لمن العزة والسيادة؟

كثر التباكي على حال المسلمين في هذه الأيام، فما من مسلمٍ تلقاه أو تجلس إليه أو تتحدث معه، إلا ويذرف الدمع على الوضع الذي آلوا إليه، والحال الذي لا يسرُّ لا من جهة الدنيا ولا من جهة الدين، فكل من نطق بالشهادتين تراه يشكو إليك ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، ويسِر إليك بالعقائد الباطلة التي اصطبغ بها كثير منهم، وحتى العبادات التي إن أدوها فحركات ورموز وأشكال لا روح فيها، فضلاً عن الشرائع التي بُدِّلت وغُيرت بل وزُيفت، والأهواء التي تحكمت والأخلاق التي شوهت وفسدت والتي كان من نتيجة ذلك كله الشخصية الغثائية الإمَّعِيَّة التي تفشت في كثير منهم.

والغريب أن الذين يعلمون هذه الحقائق يتساءلون: أين عزة المسلمين؟ والله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون، من الآية8 ) وأين نصر الله الذي يقول: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾(الروم: من الآية 47)، وأين تمكين الله للمستضعفين، وهو سبحانه القائل ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص:5) ، أليس هو سبحانه الذي كتب هذا كله وكلامه لا يُمحى؟ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة:21)، فأين وعد الله الحق؟

ونسي هؤلاء المتسائلون أو تناسوا أن وعد الله الحق مشروط بشرطين:

الإيمان الصادق – صحة في اعتقاد

والعمل الصالح – صدق في اتباع

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:97).

حياة طيبة في دنياه قبل الآخرة التي فيها جنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين، لا فيها خوف ولا فزع، ولا هلع ولا وجل، بل فيها العزة التي تجعل قامته مرفوعة، وكلماته مسموعة، وحركاته مرهوبة “فمن أعطى الدنيّة في دينه طائعًا غير مُكره فليس مني” قال ذلك الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وأكد القرآن للمؤمنين عزتهم وهم في أحلك الساعات وأخطر الأوقات، وهم قلة في العدد والعدة ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139 )، فالعزة وهي منّة من الله لا تُعطى ولا تُمنح، ولا يشعر بها إلا كل مؤمن صادق يعرف أن له رسالة في هذا الوجود يعمل على تحقيقها في عزةٍ واستعلاء.

لقد جعل الله سبحانه وتعالى لأوليائه العزة والعلو، ووعدهم النصر والتمكين كما جعل لهم العاقبة في الآخرة، أما العزة والعلو؛ فإن من طبيعة الحق إذا تمكن من القلوب أن تستمسك به، بحيث يهون عليها أن تتحمل كل محنة وبلاء في سبيله؛ لأنه يصغر في عين من صدق إيمانه كل عذاب في سبيل الحياة بالحق للحق، وثبات صاحب الحق على الحق حتى الموت انتصار وأي انتصار، ذلك أن أصحاب الباطل يودّون بفتنتهم المؤمنين أن يردّوهم عن دينهم إن استطاعوا، ويغيظهم أن يثبت أهل الحق على ما هم عليه، وأن يصبح الموت عندهم هينًا في سبيله، ولم يكن البلاء الذي يُنْزله الكفار بالمؤمنين مقصودًا لذاته، وإنما كان الغرض منه ارتداد المسلمين عن دينهم ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ (إبراهيم: من الآية13) فالهدف الرئيسي أن يأخذوا منهاجهم ويتبعون ملتهم، فإذا لم ينل الكفار ما يريدون كانت هزيمة لهم وخيبة، ونصر للمؤمنين أصحاب الدعوات الربانية.

وقد أخبر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أنهم بإيمانهم في علو، وأنه إذا أصابهم في سبيل الحق بلاء فليحذروا أن يؤدي بهم إلى الضعف أو الحزن ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:139)، وذكر لهم أيضًا أنهم بإيمانهم في عزة وأن الذل والهوان لمن حادّ الله ورسوله ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8)، كما أخبر سبحانه عن الكفار بأنهم لا يفتُرون في محاولة إخراج المسلمين عن دينهم، وذلك في قوله سبحانه ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: من الآية217)، وقوله سبحانه ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (البقرة: من الآية109) وحسب الإنسان المسلم انتصارًا أن يلقى ربه وهو راضٍ عنه بثباته على الحق واستعلائه به، وحسب المنهزم الذي يرجع على عقبيه ويؤثر سلامة بدنه في ظل الكفر حسبه هزيمة وذلاً وخسارة أن يصير من الكافرين، وتحلّ به الندامة والخزي حين يلقى ربه شقيًا محرومًا من جنته ورضوانه.

وسنضرب لك مثلاً واحدًا لرجل من رجالات الإسلام؛ لنبين كيف كان الثبات أمام الطغاة المتكبرين انتصارًا للحق الذي حملوه.

نقل جميع المؤرخين في موقعة نهاوند أن العجم غاظهم تسلط العرب المسلمين على المدائن عاصمتها، فجمعوا عددهم وعدتهم وصمموا على غزو المسلمين، وكانوا يحتقرون العرب في بلادهم، فلما كمُل عددهم وعدتهم أرسلوا إلى المسلمين أن يوفدوا إليهم من يكلمهم فأرسلوا المغيرة بن شعبة.

يقول الإمام الطبري: “فقالوا له إنما أنت كلب، فقلت معاذ الله، لأنا أشرف في قومي من هذا في قومه (مشيرا إلى الفيروزان الملك) فانتهروني، فقالوا: اجلس وأجلسوني، فقال الملك: “إنكم معشر العرب أبعد الناس من كل خير، وأطول الناس جوعًا، وأشقى الناس شقاء، وأقذر الناس قذرًا، وأبعد الناس دارًا، وما منعني أن آمر هؤلاء الأساور حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجسًا لجيفكم، فإنكم أرجاس، فإن تذهبوا نخلّي عنكم، وإن تأبوا نريكم مصارعكم”.

قال المغيرة بن شعبة: “فحمدت الله وأثنيت عليه، فقلت: والله ما أخطأت من صفتنا شيئًا ولا من نعتنا أن كنا أبعد الناس دارًا، وأشدهم جوعًا، وأشقى الناس شقاء، وأبعد الناس عن كل خير حتى بعث الله عز وجل إلينا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فوعدنا النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، فوالله ما زلنا نتعرف من ربنا منذ جاءنا رسوله الفتح والنصر حتى أتيناكم، وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدًا حتى نغلبكم على ما في أيديكم أو نقتل في أرضكم”.

قال الملك: أما والله إن الأعور (يقصد المغيرة) أرسله العرب احتقارًا للعجم، وقد صدقكم الذي في نفسه. قال: فقمت وقد والله أرعبت العِلْج (الفيروزان)”

وما أشبه الله بالبارحة، وما أحوجنا إلى هذه الروح العالية، فبهذه الروح الوثّابة العزيزة والمعتزة بدينها كان الانتصار على أطغى الطغاة، وذلك لأن المولى سبحانه وتعالى يحرّض المؤمنين لكي تتحقق عزتهم، أقول – يحرضهم على التجرد له، والعمل على نصرة نهجه في الحياة، ويَعدُهم على هذا النصر والتمكين والتثبيت فيناديهم وهو الرءوف بهم العزيز الحكيم، يناديهم ويدلهم على موطن العزة وأسباب تحققها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد:7-9)، وكيف ينصر المؤمنون الله حتى يقوموا بالشرط وينالوا ما شُرِط لهم من النصر والتثبيت؟

إن لله في نفوسهم أن تتجرد له، وألا تشرك به شيئًا، شركًا ظاهرًا أو خفيًا، وألا تستبقي فيها معه أحدًا ولا شيئًا، وأن يكون الله أحب إليها من ذاتها ومن كل ما تحب وتهوى، وأن تحكِّمه في رغباتها ونزواتها وحركاتها وسكناتها وسرِّها وعلانيتها، ونشاطها كله وخلجاتها، فمن أعطى لله ومنع لله وأحب لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة:24).

هذا هو النصر بعينه وهذه هي عزة المسلم حين يستعلى على الماديات ويعتز بعزة الله، ورضوان الله على عمر بن الخطاب حين قال: “كنا أذلة فأعزنا الله بالإسلام، فمن ابتغى العزة في غير الإسلام أذله الله”، إنه نصر يبدأ من داخلك في ذوات النفوس، ثم يأتي نصر الله في شريعة الله ومنهاجه في الحياة، ونصر الله يتحقق بعد ذلك بنصرة شريعته وتحكيمها في الحياة كلها – بدون استثناء – فهذا نصر الله في واقع الحياة وحينئذ تتحقق العزة للمسلمين جميعًا.

إنه متى استقرت حقيقة الإيمان في نفوس المؤمنين، وتمثلت في واقع حياتهم منهجًا للحياة ونظامًا للحكم وتجردًا لله في كل خاطرة وحركة، وعبادة لله في الصغيرة والكبيرة، فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً، وهذه حقيقة لا يحفظ التاريخ الإسلامى كله واقعة واحدة تخالفها.

ونحن نقرر في ثقة بوعد الله الذي لا يخالجه شك أن الهزيمة لا تلحق بالمؤمنين، ولم تلحق بهم في تاريخهم كله إلا إذا كان هناك ثغرة في حقيقة الإيمان – إما في الشعور وإما في العمل – ومن الإيمان أخذ العدة وإعداد القوة في كل حين بنية الجهاد في سبيل الله، وتحت هذه الراية وحدها مجردة من كل إضافة ومن كل شائبة – وبقدر هذه الثغرة تكون الهزيمة الوقتية ثم يعود النصر للمؤمنين حين يوحَّدون.

وقفْ متأملاً ودارسًا لتاريخك الإسلامي الذي بدأ بغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، تجد الأدلة الدامغة التي تبرهن على صدق ما نقول: ففي غزوة أحد مثلاً كانت الثغرة في ترك طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الطمع في الغنيمة، وفي حُنين كانت الثغرة في الاغترار بالكثرة والإعجاب بها ونسيان السند الأصيل ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (التوبة:25)، أما في غزوة بدر الكبرى فكان سيف النصر طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنشط والمكره وفي العسر واليسر وفي كل المشاهد والمواقف.

ولو ذهبنا نتتبع كل مرة تخلف فيها النصر عن المسلمين في تاريخهم لوجدنا شيئًا من هذا، نعرفه أو لا نعرفه، أما وعد الله فهو حق في كل حين ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:55)

إن المحنة قد تكون للابتلاء، ولكن الابتلاء إنما يجيء لحكمة هي استكمال حقيقة الإيمان ومقتضياته من الأعمال، فمتى اكتملت تلك الحقيقة بالابتلاء والنجاح فيه جاء نصر الله وتحقق وعد الله عن يقين ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران:186)

فيجب أن نفهم أن الهزيمة هي هزيمة الروح وكلال العزيمة الذي يعقبها الذلة والانكسار؛ لأن الهزيمة في معركة لا تكون هزيمة إلا إذا تركت آثارها في النفوس همودًا وكلالاً وقنوطًا، فأما إذا بعثت الهمة وأزكت الشعلة وبصرت بالمزالق وكشفت عن طبيعة العقيدة وطبيعة المعركة وطبيعة الطريق، فهي المقدمة الأكيدة للنصر المبين والله هو سبحانه القائل ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء: من الآية141).

والمولى سبحانه بهذا يشير إلى أن الروح المؤمنة هي التي تنتصر، والفكرة المؤمنة هي التي تسود، وإنما يدعو سبحانه الجماعة المسلمة إلى استكمال حقيقة الإيمان في قلوبها تصورًا وشعورًا، وفي حياتها واقعًا وعملاً، وألا يكون اعتمادها على اسمها ورسمها وشكلها وعنوانها، فالنصر ليس للشعارات ولا العناوين ولا الكلام المعسول ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (البقرة:204-205)فالنصر – كما قلنا – ليس بالعناوين وإنما هو للحقيقة التي وراءها ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفي بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:111)

وليس بيننا وبين النصر في أي زمان ومكان إلا أن نستكمل حقيقة الإيمان ونستكمل مقتضيات هذه الحقيقة في حياتنا وواقعنا كذلك، ومن حقيقة الإيمان بعد إعداد العدة والقوة ألا نركن إلى الأعداء وألا نطلب العزة إلا من الله، ووعد الله هذا الأكيد يتفق تمامًا مع حقيقة الإيمان، وحقيقة الكفر في هذا الكون: أن الإيمان صلة بالقوة الكبرى التي لا تضعف ولا تفنى، وأن الكفر انقطاع عن تلك القوة وانعزال عنها، ولن تملك قوة محدودة مقطوعة منعزلة فانية أن تغلب قوة موصولة بمصدر القوة في هذا الكون، غير أنه يجب أن نفرق دائمًا بين حقيقة الإيمان ومظهر الإيمان حتى نستبين السبيل القويم فنسلكه وتتحقق عزتنا ويعود لنا مجد أمتنا، ولكن كيف؟

نقول في كلمات قليلة، ما قاله الإمام حسن البنا رضوان الله عليه: “إن الأمة التي تحيط بها ظروف كظروفنا وتنهض لمهمة كمهمتنا، وتواجه واجبات كتلك التي نواجهها لا ينفعها أن تتسلى بالمسكنات أو تتعلل بالآمال والأماني، وإنما عليها أن تعد نفسها لكفاح طويل عنيف، وصراع قوي شديد بين الحق والباطل، وبين النافع والضار، وبين صاحب الحق وغاصبه، وسالك الطريق وناكبه، وبين المخلصين الغيورين والأدعياء المزيفين، وإن عليها أن تعلم أن الجهاد من الجَهد، والجهد من التعب، والعناء، وليس مع الجهاد راحة حتى يضع النضال أوزاره، وعند الصياح يحمد القوم السرى”، صدقت يا إمام، فطريق العزة محفوف بالمخاطر؛ لأنها سلعة غالية لا يصل إليها إلا رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فاسلك الطريق واقبض على الجمر.. وأنت تفعل المأمور وتترك المحظور وتصبر على المقدور.. تكن من الذين قال الله فيهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: من الآية54) ولا يؤتى هذا الفضل إلا من اعتز بدينه.

لقراءة الموضوع على الموقع الرسمي

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً