الرئيسية / أخبار عاجلة / تقنين سرقة أموال الإخوان المسلمين من التحفظ إلى المصادرة .. أبرز المحطات والمآلات

تقنين سرقة أموال الإخوان المسلمين من التحفظ إلى المصادرة .. أبرز المحطات والمآلات

تقنين سرقة أموال الإخوان المسلمين من التحفظ إلى المصادرة .. أبرز المحطات والمآلات

مصادرة أموال المواطنين يكون حقا للحكومات الشرعية، إذا كانت هذه الأموال تم الحصول عليها من مصادر غير مشروعة كسرقة المال العام أو الرشوة أو عبر تجارة غير مشروعة مجرمة قانونا أو بوسائل وأدوات غير مشروعة أضيرت البلاد في مصالحها ومصالح مواطنيها جراء الحصول عليها كتجارة الآثار والمخدرات والرقيق وغسيل الأموال، على أن تكون القوانين الضابطة لعمليات المصادرة تتصف بالعموم وتستهدف الفعل المجرم دون النظر إلى الفاعل أو المتهم أو خلفيته الدينية أو السياسية أو غير ذلك.

أما إذا تم مصادرة أموال مواطنين بعينهم لخلفيتهم السياسية أو الدينية بخلاف اكتساب هذه الأموال بوسائل مشروعة لا تخالف القوانين المرعية، ثم قامت حكومة هذه البلاد بتفصيل قوانين تستهدف هذه الفئة المعينة من الشعب في إطار صراع سياسي؛ فإن ذلك لا يمثل مصادرة بل سرقة كاملة الأركان ونهبا يمثل اعتداء سافرا على أموال المواطنين بغير حق وانحرافا في استخدام السلطات يستوجب في هذه الحالة محاكمة من يفترض أنهم حكام؛ ومع تعذر ذلك فإن استمرار هذه الأوضاع المنحرفة يمهد الطريق نحو الثورة على مثل هذه النظم التي تدير البلاد بمنطق العصابات وقطاع الطرق لا بمنطق الحكومات الشرعية الرشيدة الراعية لحماية حقوق جميع مواطنيها على حد سواء إعمالا لدولة القانون والدستور.

إزاء ذلك، فإن القرار الذي أصدرته ما تسمى بــ«لجنة التحفظ والإدارة والتصرف في أموال الجماعات الإرهابية»[1] برئاسة المستشار الدكتور محمد ياسر أبو الفتوح، يوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2018م، باستمرار التحفظ على أموال 1589 من قيادات وعناصر الإخوان ومصادرة أموالهم إلى الخزانة العامة، من أصل 3200 قياديا تم بحث مصادرة أموالهم وإحالة الباقين إلى لجنة الفحص وطلب تحريات كاملة عنها، فضلا عن التحفظ على 118 شركة متنوعة النشاط، و1133 جمعية أهلية، و104 مدارس، و69 مستشفى، و33 موقعا إلكترونيا وقناة فضائية. هذا القرار يعتبر سرقة كاملة الأركان وسطوا غير مشروع على أموال مواطنين بغير حق لعدة أسباب:

أولها أنه لم يثبت مطلقا أن هذه الأموال تم اكتسابها بطرق غير مشروعة ولا يوجد حكم واحد بذلك.

ثانيا، لم يثبت مطلقا أن هذه الأموال تم إدارتها بطرق غير مشروعة أو استخدامها في أعمال تمثل انحرافا عن القوانين المرعية في البلاد، وكل ما قيل بخلاف ذلك هو عبارة عن تحريات أمنية تمثل الكيدية فيها والافتراء الجانب الأعظم كما لم يصدر حكم قضائي واحد نهائي وبات يزعم أن هذه الأموال قد استخدمت في منافذ ومسالك غير مشروعة.

ثالثا لأن هذه الأموال تخص مواطنين لهم خصومة سياسية مع نظام 30 يونيو الذي تأسس عبر انقلاب دموي على الحكومة المنتخبة بنزاهة بعد ثورة 25 يناير 2011م وكلهم ينتمون إلى فصيل سياسي واحد هو “الإخوان المسلمون” وحزب “الحرية والعدالة” الذي كان يمثل الحكم الديمقراطي المنتخب قبل الانقلاب عليه عسكريا من كبار قادة المؤسسة العسكرية، أو يتنتمون إلى أحزاب وحركات تنتمي إلى معسكر رفض النظام القائم وانقلابه ضد إرادة الشعب الحرة.

رابعا، لأن هذا الإجراء يخالف نصوص الدستور الذي يشدد على منع مصادرة أموال المواطنين إلا بحكم قضائي بات وليس عبر قرار من لجنة يتداخل فيها القضائي مع الإداري وتم تعينها بقرار إداري من وزير العدل ثم رئيس الجمهورية حتى لو تشكلت من قضاة ومستشارين.

خامسا، يؤكد الدفوع والملاحظات سابقة الذكر استعجال النظام في السطو على هذه الأموال، حيث أيد على الفور قاضي الأمور الوقفية بمحكمة القاهرة للأمور المستعجلة[2] يوم الخميس “13” سبتمبر 2018 ، القرار التعسفي الصادر من لحنة مصادرة أموال الإخوان بيومين فقط؛ ما يؤكد الكيدية والفجر في الخصومة وممارسة أعلى درجات الانتقام من معارضي النظام خصوصا وأن هذا القرار جاء بعد ثلاثة أيام فقط من حكم محكمة جنايات القاهرة بإعدام 75 من قيادات جماعة الإخوان والمتعاطفين معها والحكم بالمؤبد على أكثر من 235 بينهم المرشد العام للجماعة الدكتور محمد بديع.

وتقدر الأموال المتحفظ عليها والتي تمت مصادرتها لأعضاء بجماعة الإخوان وغيرهم بـ61 مليار جنيه (نحو 3.5 مليارات دولار)، بحسب تصريحات مصادر بلجنة التحفظ والحصر والتصرف في أموال الجماعة، وسط توقعات باستمرار حملات النظام للاستيلاء على ممتلكات واستثمارات أخرى مملوكة لمعارضين سياسيين.

ليست المرة الأولى

وتعرضت جماعة الإخوان المسلمين قبل انقلاب 03 يوليو 2013 لخمس محاولات سابقة[3] استهدفت التحفظ أو تجميد أو مصادرة أموالها أو أموال بعض قيادتها على مدار تاريخها الذي يمتد لأكثر من 90 عاما، بدءا من العهد الملكي حيث كان الاحتلال الإنجليزي والقصر يسيطران على معظم الحكومات باستثناء مراحل قليلة اتسمت فيها بعض الحكومات باستقلالية، مرورا بالعهد الناصري وصولا إلى عهدي مبارك والسيسي.

الأولى، على يد حكومة الأقلية من حزب السعديين عام 1948م، برئاسة محمود فهمي النقراشي، والذي صادر أموال الجماعة مرتين بإيعاز من الإنجليز على خلفية مشاركة الجماعة في مواجهة عصابات اليهود في فلسطين، حيث قدمت أروع النماذج البطولية ودعمت القوات النظامية للجيوش العربية وكانت مصدر الخوف والرعب لعصابات اليهود وزرع الكيان الصهيوني في المنطقة برعاية إنجليزية.[4] وبدلا من تكريم هؤلاء المجاهدين أصدر النقراشي باشا قرارا باعتقال المجاهدين العائدين ومصادرة أسلحتهم، كما أصدر النقراشي باشا بصفته الحاكم العسكري أمرًا بحل جماعة الإخوان المسلمين وجميع شُعبها في مصر وإغلاق الأماكن المخصصة لنشاطها، وضبط أوراقها وسجلاتها وأموالها وممتلكاتها، وحظر اجتماع خمسة أو أكثر من أعضائها، وتسليم كل وثائق الجمعية وأموالها لأقسام الشرطة، بدعوى أن الجماعة كانت تهدف لقلب نظام الحكم باستخدام عناصرها المسلحة “الجوالة”، وكانت هذه هي المرة الأولى في تاريخ الإخوان التي يتم فيها حل ومصادرة أموال الجماعة.

الثانية، كانت في عهد الديكتاتور جمال عبد الناصر عام 1954 بعد مسرحية حادث المنشية، وبدعوى محاولة اغتيال عبدالناصر صدر الأمر بمصادرة ممتلكات وأموال الجماعة وحلها وإن كان لا يوجد قرار رسمي محرر بذلك لكنه تم تنفيذه.

المرة الثالثة كانت أيضا في عهد جمال عبدالناصر؛ حيث صادر أموال الجماعة عام 1965، ولكن بشكل أوسع، وذلك خلال حملة الاعتقالات الشاملة التي طالت الآلاف، وشملت رموزًا بالجماعة، مثل الشهيد سيد قطب وغيره. وقصة تنظيم 1965 وما نسبوا إليه من مخططات ضد الدولة المصرية، بني على خيال مريض وافتراءات لصناعة عدو وهمي، وقد كان الهدف منه إيهام عبد الناصر أن المؤامرات تحاك حوله كثيرا، وأنه لا حامي له إلا مخابراته العسكرية، ووصفها الرئيس الأسبق محمد أنور السادات في ص 179 من كتابه “البحث عن الذات” بأنها (تهيؤات للسلطة الحاكمة في ذلك الوقت أن الإخوان يتآمرون ليقوموا بثورة مضادة، وقد ذهب ضحية هذا التصور الكثيرون ممن يحصون بالألوف، وصدرت ضد الكثيرين منهم أحكام)[5].

الرابعة، في عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات في أحداث سبتمبر 1981 وكان قد أعتقل الآلاف على خلفية الرفض الشعبي لاتفاقية السلام مع الصهاينة وكان معظمهم من الإخوان المسلمين تضمن القرار مصادرة أموال بعض القيادات على رأسهم المرشد الأسبق عمر التلمساني لكن السادات اغتيل في حادث المنصة 06 أكتوبر 1981 ولم يتم تنفيذ المصادرة.

الخامسة، فى نهاية عام 2006 تم القبض على العشرات من قيادات الجماعة، وتم تقديمهم للمحاكمة بتهمة غسيل أموال، واتخذت الحكومة إجراءات تصعيدية ضد الجماعة واعتقلت قيادات الإخوان، على رأسهم خيرت الشاطر النائب الثانى للمرشد وبعض رجال أعمال بالجماعة. وكان القرار بإغلاق شركات ودور نشر ومطابع كانت تملكها أعضاء بالجماعة، كما أصدر النائب العام المستشار عبد المجيد محمود قرارًا بمنع 29 من قياديي الجماعة وأسرهم من التصرف في أموالهم وممتلكاتهم السائلة والعقارية. وفى عام 2008، أسدلت المحكمة العسكرية الستار على القضية المتهم فيها 40 من قيادات «الإخوان»، وذلك بإصدار أحكام بالسجن على 25 منهم بمدد تتراوح ما بين ثلاث إلى 10 سنوات، بينهم النائب الثانى للمرشد العام للجماعة محمد خيرت الشاطر، ومصادرة ممتلكات عدد منهم. وقضت المحكمة بالحبس سبع سنوات على الشاطر ورجل الأعمال حسن مالك، مع مصادرة جميع ممتلكاتهما في العديد من الشركات، بينما عاقبت كل من رجال الأعمال المعروفين يوسف ندا وفتحى الخولى وتوفيق الراعى وإبراهيم الزيات غيابيًا بالحبس عشر سنوات.

أزهي عصور التأميم والمصادرة

وتعد مرحلة ما بعد انقلاب 03 يوليو 2013م، أزهى عهود التأميم والمصادرة؛ البداية جاءت مع قرار محكمة القاهرة للأمور المستعجلة في 23 سبتمبر 2013 بحظر جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أموالها؛ وهو القرار الذي وصف بغير القانوني لأنه صدر من جهة غير مختصة؛ فمسألة حظر الجماعة ومصادرة أموالها، أو حل حزب الحرية والعدالة من صلاحيات القضاء الإداري ولجنة شئون الأحزاب وليس من صلاحيات محكمة الأمور المستعجلة.[6]

وفي أكتوبر 2013، أصدرت حكومة “جبهة الإنقاذ العلمانية” برئاسة الدكتور حازم الببلاوي القرار رقم 1141 لسنة 2013 بتشكيل لجنة ﻹدارة أموال جماعة اﻹخوان المسلمين، وجاء في نص القرار أن تشكيل اللجنة جاء «بناءً على الحكم الصادر في الدعوى رقم 2315 لسنة 2013 من محكمة القاهرة للأمور المستعجلة بتاريخ 23/9/2013، بحظر ممتلكات وأموال جماعة الإخوان المسلمين». وطبقًا للقرار، تتشكل اللجنة من ممثلين عن وزارة العدل، والداخلية، والمالية، والتضامن الاجتماعي، والتنمية المحلية، باﻹضافة إلى ممثلين عن البنك المركزي، وجهاز اﻷمن القومي، وهيئة الرقابة المالية، والهيئة العامة للاستثمار. ويرأس اللجنة ممثل وزارة العدل فيها.[7]

وفي نوفمبر 2013، قررت لجنة حكومية منع 115 قياديًا بجماعة الإخوان المسلمين[8]، من التصرف في كافة ممتلكاهم العقارية والمنقولة والسائلة وكافة حساباتهم المصرفية أو الودائع والخزائن المسجلة بأسمائهم لدى البنوك، بينهم الرئيس محمد مرسي، والمرشد العام الدكتور محمد بديع وقيادات مكتب الإرشاد والجماعة، ثم توالت محاولات تقنين هذه السرقة وضم الآلاف من الأشخاص ومئات الشركات والمدارس وآلاف المؤسسات الخيرية إليها.

وفي ديسمبر 2013 قررت لجنة حكومية تجميد أموال 1055 مؤسسة خيرية.[9] وفي مطلع يناير 2014م، قررت اللجنة الوزارية‏,‏ التي تم تشكيلها لحصر أموال جماعة الإخوان‏,‏ برئاسة المستشار عزت خميس منع‏572‏ قيادة إخوانية جديدة من التصرف في أموالهم العقارية والمنقولة والسائلة‏,‏ ليصل عدد المتحفظ علي أموالهم من قيادات الإخوان إلى‏710‏ أشخاص‏.‏[10]

صراع قانوني و«3» جولات قضائية

مر الصراع القانوني بين نظام 30 يونيو العسكري والفريق القانوني لجماعة الإخوان المسلمين بـ«3» جولات[11] تعكس إصرار النظام على نهب وسرقة أموال الجماعة بشتى الطرق والوسائل غير المشروعة، رغم أحكام البطلان الكثيرة من القضاء الإداري ومحكمة النقض.

الجولة الأولى أمام القضاء الإداري: جاءت بعد قرارات الأمور المستعجلة حظر الجماعة والتحفظ على أموالها وقرار الحكومة بتشكيل لجنة لإدارة هذه الأموال، ومنذ تأسيسها، توسعت اللجنة في نشاطها بشكل كبير، وأصدرت قرارات بالتحفظ على أموال ما يزيد عن 1500 شخص. لكن، في المقابل، أوقفت أحكام متتالية من القضاء اﻹداري قرارات هذه اللجنة لأن «إدارة أموال الإخوان» لها طبيعة إدارية وليست قضائية، وبالتالي لا يحق لها إصدار قرارات مماثلة بالتحفظ، ويُمكن الطعن على قراراتها أمام مجلس الدولة.

وبحسب تقرير هيئة المفوضين في دعوى التحفظ على أموال لاعب الكرة محمد أبو تريكة، فإن «اللجنة اعتدت على الملكية الخاصة وانتقصت من الحقوق الدستورية والقانونية المقررة للملكية الخاصة دون سند من القانون. كما أنها اغتصبت اختصاص القضاء في هذا الشأن، لأنه وعلى فرض أن المدّعي ارتكب سلوكًا يشكل جريمة جنائية، فإن ذلك لا يبرر لجهة الإدارة التدخل بقرار إداري لحرمان المدعي من إدارة أمواله والتصرف فيها، فالمنع من التصرف أو الإدارة ينبغي أن يصدر من المحكمة الجنائية المختصة وفقًا للضوابط المقررة في قانون الإجراءات الجنائية أو كأثر مباشر للحكم بالإدراج على أي من القوائم المنصوص عليها في قانون الكيانات الإرهابية». وأوصى التقرير بإلغاء التحفظ على أموال أبو تريكة، طبقًا لتقرير نشرته صحيفة «الشروق» في فبراير 2016.

الجولة الثانية أمام محكمة “النقض”: على خلفية اﻷحكام المتتالية التي أصدرها مجلس الدولة، تعرضت شرعية اللجنة وقراراتها إلى شكوك كبيرة. وفي محاولة لتجاوز هذه اﻷحكام، قررت الحكومة إعادة إجراء عملية التحفظ مرة أُخرى. لكن هذه المرة طبقًا ﻷحكام قانون «الكيانات اﻹرهابية»[12] رقم 8 لسنة 2015، الذي أصدره الجنرال عبدالفتاح السيسي في 24 فبراير 2015. وذلك بأن تُعد النيابة العامة قوائم اﻹرهابيين والكيانات اﻹرهابية والتي تُعرض على دائرة جنايات بمحكمة استئناف. إذا أقرت دائرة الجنايات إضافة هؤلاء اﻹفراد أو الكيانات إلى قوائم اﻹرهاب، يتمّ التحفظ على أموالهم.

وفي يناير 2017، أعادت محكمة جنايات القاهرة إصدار قرارات قضائية بالتحفظ على أموال 1538 شخصًا سبق التحفظ على أموالهم بواسطة اللجنة. كما أصدرت المحكمة قرارًا قضائيًا بإعادة تشكيل اللجنة في مايو 2017، لتتبعه بقرار آخر في سبتمبر 2017 بتسمية أعضائها.

وعندما عادت اللجنة للعمل مرة أخرى، اصطدمت قراراتها بأحكام البطلان من محكمة النقض، وأوصت نيابة محكمة النقض بقبول الطعون وإلغاء قرار التحفظ. واعتبرت نيابة النقض أن قرار الجنايات «لم يبيّن بوضوح الوقائع والأفعال التى اقترفها المتهمون»، كما «لم يبيّن الأدلة الدالة على ذلك بيانًا يوضحها ويكشف عن قيامها، وذلك من واقع التحقيقات والمستندات المعروضة عليه من النائب العام واكتفى في ذلك كله بعبارات عامة معماة ومُجهلة». وأوصت نيابة النقض بإلغاء قرار اﻹدراج على قوائم اﻹرهاب وبالتالي رفع التحفظ على اﻷموال، الذي لم تنقذه اللجنة قط وظلت في التحفظ وإدارة الأمول المنهوبة رغم بطلان قراراتها قضائيا.

الجولة الثالثة: في محاولة من النظام لتلافي البطلان والإصرار على نهب أموال الإخوان والمعارضين؛ صدَّق الجنرال عبد الفتاح السيسي على قانون «تنظيم إجراءات التحفظ والحصر واﻹدارة والتصرف في أموال الجماعات اﻹرهابية واﻹرهابيين»، برقم 22 لسنة 2018.الذي نشرته الجريدة الرسمية في عددها الصادر السبت 21 أبريل2018، ونشر صباح اليوم التالي في الجريدة الرسمية. والذي تم تفصيله خصيصا لتقنين إجراءات اغتصاب أموال الإخوان.

ويعتبر القانون الجديد عودة بقضية التحفظ على أموال الإخوان إلى ساحة القضاء المدنى، ممثلا فى محكمة الأمور المستعجلة، بعدما كانت القضية قد انتقلت إلى ساحة مجلس الدولة لنحو عام، ثم انتقلت إلى ساحة النيابة العامة ومحكمة جنايات القاهرة ومحكمة النقض منذ صدور قانون الكيانات الإرهابية فى فبراير 2015.

فعقب إنشاء لجنة التحفظ على الأموال نهاية عام 2013 لتنفيذ حكم محكمة الأمور المستعجلة الصادر فى 22 سبتمبر 2013 باعتبار جماعة الإخوان إرهابية، كان من يصدر ضده قرار التحفظ يتظلم أولا أمام اللجنة، ثم يلجأ إلى محكمة القضاء الإدارى التى تواترت أحكامها بإلغاء قرارات التحفظ باعتبارها صادرة دون مسوغ قضائى، وباعتبار أن اللجنة إدارية وليست قضائية، وأيدت الإدارية العليا بعض هذه الأحكام، ولم تنفذ اللجنة أيا منها.

وبعد صدور قانون الكيانات الإرهابية أعيدت صياغة قرارات التحفظ الصادرة من اللجنة ضد أكثر من 1538 شخصا بتهمة تمويل الجماعة على مدى السنوات الثلاث الماضية، فى صورة قرار من محكمة الجنايات بناء على طلب النيابة العامة بإدراج جميع هؤلاء المتهمين على قائمة الإرهابيين فى 12 يناير 2017، مما نتج عنه تجميد أموالهم والتحفظ عليها ومنعهم من السفر ووضع المسافرين منهم على قائمة ترقب الوصول. ثم أعيدت صياغة تشكيل لجنة حصر وإدارة الأموال فى صورة قرارين من محكمة الجنايات أيضا العام الماضى، لتستمر اللجنة برئاسة رئيسها الحالى المستشار محمد ياسر أبوالفتوح، مع تغيير بعض ممثلى الجهات المشاركة.[13]

هذا القانون الذي تم تفصيله خصيصا لتقنين نهب واغتصاب أموال الإخوان عليها عدة تحفظات أهمها عدم الدستورية للأسباب الآتية:

أولا، يتضمن القانون إنشاء لجنة وصفها بذات طبيعة قضائية في محاولة لتلافي أسباب البطلان السابقة باعتبار اللجنة إدارية لا قضائية، لكن القانون فعليا وإن نص على وصف هذه اللجنة بالقضائية إلا أنها تتشكل من 7 من أعضاء قضاة الاستئناف يصدر بندبهم قرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة المجلس الأعلى للقضاء، بحسب المادة الثالثة من القانون؛ ما يعني أنها فعليا إدارية لا قضائية لأنها تتشكل بقرار من رئاسة الجمهورية. وتختص هذه اللجنة دون غيرها باتخاذ كافة اﻹجراءات المتعلقة «بتنفيذ الأحكام الصادرة باعتبار جماعة أو كيان أو شخص ينتمي إلى جماعة إرهابية». وتتولى اللجنة «أعمال حصر الأموال الخاصة بجميع تلك الأحكام أيًا كانت صورتها، ولها اتخاذ كافة الإجراءات التي تكشف عنها والاستعانة بكافة الجهات التي ترى الاستعانة بها في هذا الشأن»، طبقًا لنص المادة الرابعة.

ثانيا، بعد أحكام البطلان المتكررة من القضاء الإداري ومحكمة النقض، استبدل القانون الجديد جهة التظلم ضد القرارات لتصبح أمام محكمة اﻷمور المستعجلة بديلًا عن «القضاء اﻹداري»، كما حدث مع الجولة اﻷولى، و«محكمة النقض، كما حدث في الجولة الثانية. وفي حال رفض محكمة اﻷمور المستعجلة الطعن على قرار التحفظ، يُصبح «حكم» التحفظ «نهائيًا». وبحسب المحامي والفقيه الدستوري عصام الإسلامبولي، في مكالمة هاتفية مع بي بي سي، فإن تخصيص “محكمة الأمور المستعجلة ” بالنظر في هذه القضايا يعد من وجهة نظره “مخالفة دستورية”.

ثالثا، يمنع هذا القانون المتضررين من الطعن على قرار ضم الأموال بأي صورة، حتى أمام محكمة النقض، ما يعبر عن بلوغ التنكيل بجماعة الإخوان ومؤيديها ذروته، وخاصة أن هذا القرار يصدر بعد أيام معدودة من إدانة 734 شخصا والحكم بإعدام 75 منهم في قضية اعتصام رابعة العدوية.

رابعا، لأول مرة يفتح القانون الجديد “مادة11” الباب أمام مصادرة هذه اﻷموال ونقلها إلى الخزينة العامة للدولة، وليس التحفظ عليها وإدارتها فقط، ودون انتظار ﻷحكام نهائية تدين هؤلاء اﻷشخاص في أي تهم تتعلق باﻹرهاب. وهو دليل على عدم دستورية القانون، لأنه يخالف المادة 40 من الدستور [14]التي تنص على أن “المصادرة العامة للأموال محظورة. ولا تجوز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي”، فالمقصود بالمصادرة الخاصة هنا أن تحدد المحكمة الجنائية حصرياً الأدوات أو الأموال التي استخدمها المتهم، ومن ثم تحكم بمصادرتها بعد ثبوت استخدامها في مخالفة القانون، كمصادرة السيارات والأسلحة والمخدرات في قضايا التهريب والقتل والإرهاب، الأمر الذي يختلف تماماً عن حالة الأموال المتحفظ عليها الذين تدور حولهم شبهة التمويل دون أدلة كافية على ذلك.

مخاطر على الاستثمار

بحسب قرار المصادرة الأخير لأموال الإخوان، فإن من أبرز الشركات التي تم تأميمها شركات تعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات ومنها: راديو شاك، دلتا سوفت وير، إس إم إس تكنولوجي كمبيو تك العالمية، إضافة إلى مصانع وشركات المجموعة المصرية للاستثمارات الصناعية (إيجمى) سيراميكا بريما، ماتكس للملابس الجاهزة، دار الطباعة والنشر الإسلامية، ثرى إم للصناعات الهندسية، الأندلس والحجاز للخدمات العقارية والتسويق، أندلسية للفندقة والسياحة، بلو لاجون للفندقة والتسويق العقاري والدعاية والإعلان، بيزنس نيوز للصحافة والنشر، بيزنس ميديا جروب للدعاية والإعلان.

وتمثل عمليات تفصيل القوانين لتقنين اغتصاب ونهب أموال المعارضين للنظام رسالة شديدة السلبية لأي مستثمر أجنبي أو حتى وطني، فالنظام يبعث برسالة تهديد بأنه قادر على التنكيل بأي شخص إذا تعارضت مصالحه مع مصالح النظام، وقد امتدت عمليات التنكيل لتشمل غير الإسلاميين من جنرالات كبار ورجال أعمال وساسة وموالين للنظام نفسه وقد باتوا اليوم في أقبية السجون والمعتقلات.

يؤكد ذلك أن رد رئيس اللجنة السابق المستشار عزت خميس عندما سئل عن سبب إدرج رجل الأعمال صفوان ثابت فقال إن «اللجنة لا تُسأل عن أسباب التحفظ على أموال أي شخص لأنها سرية»[15] فهذا الغموض وعدم الشفافية دفع البعض إلى التأكيد على أن عمليات النهب المصادرة تتم لأسباب سياسية تختص بالانتقام من الإخوان وبعضها تصفية حسابات داخل دوائر السلطة؛ ولا دليل عليها سوى تحريات الأمن الوطني؛ يعزز من هذه الفرضية أن القائمة التي أُعلن عنها، تعدت 3 آلاف فرد وشركة، وتضم شخصيات لا تنتمي للإخوان مثل رجل الأعمال المعروف صفوان ثابت مالك شركة جهينة وعمرو الشنيطي صاحب مكتبات ألف وأصحاب شركات معروفة مثل دلتا وراديو شاك وموبايل شوب والصحفيين جمال ومحمود سلطان المالكين لجريدة “المصريون” وغيرهم.

وتؤثر قرارات التحفظ على أموال الشركات بشكل سلبي على الاستثمار، خاصة الاستثمار الأجنبي المباشر، ذلك لأن رأس المال بطبيعة الحال يُعرف بأنه «جبان»، أي أنه يخشى أي عوائق أمنية أو سياسية أو قانونية في الدولة التي يتوجه لبدء استثماره بها، لذلك مثل تلك القرارات من شأنها أن تُولد لدى المستثمرين تخوفا من المجيء للاستثمار في مصر والتفكير جيدًا قبل اتخاذ هذا القرار.

وتعد هذه النقلة من قرارات التحفظ فقط على أموال المعارضين السياسيين إلى المصادرة ونقل الممتلكات لصالح خزينة الدولة، عودة إلى عصور التأميم التي تمت في عهد جمال عبد الناصر منذ أكثر من 50 عاماً، ما يتناقض مع اتجاه الدولة نحو الاقتصاد الحر وتشجيع القطاع الخاص، بحسب المحللين.[16]

كيف يمكن استراداد هذه الأموال؟

وحول الإجراءات القانونية التي يمكن للمتضرر اللجوء إليها، ينص القانون على أن “كل ذي صفة أو مصلحة أن يتظلم من قرار اللجنة خلال 8 أيام أمام محكمة (الأمور المستعجلة)، التي تتولى الفصل فيه خلال 30 يوما، كما يتاح لكل ذي صفة أو مصلحة الطعن على حكم (الأمور المستعجلة) خلال 10 أيام من تاريخ علمه به، وتتولى محكمة (مستأنف الأمور المستعجلة) الفصل فيه خلال 30 يوما أيضا، ويكون حكمها نهائيا غير قابل للطعن”.

وحسب القانون فإن إجراءات نقل ملكية الأموال المصادرة للدولة؛ تبدأ بتقديم لجنة التحفظ طلبا لمحكمة “الأمور المستعجلة” بالتصرف في المال، وبعدما تصدر محكمة “مستأنف الأمور المستعجلة” حكما نهائيا بالتحفظ والتصرف، برفضها طعن المتضرر، يصبح من حق اللجنة التصرف بالأموال بنقل ملكيتها للخزانة العامة وذلك دون اشتراط صدور حكم جنائي بإدانة صاحب المال.

وحيال أنسب الطرق لاسترداد هذه الأموال، هناك سيناريوهان[17]:

الأول، سيناريو يؤكد أن مصر حاليا ليست دولة قانون حتى يمكن اللجوء إليه لاستراد هذه الأموال المغصوبة، ويتبنى هذا المسار المستشار أحمد سليمان وزير العدال الأسبق بحكومة الدكتور هشام قنديل قائلا:”ليس في مصر قانون” لاستعادة تلك الأموال، مؤكدا أنه ورغم ذلك فإن الأمر لم ينتهي بعد وأن تلك الأموال “ستسترد مع استرداد مصر من أيدى العصابة المجرمة”. لكنه في ذات الوقت لا يمانع من الطعن على هذه القرارات الجائرة، مقللا من استرداد هذه الأموال عبر هذه الطعون في ظل نظام الانقلاب الحالي.

السيناريو الثاني، يؤكد على ضرورة الطعن على هذه القرارات خصوصا وأن القانون الأخير رقم 22 لسنة 2018 غير دستوري ويخالف نص المادة 40 من الدستور في عدد من مواده، فهذا القانون يعد نموذجا للانحراف التشريعي؛ بمعنى أنه لم يصدر إلا لمصلحة عامة مجردة ولكنه صدر وكأنه يسعى للقضاء وتصفية خصوم سياسيين ماليا واقتصاديا، وإن كان الطعن على عدم دستورية هذا القانون ربما يستغرق عدة سنوات وربما يكون الفصل فيه على الأرجح بعد الإطاحة بالسيسي من الحكم. وهذا الرأي يتبناه أستاذ القانون الدستوري الدكتور ياسر حمزة.

خلاصة القول، أن النظام يبعث برسائل تهديد من قرارات المصادرة للإخوان ولكل فصائل المعارضة أنه ماض في ظلمه واستبداده وعدم اكتراثه بدستورية أو عدم دستورية قراراته وإجراءاته وأنه رغم أحكام البطلان المتكررة إلا أنه لم ينفذ منها شيئا، حتى قرر تفصيل القانون 22 لسنة 2018م، والذي يقنن اغتصاب أموال المعارضين من الإخوان تحديدا، وربما يكون هذا الإجراء انعكاسا لحالة الإفلاس التي يعاني منها النظام ولذلك يمد يديه في جيوب الشعب لينهب منها ما يشاء سواء بمصادرة الأموال عبر قوانين مشبوهة وغير دستورية أو بفرض مزيد من الضرائب والرسوم بشكل باهظ.

والرسالة الأساسية من قرار المصادرة في يوم 11 سبتمبر أنه يتزامن مع ذكرى الاعتداءات على واشنطن ما يمثل حالة تزلف من النظام العسكري للإدارة الأمريكية التي تنتمي إلى اليمين المتطرف، كما تمثل تصعيدا صداميا واسعا مع الإسلاميين عموما والإخوان على وجه الخصوص إذا ما وضعنا ذلك إلى جوار حكم إعدام 75 من قيادات الجماعة قبل القرار بثلاثة أيام فقط.

وربما يهدف النظام من وراء هذه الإجراءات الانتقامية بحق الإخوان كسر حالة الصمود الأسطوري التي يبديها قيادات وعناصر الجماعة رغم بشاعة الانتهاكات لإجبارهم على الاستسلام أو استخدام هذه الأحكام والقرارات كورضة ضغط يساوم بها الجماعة حال أجبر دوليا وإقليميا على وقع الأزمات والفشل الذي يحاصره للتفاوض مع الجماعة درءا لثورة ربما تشتعل مع استمرار النظام بنفس السياسات والأشخاص.

ورغم التقليل من جدوى استرداد هذه الأموال بالطرق القانونية وأنها لن تسترد إلا بتحرير مصر كلها من النظام العسكري الفاشي، إلا أن ذلك لا يمنع من الطعون عليها والطعن بعدم دستوريتها وهو الأمر الذي ربما يستغرق سنوات ولن يتم الفصل فيه إلا بعد الإطاحة بالنظام.

[1] إبراهيم قاسم/تعرف على الأسباب القانونية لمصادرة أموال تنظيم الإخوان الإرهابى/ اليوم السابع الثلاثاء، 11 سبتمبر 2018

[2] محكمة مصرية تؤيد قرار مصادرة أموال وممتلكات “الإخوان”/ عربي “21” الخميس 13 سبتمبر 2018

[3] حنان عبد الهادي/مصادرة أموال وممتلكات «الإخوان» للمرة السابعة.. «النقراشي» صادر أموال «الجماعة» عام 1948.. جمال عبد الناصر فكك نشاطها وسجن أعضاءها.. «السادات» و«مبارك» أغلقا الشركات ودور النشر والمطابع/ بوابة فيتو الإثنين 16/يونيو/2014

[4] إبراهيم البيومي غانم/ قصة النظام الخاص ودراما تقبيح الحسن/ الشروق الأحد 10 أكتوبر 2010

[5] عصام تليمة/ سيد قطب بين افتراءات العسكر وإنصاف التاريخ/ “عربي 21” الخميس 31 أغسطس 2017

[6] ما مدى قانونية حكم حظر الإخوان؟/ الجزيرة نت 24 سبتمبر 2013

[7] محمد حمامة/ لجنة التحفظ على أموال الإخوان في مواجهة القضاء/ مدى مصر 24 نوفمبر 2016

[8] محمد السنهوري/ مصادر قضائية: التحري عن ممتلكات 115 من قيادات الإخوان/ المصري اليوم السبت 16 نوفمبر 2013

[9] محمد السعدني/«المصري اليوم» تنشر قائمة بأسماء جمعيات «الإخوان» المجمدة (1)/ المصري اليوم الثلاثاء 24 ديسمبر 2013

[10] حنان بكري/التحفظ علي أموال ‏710‏ من قيادات الإخوان/ الأهرام غرة يناير 2014

[11] رانيا العبد و محمد حمامة/ الجولة الثالثة.. هل حسمت الدولة مباراة «التحفظ على الأموال»؟/ مدى مصر 22 أبريل 2018

[12] قانون الكيانات الإرهابية المصري/ الجزيرة نت 04 مارس 2015

[13] محمد بصل/ واقع قانونى جديد لملف التحفظ على أموال الإخوان – «إنفوجراف»/ الشروق الثلاثاء 24 أبريل 2018

[14] مصادرة أملاك المتهمين بتمويل الإخوان.. خطوة “لادستورية” كشفها “العربي الجديد” منذ عام/ العربي الجديد الثلاثاء 11 سبتمبر 2018

[15] كريم أسعد كريم أسعد/ التحفظ على أموال الإخوان: واجهة الدولة لتصفية حساباتها/ إضاءات 20 سبتمبر 2017

[16] علاء البحار/ عودة التأميم إلى مصر يفزع المستثمرين… 3.5 مليارات دولار حجم الممتلكات المصادرة/ العربي الجديد الخميس 13 سبتمبر 2018

[17] محمد مغاور/ما هي الطرق القانونية لاسترجاع أموال الإخوان بعد مصادرتها؟/”عربي 21″ الأربعاء 12 سبتمبر 2018

عن نافذه دمياط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *