الرئيسية / أخبار عاجلة / دمـياط … بلد ياباني في غير ملكك ؟!

دمـياط … بلد ياباني في غير ملكك ؟!

يسألونك عن دمياط ؟ قل هي محافظة محظوظة محسودة .. معشوقة بلاعشاق ، فقد جمعت كل أمارات الحسن والدلال من بحر فسيح ونهر جميل وأرض خصيبة وإنسان بارع فنان يتقن صناعته ، واستحوذت على علامات الجودة والماركات التجارية المشهورة.

 فهناك الموبيليا الدمياطية ، والجبن الدمياطي ، والمشبك الدمياطي .. لكنها مع كل ذلك ينطبق عليها المأثور الشعبي « من كثر خطابها بارت « فقد تحولت المزايا الفريدة إلى نقمة ، ولا يمكن والحال هكذا أن تقول إمسكوا الخشب لأن الخشب نفسه أصبح نارا تحرق صناعه . وباختصار فالجميع في دمياط يصرخ بكلمتين فقط هما ( الحال واقف ) !!  

قديما .. كانت دمياط قلعة حربية صدت الغزاة عن ساحل مصر وأشهرها حملة لويس التاسع التي دحرتها حامية حربية في عزبة البرج .. واليوم قلعتها الصناعية المشهورة بصناعة الأثاث والموبيليا تكاد تحتضر بسبب الإهمال وقائمة أخرى واسعة من المشاكل والصعوبات .. كما يواجه أسطول الصيد الأكبر في مصر على سواحل دمياط مصيرا مشابها يكاد يدخله إلى متاحف التاريخ وسجلات الماضي .. دمياط التي قيل يوما ما أنها يابان مصر في الزيارة الاولى للمخلوع حسني مبارك , ويومها فرش التجار الموبليات في الشوارع اعتراضا على الركود وطلبا لايجاد حلول للتسويق الخارجي , فكانت هذه الحادثة بداية النقمة على دمياط والدمايطة (بلد اغنية ومش محتاجين حاجة ) ونزلت جيوش حاصدي الجباية والضرائب ومن يومها تعاني دمياط ويعتصرها البؤس وحتى الآن ولا يعرف أبناؤها الذين يبلغ عددهم مليونا وربع المليون في خمسة مراكز رئيسية  و48 قرية وعلى مساحة ألف كم مربع .

متى تبتسم لهم الأيام وهل سيعود المجد الغابر يوما ما ؟   

وقف محمد حسن صقر على باب ورشته الصغيرة في منطقة الشعراء ينعي حظه العاثر وديونه التي تراكمت بسبب وقف حاله نتيجة كساد السوق .. محمد لم يكن وحده من يبكي حظه العاثر بل شاركه مئات الآلاف يعملون بصناعة الأثاث ويحاولون الإمساك بقارب النجاة دون جدوى  .

ابو جنبه يتحدث عن انتشار البطالة بين الشباب و رواج المخدرات بالشعراء قلعة الاثاث بدمياط

الأرقام والإحصائيات لا تكذب ولا تتجمل وهي خير تعبير عن فداحة الواقع .

يقول أحمد والي مستشار غرفة تجارة دمياط أن في دمياط 37 ألف ورشة صغيرة ونحو 20 مصنعا كبيرا للأثاث يعمل بها 500 ألف عامل من دمياط ومن خارجها من المحافظات المجاورة ، وتنتج دمياط 80 % من الأثاث على مستوى الجمهورية ، كما تستهلك 70 % من الأخشاب الواردة إلى مصر .

ويضيف والي : كانت دمياط تصدر بما قيمته مليار دولار « نحو 7 مليارات جنيه « قبل 2011 ثم تراجعت بعدها إلى 250 مليون دولار سنويا ، لكن المؤلم في الأمر أن 10 آلاف ورشة في دمياط اضطرت إلى التوقف عن العمل وإغلاق أبوابها وتسريح عمالها .

وبخلاف الهواجس الأمنية وقطع الطرق وأعمال البلطجة والتي تخيف الزبائن من التوجه إلى دمياط فإن ارتفاع أسعار المواد الخام المستخدمة في صناعة الأثاث وتراجع جودتها من أبرز المشاكل الحالية ، فمثلا على مدار عام كامل  كان ثمن متر الخشب الزان 2800 جنيه وأصبح حاليا  بمبلغ 11000 جنيه ، وبالمثل متر الخشب السويد والبياض ب 6000 جنيه و الأبلكاش واللوح الكورى ب 125 جنيه. وتفيد البيانات بأن أسعار الخامات ارتفعت في موجات وقفزات متوالية وتوالت الزيادات بسبب تعويم الجنيه الذي اصبح قيمته متدنية ,فوصل الدولار الامريكي ل18 جنيه مصري وهو ما يجبر المعارض على رفع أسعار المنتج بنسب متصاعدة .

التسويق .. مشاكل بالجملة .

سماسرة .. ولصوص

والكارثة الأكبر في دمياط ناجمة عن وجود آلاف من سماسرة الموبيليا المنتشرين في كل مكان والذين يستغلون الزبائن والتجار على حد سواء وباتوا يسيئون إلى سمعة دمياط ،حيث يتلقف السماسرة الزبون من محطات الأتوبيس والسرفيس والقطار القادم من المحافظات ثم يلفون حبالهم حولهم بإغرائهم بشراء أجود الغرف بأسعار مغرية ويفرضون أحيانا تسعيرة عمولة تصل إلى 500 جنيه على الغرفة الواحدة ، وبعضهم يلجأ إلى صاحب المعرض لمحاولة التفاهم معه على سعر الغرفة الحقيقي ثم يبيع له المشتري للحصول منه على أي سعر

العمال .. قنبلة موقوتة

ولأن رأسمال صناعة الأثاث هم العمال المهرة فإن مؤشرات دمـياط الواقع تؤكد أنهم في تراجع مستمر عددا ونوعا مع إنتشار واسع لفئة جديدة من العمال لا تهتم بالجودة وتعمل في الورش الصغيرة بنظام الوردية « الطريحة « والتي تهتم بالكم وليس الكيف ويتراوح مرتب النجار ما بين 3500 جنيه إلى 5 آلاف جنيه شهريا ، ويصل مرتب « الحمال « في المهنة إلى 2000 جنيه شهريا . وأدت مشكلة نقص العمالة المدربة بدمياط إلي استقبال محافظة دمياط يوميا ما لا يقل عن 100 ألف عامل من المحافظات المجاورة، بالإضافة إلي وجود عدد من العمالة الأجنبية الوافدة من دول أخري مثل الصين والفلبين وسوريا داخل مصانع الأثاث بدمياط بأعداد قليلة. لكن العمال يواجهون مشكلة من نوع آخر وهي تنقلهم من ورشة إلى أخرى بشكل مستمر وهو ما يصعب معه ضبط عملية التأمينات على العاملين في الورش . ولهذا طالبت غرفة  تجارة دمياط بإعمال قانون التأمينات الإجتماعية ليتم تطبيق التأمين على عمال الأثاث كما هو الحال في عمال المقاولات بحيث يقومون هم  بالتأمين على أنفسهم دون الرجوع إلى صاحب العمل حفاظا على حقوقهم التأمينية.

 
 صناعة الأثاث .. تاريخ مشرق

صناعة الأثاث في دمياط من أقدم الصناعات التي برع فيها المصريون بشكل غير مسبوق وخاصة الأثاث المصنوع من الخشب نظرا لتوافر الأخشاب بكثرة ،ولم يقتصر استخدام المصريين القدماء للأثاث على الأحياء بل ايضا صنعوا قطعا خشبية لدفن موتاهم فيها مثل التوابيت وصناديق الدفن التي كانت تمتلئ بالحلي والمجوهرات.

ومن بين النماذج من قطع الأثاث التي اشتهر بها المصريون القدماء والتي صنعوها بأنفسهم سرير الملك توت عنخ آمون، وهو مصنوع من الأبنوس ومغطى برقائق الذهب وسطحه من جص منسوج .

وفي العصر الإسلامي برع المصريون في صناعة المشربيات وكذلك منابر المساجد الخشبية والمكتبات الخشبية التي توضع في المساجد وغيرها  ، لكن في العصر الحديث يؤكد خبراء الأثاث بدمياط أن الطفرة الكبيرة في صناعة الموبيليا جاءت مع قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر عام 1798 وتعلم الدمايطة من العمال المهرة المرافقين للحملة فنون الصناعة وأسرارها ، حتى أن أشهر الصوالين التي تصنع حاليا في دمياط يطلق عليه صالون لويس . وأصبحت عائلات دمياطية من الرواد في صناعة الأثاث وأشهرهم عائلة هاشم وعائلة الألفي وعائلة الأبحر وعائلة العراقي ، كما إرتبطت الطفرة الكبيرة في صناعة الأثاث بعصر الزعيم جمال عبد الناصر ومرحلة الستينات والتي كانت الدولة توفر فيها كل مستلزمات الإنتاج وتؤمن الأسواق بأسعار مناسبة .

فهل يجد الدمايطة من يحنو عليه لانقاذ هذه الصناعه من الاندحار  والفناء ؟

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *