة أن “تابعيها ليسوا بعيدين عن اليد الطولى الإسرائيلية، وأن إيران كما تهددها بهم، فإن إسرائيل تسطيع أن تهدد إيران بضربها جميعا”. وبات ضرب تلك الأهداف أمرا مقبولا من الخليج، ومن كثير من الدول العربية التي تجامل أهل الخليج وتدعم أي صراع أو خلاف مع إيران يحد من قدرتها لتهديد الخليج. ومن المؤسف حقا أن يحاول هؤلاء إبراز ذلك في صورة تتعلق بأن العدو الإيراني أخطر من الإسرائيلي، وأن احتمال الصداقة والتعاون مع إسرائيل أقرب من احتمال التقارب العربي الخليجي مع إيران.

أما المشروع الأمريكي فبات يدخل في المنطقة لتحقيق مكاسب اقتصادية وممارسة عملية ابتزاز متكررة وروتينية، وكأنه يجمع الإتاوات تحت دعوى حمايتها. فهو الداعم للكيان الصهيوني، التي صارت الولايات المتحدة بجلالة قدرها ليست إلا مدافعة عن هذا الكيان الصهيوني وسياساته التي تحاول أن تفرض نوعا من السلام (الاستسلام الإسرائيلي)، بفرض الهيمنة والإذعان على المنطقة بأسرها. يبدو ذلك في تبني أكثر المواقف الإسرائيلية تطرفا في مسألة القدس وضم الجولان، وكأن السياسة الأمريكية في هذا المقام صارت منفذة لتلك الأهداف الصهيونية، أو مكتبا لرعاية المصالح الصهيونية التي ظلت مؤجلة لاعتبارات سياسية وتوازنات في المنطقة.

باتت هذه المشاريع جميعا، التي تتدافع في هذه المنطقة بمناسبة هذه الضربة الإسرائيلية، والتي كانت بمثابة إعلان عن حقبة السلام الإسرائيلي المهيمن كما تفضله وتقرره إسرائيل في المنطقة، بمثابة إعلان إذعان فاضح وواضح من غير معقب وبدعم ومساندة أمريكية؛ وكذلك في إطار تواطؤ أوروبي من خلال مؤامرة صمت كبرى لا نسمع لهم فيها صوتا إلا من خلال بيانات تطالب الأطراف بضبط النفس وتمكّن لحق إسرائيل في الدفاع عن النفس.. بات كل ذلك مواتيا للمشروع الصهيوني الذي صار يرتع ويمرح في المنطقة ليعلن أن “عصاه التأديبية الغليظة ستطول كل من يقف أمام هذا المشروع الصهيوني، أو من يحاول أن يوقف مسار الهيمنة الصهيونية على المنطقة”.

المشروع العربي قد أعلن تفككه، فنرى دولا عربية تُضرب في عمق أرضها، ودولا عربية أخرى تتواطأ بالسكوت، ودولا خليجية تدعم هذا السلوك الصهيوني المتغطرس


ضمن هذه الحال، فإن المشروع العربي قد أعلن تفككه، فنرى دولا عربية تُضرب في عمق أرضها، ودولا عربية أخرى تتواطأ بالسكوت، ودولا خليجية تدعم هذا السلوك الصهيوني المتغطرس؛ فهل بقي من المشروع العربي من شيء؟!!

أصبحت الجامعة العربية مشغولة في الحديث عن قطر وتركيا وترفض التدخلات، ولكنها لا تنبس ببنت شفة ولا تبالي بالعبث بالقدس والمسجد الأقصى. ومع هذا القبول من متصهيني العرب، يبدو ذلك العدو الذي أخطأنا في حقه، بينما تحولت إيران من مجرد خصم إلى عدو، بل هي أول الأعداء. وفي ظل هذه الأوضاع التي تؤكد على تدافع تلك المشاريع، فإن المشروع الصهيوني بات عند بعضهم لا يعتبر تهديدا، رغم الاعتداءات الصهيونية السافرة والمتكررة.

فأين التفكير الاستراتيجي؟ وهل عجز هؤلاء عن أن يعبروا عن مشروع يحفظ المصالح الكلية في التعاطي مع هذه المشاريع، ويجعل من البعد الاستراتيجي منطقة تشاور وتحديد قواعد، بما يضمن مواجهة حقيقية مع العدو الأساس الذي زٌرع في المنطقة والإقليم بغطاء غربي ودعم أمريكي صار يستفيد من كل المعادلات، وعداوة فاجرة لإيران، تارة تحت دعوى المذهب وتارة أخرى بالتعلل بخيارات خاطئة للمشروع الإيراني في سوريا واليمن وكذلك العراق؟

الأمر هنا منظور إليه ضمن مقتضيات النظر الاستراتيجي القائم على قاعدة التعارف الاستراتيجي، والذي يتشكل من مثلث المعرفة بالحالة الاستراتيجية والاعتراف بالحقيقة الجيوسياسية، والمعروف بداهة من ضرورات العلاقة الاستراتيجية.

الخيارات الاستراتيجية ليس فقط في تحديد العدو والصديق، ولكنها أيضا تحدد الفارق بين العداوة والخصومة، كما تحدد ترتيب العداوة ودرجاتها وأولويات مواجهتها


إن الخيارات الاستراتيجية ليس فقط في تحديد العدو والصديق، ولكنها أيضا تحدد الفارق بين العداوة والخصومة، كما تحدد ترتيب العداوة ودرجاتها وأولويات مواجهتها. ضمن هذه الرؤية الاستراتيجية يمكننا أن نجمع بين ما أبداه أحد الصحفيين القديرين “خلافنا عميق مع حزب الله وإيران في سوريا والعراق اليمن.. وإدانتهما واضحة بلا تردد، لكن الإدانة الأقوى لأصحاب الفخامة والجلالة العرب الذين تركوا العواصم العربية نهبا لقوى إقليمية تعبث بها.. فهذا هو الإغراء بالضعف.. لكن هذا الخلاف مع حزب الله وإيران.. لا يمنعنا من دعمهما ضد المحور الصهيو- أمريكي في المنطقة”.. وبين التعاون الاستراتيجي الذي يحفظ للمنطقة مصالحها الجوهرية في مواجهة مشاريع تفتيتية صهيونية للسيطرة والهيمنة، وممارسات سياسات الابتزاز في المنطقة.

هل يمكننا في هذا المقام أن نفكر ذلك التفكير الاستراتيجي القادر على تحديد المصالح الكبرى لهذه المنطقة والاتفاق حولها؟ بل إن السياسات الخارجية هي التي تتحكم بالمنطقة، فيظل الغرب يعمل عمله في التفريق والتفتيت وإحكام عمليات التجزئة وإحكام شروط التبعية له، ونظل نحن نخرج من أزمة ونقع في أخرى.. أزمتنا ألا نملك أزِمَتِنا ولا نحدد أهدافنا الاستراتيجية الكبرى، فهل لهذا المدخل الاستراتيجي من سند ومن عقلاء يتبنونه في تشييد العلاقات وصياغة التحالفات الصالحة والصحيحة؟ أم أننا نفضل مشاهد التداعي على المنطقة ومشاهد الابتزاز ومشاهد الهيمنة الصهيونية على المنطقة بأسرها؟ كلنا نخسر والمشروع الصهيوني يتمدد ويتمكن؛ فهل من مخرج؟!

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *