الرئيسية / أخبار عاجلة / مجدي شلش : متعة الاختلاف

مجدي شلش : متعة الاختلاف

متعة الاختلاف.

مجدي شلش
أستاذ أصول الفقه المساعد بجامعة الأزهر الشريف

قواطع الحقائق قليلة في الكون والحياة والإنسان، غالب المعلومات قائم على النظريات النسبية التي تحتمل الصواب والخطأ، أو الصواب والأصوب، أو تكون تحت الاختبار إما أن تثبت أو تنهار.

الأحكام الشرعية المتعلقة بفقه العبادات والمعاملات غالب نصوصها ظني الدلالة، لأن غالبها مأخوذ من الألفاظ التي وردت في القرآن والسنة، والألفاظ يعتريها الأمر والنهى والحقيقة والمجاز والإضمار والإفراد والتركيب والاشتراك والصريح والكناية والإطلاق والتقييد ومع كل هذه الاحتمالات يستحيل القطع في الأحكام الشرعية العملية.

حتى مسائل التوحيد والإيمان والعقيدة منها ما هو قطعي الثبوث قطعي الدلالة وهذا لا خلاف فيه محمود أبدا، ومنها ما هو ظني الدلالة وإن كان قطعي الثبوت والاختلاف فيه وارد، فالمتفق عليه عند العلماء أن قضايا العقيدة منها الأصول والثوابت التي ثبتت بطريق القطع، ومنها الفروع المختلف فيها بين الإثبات من البعض والإنكار من البعض الآخر.

الكون والحياة والإنسان والأحكام غالبها قائم على التنوع والتعدد، هذه سنة الله في خلقه وحكمه وقدره، فلم لا نستمتع بنعمة الاختلاف التي أقام الله عليها كونه وملكه،فالجماد والنبات والحيوان والإنس والجن والملائكة أشكال وألوان مختلفة، تجلت عظمة الخالق في قدرته سبحانه وتعالى على اختلاف وتنوع خلقه في مفردات كونه.

الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على سنة الاختلاف كثيرة، هي آية من آيات الله في بديع صنعه قال تعالى: ” ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم …..”

أقوي أسباب الاختلاف في الآراء والأفكار والتوجهات كامن في قدرة العقول المتنوعة في التفكير الدلالي، والنظر المحصل للعلوم والثقافات.

من هنا أباح الله الجدل بالتي هي أحسن، بل أمر به في قوله تعالى: ” وجادلهم بالتي هي أحسن…” والمحمود منه القائم على محاولة إدراك حقائق الأشياء أو أحسنها أو أقربها إلى الصواب مع الإخلاص وحسن النية، والمذموم منه ما كان القصد منه مجرد المراء وطمس الحقائق، أو تلبيس الباطل ثوب الحق أو العكس.

أكثر مظاهر الاختلاف كامن في تقدير المصالح والمفاسد التي يرتكز عليها علم السياسة والاجتماع والاقتصاد وباقي العلوم الإنسانية، فطبيعة الأشياء التي خلقها الله سبحانه وتعالى مفطورة على تنوع المصلحة والمفسدة فيها، فليس هناك مصلحة محضة ولا مفسدة محضة في جانب السياسة والحركة.

الاختلاف المحمود والموصوف بالمتعة سمته وصفته الاستماع والاستمتاع بآراء الغير، فهو في الحقيقة متعة العقلاء، إذ كثرة الآراء في مسائل الاختلاف سعة وقدرة ومكنة للعقل في تعدد الطرح وتنوع القول، وبهذا ميزنا الله سبحانه وتعالى وفضلنا عن بقية خلقه.

الطغاة والمستبدون وأصحاب العقول القاصرة والقلوب المريضة يرون تنوع الآراء والأفكار مفسدة، وحمل الناس على رأي الطواغيت والصعاليك من البشر أحمد وأفضل من اختلاف الآراء وتنوعها، منطق فرعوني قديم ذكره القرآن في قوله تعالى حكاية عنه : ” …ما أريكم إلا ما أرى….”

فقهاء الأمة مارسوا التنوع في الأقوال والآراء بصورة مذهلة رائعة لا نظير لها في تاريخ الأمم، فالشافعي رضي الله عنه قال: ما ناظرت أحدا إلا وتمنيت أن يجرى الله الحق على لسانه” ولما اختلف مع قرين له من العلماء ورأي أن قلبه تغير ذهب إليه وقال له : إن كنا اختلفنا في مسألة فنحن متفقون في مسائل، وكان أبو حنيفة يعرض المسألة أو النازلة على تلامذته ليسمع آراءهم، فإذا قال لهم قيسوا أحسنوا القياس، وإذا قال لهم استحسنوا لم يحسنه إلا هو، روعة في التمرين والتدريب في استنباط الأحكام.

استقر في عقول ووجدان الأمة منذ عهدها الأول أن الاختلاف سعة ورحمة، فالصحابة اختلفوا والتابعون كذلك، والأئمة الأربعة وغيرهم من أهل الرأي والعلم، ذكر ابن العربي المالكي صاحب التفسير أن أحد أقطاب الحنفية من العلماء دخل مسجد كان شيخه مالكيا، ودار حوار بين الشيخين الحنفي والمالكي حول مسألة من مسائل الفقه يقول ابن العربي وكنا نستمع إلى الحوار والمناظرة وقد أفدنا واستمتعنا الخير الكثير.

لماذا يصر البعض على أحادية الرأي ورؤية المصلحة من وجهة نظره هو، وهو يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكثر الناس مشورة واستماعا بل ونزولا على آراء أصحابه رضي الله عنهم، ففي بدر نزل على رأي الحباب بن المنذر و كذا في أحد على رأي الشباب في الخروج خارج المدينة والسعدين في الأحزاب وأم سلمة في الحديبية كل ذلك وغيره خير دليل على صحة الاختلاف.

الوحدة نعمة كبرى نعم، لكنها تبني على تفاعل الآراء والأفكار ، وحدة الصف والكلمة تأتي بعد نعمة ومتعة الاختلاف، هكذا كان الصحابة في الأزمات الكبرى والنوازل السياسية تختلف آراؤهم ثم يجتمعون على رأي واحد، لا يمكن أن تتوحد الكلمة إلا باحترام الآراء أولا ثم احترام القرار ثانيا.

الوحدة المأمور بها في القرآن والسنة والاعتصام بحبل الله وعدم التفرق فيما ثبت من أحكام بيقين وليس للاختلاف فيه مجال، كأصول العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات، فمورد الأمر والنهى فيه، وما عدا ذلك فالتنوع والاختلاف فيه واجب أو مندوب أو مباح حسب المسألة أو النازلة، وقد ثبت عند الفقهاء أن الفقه مبني على الظنون، وأن العمل بالظن واجب، والظن صورة من صور الاختلاف.

غلب على كثير من السلفية الجدد التعصب للرأي الواحد فى مسائل الفقه، بل بعضهم حرم الاختلاف فيه، وجعل من باب البدع تعدد المذاهب والآراء في المسألة الواحدة، بل بعضهم يستخدم في الفقه ألفاظ القطع واليقين، وأن ما عدا رأيه هو الباطل بيقين.

أغلب من استمعت إليهم من السلفية ليسوا علماء، ولم يدرسوا علم الفقه وأصوله بإتقان، غالبهم ينتمي إلى أهل الحديث ويأخذ من ظواهر الأحاديث ما يستدل به على رأيه، أغلب الأشرطة والمقالات التي تكلمت عن أخطاء المسلمين في الصلاة أو الزكاة أو الحج والتشنيع على المخالف ووصفه بأوصاف لا تليق هى من مسائل الفقه المختلف فيها، والخلاف فيها معتبر وقائم على أدلة من الكتاب أو السنة أو بعض الآثار، بعضهم سمي الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه أبو ليفة لقوله بالقيمة في زكاة الفطر.

هؤلاء طواغيت الفقه، مثلهم في الجهل مثل طواغيت الاستبداد السياسي، فالكل حرم نفسه من متعة الاستفادة بأقوال الغير، وكلام السابقين من أهل التخصص والعلم، نفوس مهوسة بذاتها، وتجعل من الدين مطية للظهور والتعالم أمام الناس.

متعة الاختلاف المحمود لا تحصل إلا بين أهل الأدب والسعة من العلم، فيزداد المسلم من المناظرة والحوار علما من غيره على علمه، وخبرة في الاستدلال قد تكون غائبة عنه إلى خبرته، أما الحوش ممن لبسوا لبس العلماء وتزيوا بزي الفقهاء وعند أدنى اختلاف يعلو صوته ويتهم من يخالفه فهم أقرب إلى سقط المتاع الخلق الذي تمسح به الأقدام.

أخي الحبيب مارس بحق متعة الاختلاف واستمع إلي من يخالفك بكل حب وإنصات، وكن شجاعا إذا كان رأيه أصوب من رأيك أن تنزل إليه، مع نفسك اختلف .قلب المسألة وأقراها من جميع زواياها، مع زوجك استمع واختلف، مع ولدك مع جيرانك مع أصحابك وخلانك، فما خاب من استشار وما ندم من استخار.

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *